
رَمضَانُك الأَخِير .. فتَأمَّل!
مارس 3, 2026
العشر الأواخر وليلة القدر
مارس 4, 2026بقلم: أحمد هاني – طالب بكلية الطب
﴿مَثَلُ ٱلَّذِینَ حُمِّلُوا۟ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ یَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ یَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ﴾ [الجمعة: 5].
لا ريب أن أكثرنا يحفظ هذه الآية التي نزلت في بني إسرائيل، ولاريب أيضاً أن الدهشة تأخذ أصحاب الذوق منا من روعة هذا التشبيه؛ إذ تخيل معي لو أن حماراً يحمل أسفار علم هل يَنتفع بها؟! الجواب الأكيد أن: لا. ولكن تخيل معي أيضا أننا نشرنا هذه الأسفار أمام الحمار هل ينتفع بها ؟! الجواب الأكيد أيضا أن: لا.
فهكذا صور الله هذه الفئة من اليهود، بأنهم كالحمير يحملون أسفاراً لا ينتفعون بها ولا يعملون بها، وأنه حتى لو نُشرت أمامهم هذه الأسفار بالعلم الذي تحتويه ما انتفعوا بها كذلك. فنعوذ بالله من قسوة القلب!
واعلم أن قصص بني إسرائيل في القرآن الكريم، لم تُذكر على سبيل التكرار العبثي فقط، حاشا كلام الله أن يعتريه الخلل، وإنما ذُكرت لأن بني إسرائيل هم المثال العملي لأمة حملت الرسالة فلم تحملها حق حملها فنكبها الله عز وجل ولعنهم. وبالتالي فإن أمة محمد حينما تقرأ هذه القصص لابد وأن تقرأها قراءة المتعظ المعتبر، الخائف أن يقع في أخطاء بني إسرائيل فتكون عاقبته كعاقبتهم! ولا أجد في كتاب الله عز وجل دليلاً جلياً على ذلك أكثر من قوله تعالى: ﴿أَمۡ تُرِیدُونَ أَن تَسۡـَٔلُوا۟ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُىِٕلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن یَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِیمَـٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَاۤءَ ٱلسَّبِیلِ﴾ [البقرة: ١٠٨].
فهنا وعظ الله عز وجل المؤمنين بأن ذكر لهم خطأ بني إسرائيل مع نبيهم موسى ورفضهم الخضوع والامتثال لأمر الله، لكي يعتبر المؤمنون ولا يرتكبوا نفس هذا الخطأ الذي كان سبباً في هلاك من قبلهم.
وبعد أن ثبتنا هذه القاعدة، ينبغي أن نعود إلى الآية التي ذكرناها في بداية حديثنا التي تحدثت عن عدم حمل بني إسرائيل لكتابهم. وأن ننظر إلى أنفسنا وقد أكرمنا الله بالكتاب المهيمن على كل الكتب السابقة ألا وهو “القرآن الكريم”. فننظر هل حملناه حق حمله؟! أم وقعنا في خطأ بني إسرائيل وبالتالي نكبنا الله عز وجل.
ما هو القرآن؟!
القرآن دستور هذه الأمة، الذي جاء لتنظيم حياتها مجتمعة وحياة كل فرد فيها. الذي يشتمل على أحكام كثيرة في أمور الدنيا وأحكام كثيرة في أمور الآخرة، هو الدستور الوحيد الذي لا يعتريه نقص بشري ولا خلل بنيوي ولا احتمال تغيير مستقبلي. لأن الله تعالى قال عنه: ﴿ وَإِنَّهُۥ لَكِتَـٰبٌ عَزِیزࣱ * لَّا یَأۡتِیهِ ٱلۡبَـٰطِلُ مِنۢ بَیۡنِ یَدَیۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِیلࣱ مِّنۡ حَكِیمٍ حَمِیدࣲ﴾ [فصلت: ٤١-٤٢].
هو المرجعية العليا التي أتت لتهيمن على العالم لتصلحه وتعيد توجيه بوصلته إلى الطريق القويم والصراط المستقيم. فقال تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَمُهَیۡمِنًا عَلَیۡهِۖ فَٱحۡكُم بَیۡنَهُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ﴾ [المائدة: ٤٨].
ووصف كل ما يحكم به غيرها بالطاغوت، ووصف من ادعوا الإيمان ثم رفضوا حكم الله وتحاكموا إلى الطاغوت بأنهم كاذبون في زعمهم هذا، فقال تعالى جده: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِینَ یَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُوا۟ بِمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ یُرِیدُونَ أَن یَتَحَاكَمُوۤا۟ إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوۤا۟ أَن یَكۡفُرُوا۟ بِهِۦۖ وَیُرِیدُ ٱلشَّیۡطَـٰنُ أَن یُضِلَّهُمۡ ضَلَـٰلَۢا بَعِیدࣰا﴾ [النساء: ٦٠].
ما هو القرآن؟! القرآن منهج حياة! عقيدة تحررية أتت لتحرر البشر من كل طاغوت وكل عبودية لغير الله، ولا فرق في العبودية بين من يسجد لصنم وبين من يتحاكم إلى قوانين وضعها متنفذون جبابرة في لحظات انتصارهم وسيطروا بها على الناس. القرآن حقيقة تضبط التصور، وشريعة تنظم الحياة، وميزان يزن به المسلم كل فكرة.
القرآن كتاب عزيز، ممتنع عن النقص والتحريف، ولا يأتيه الباطل لا في أحكامه ولا في قصصه ولا في وعده ولا في وعيده. فأي دستور بشري يمكن أن يدعي هذا أو أن يزعم أنه ممتنع عن النقص والتحيز والتبديل؟!
ما هو القرآن؟! القرآن كتاب مهيمن، والهيمنة هي العلو والسيطرة والحاكمية، فالقرآن ليس تابعاً لحضارة، ولا خاضعاً لثقافة، ولا يحتاج إلى “تجديد الخطاب الديني” ليتوافق مع العصر الحديث! بل هو من يحاكم العصر وهو الذي يقاوم الحضارات وهو الذي يزن الأفكار!
ما هو القرآن؟! القرآن تغيير وثورة! ثورة على الظلم والكفر والطغيان والعبودية والعادات والتقاليد الفاسدة والأخلاق المنحطة. القرآن لم يأت ليتعايش مع الواقع، القرآن جاء ليغير الواقع!
ما هو القرآن؟! القرآن هو الذي قال عنه العربي البسيط: “إن ما جئت به يا أخا العرب مما تكرهه الملوك”! القرآن هو الذي عندما سمعه العربي البسيط قال: “خلوا بين هذا الرجل وما هو فيه، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فعِزه عزكم ومُلكه ملككم وكنتم أسعد الناس به”. سمع العربي القرآن مرة فعرف أنه سيكون قتال وقتل ضد أصحاب هذا الكتاب!
ولتزاحم المعاني والأوصاف على ذهني فأنا مهما حاولت أن أصف هذا الكتاب، لن أوفيه حقه، ولن يستطيع أحد أن يتحدث عن هذه النعمة العظيمة التي أنعم الله بها على البشرية وهي “القرآن الكريم” ويعطيها حقها من الوصف والتعريف دون نقص أو زيادة. ولعل هذا من بركة وعزة هذا الكتاب المجيد.
فهل حملنا هذا الكتاب حق حمله؟!
هل اتخذناه مرجعية ودستوراً أم اتخذناه “كتميمة” توضع في حقيبة السيارة وفوق مكتب العمل؟!
هل قرأناه لنتعلم ونتدبر ثم نعمل؟! أم قرأناه لنتلذذ بعذوبة أصواتنا وقوة حناجرنا؟!
هل حفظناه عملاً وحكماً؟! أم حفظناه أسفاراً تُتلى ثم مضينا نخالفه في كل صغيرة وكبيرة ودقيقة وجليلة؟!
إنه وبعد مائة عام -وإن شئت فقل أكثر- مُسخ معنى القرآن في عقول أكثرية الأمة، فأصبحنا نحرص على حفظ القرآن ولكننا لا نعمل به، بل إنك ترى بعض الحفظة لهذا الكتاب يحوي في عقله وقلبه أفكاراً مناقضة لهذا الكتاب -الذي يحفظه- جملةً وتفصيلاً.
فلم يعد معنى حملة القرآن هو الذي عهدناه في السيرة وفي القرون الخالية، لما قال الناس لسالم مولى أبي حذيفة -وقد كان من حفظة القرآن-: “لا نُؤتينّ من قِبلك!” فردّ عليهم قائلاً: “بئس حامل القرآن أنا إن أُوتيتم من قِبلي”.
وأصبح حملة -أو قل حفظة- القرآن زينة يتزين بها الطغاة في محافلهم ومجالسهم، ليقنعوا بها شعوبهم أنهم لا يعادون الدين. بينما ترى أولئك الطغاة لا يتركون صغيرة ولا كبيرة نهى عنها هذا القرآن إلا أتوها. ولا صغيرة ولا كبيرة أمر بها هذا القرآن إلا خالفوها.
بل إن القرآن نفسه تحول إلى سلعة بسبب هؤلاء الحفظة، سلعة تُباع في المآتم، وتُعرض في المحافل والمسابقات. وصدق القائل حين أنزل إعلاناً عن: “أسعار بورصة القراء في مصر لعام ٢٠٢٥”!
ولك أن تتخيل أن “الوالي السوفيتي على مصر” في الخمسينيات والستينيات كان هو من افتتح إذاعة القرآن الكريم! بينما كان يعذب وينكل بمن يريدون لهذا القرآن أن يحكم في سجونه الجهنمية.
حتى قال صاحب المعالم: “إنهم يريدون قرآناً يُتلى في المآتم ويتغنى به الصبية في المحافل، أما أن يكون حاكماً للحياة فذلك إسلام سياسي”.
وإذا قرأت كتاب معالم في الطريق -الذي كان تهمة من التهم الموجهة لصاحبه- وجدته عملية قوية جداً في محاولة تثوير القرآن وتفعيله حتى قال عنه الدكتور محمد البهي -وزير الأوقاف في عهد الوالي السوفيتي- بينما كان يتحدث مع عبدالحكيم عامر: “أجبته عن تقييمي لكتاب “معالم على الطريق” بأني كنت أتمنى أنا الذي كتبته. هاج ووقف من جلوس وقال: كيف تقول ذلك والصحافة كلها نددت به؟ قلت له: إن ما في هذا الكتاب هو رأي القرآن فيما أرى. وما تقوله الصحافة عنه شيء سياسي لا دخل له إطلاقاً في تقييمه”.
ولمَ نذهب بعيداً؟! فقد رأينا “الحاكم بأمر الله” في مصر يفتتح عهده بمشروع “تجديد الخطاب الديني” وأن “هذه النصوص والأفكار التي تم تقديسها على مدار مئات السنين وأصبح الخروج عليها صعباً جداً” ينبغي أن تحارب!
فهل وُجد الإخوان المسلمون منذ مئات السنين؟! هل وُجدت الحركة الإسلامية أصلاً منذ مئات السنين؟!
ثم أعقب ذلك الشقي منذ أشهر أثناء تخريج دفعة جديدة من كهنة -عذراً – أعني أئمة الأوقاف فقال: “نريد تشكيل تيار مستنير يجابه التخلف والانحطاط الديني والذي حدث خلال ١٤٠٠ سنة “!
وبحسبة بسيطة فإن الشقي يعلن أن التخلف والانحطاط الديني بدأ منذ عام ٤٣ هجرياً! أي في قرن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.. وكعادة أسلافه، مضى في تعذيب وقتل كل مَن قال “ربي الله” وكل مَن نادى بتحكيم هذا القرآن.
وأخرج لنا عجلاً جسداً له خوار، برنامج سموه (دولة التلاوة)، ولسان حاله يقول: هذا قرآنكم وقرآن محمد فنسي. وجاءوا فيه بالحناجر “الذهبية” والأصوات “الشجية” ليستمتع الناس بعذوبة القرآن وجماله، بينما من المحرم العمل على تطبيق حكمه وجلاله! وقد صدقوا إذ سموه “دولة التلاوة”، فإنهم يريدون حقاً دولة تلاوة لا دولة علم وعمل بالمتلو!
ثم يسأل سائل ويقول قائل: لماذا نعيش في هذه النكبة؟!
والجواب أننا اتبعنا سنة بني إسرائيل رغباً أو رهباً، فحولنا القرآن إلى مجرد ترانيم ودندنات عذبة، وتركنا العمل والحكم به. وكان كما قال أمير المؤمنين أبي حفص رضي الله عنه:” لا يغرنكم من قرأ القرآن، فإنما هو كلام يُتكلم به، ولكن انظروا من يعمل به”.
فأصبحنا نجعل مَن اتخذوا القرآن سلعة تُباع وتُشترى، أو أصواتاً يتفاخرون بها أمام الورى.. أهل قرآن!
“ونسينا أن أول من يستحق اسم أهل القرآن الوارد في قوله ﷺ: “أهل القرآن أهل الله وخاصته” هم أعلم الناس بمواضع أحكامه منه، وأكثرهم تدبراً وتأملاً لمعانيه، ومن الغلط حصر أو تقديم بذلك الاسم والفضل على من يعرف معانيه ويعرف أدلة أحكام الله من كتابه؛ فأحق الناس باسم “أهل القرآن” و”أهل الله وخاصته” مَن عرف حدود القرآن وحروفه وأقامهما، ثم يليه: من عرف حدوده وأقامها، ثم من عرف حروفه وأقامها”١.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا تدبر القرآن وتعلمه. ثم أن يرزقنا همة العمل به وتطبيقه، وإعادته إلى موقع الهيمنة مجدداً إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ـــــــــــــــــ
* ١ التفسير والبيان لأحكام القرآن، للشيخ عبدالعزيز الطريفي، ص١٣.





