
الاحتلال يوسع عملياته العسكرية بالضفة ويهدد باجتياح المخيمات
أغسطس 3, 2026
في مدرسة خيبر (1/2) دروس في بناء جيش التحرير
أغسطس 4, 2026بقلم: د. جندل أحمد صلاح – داعية من جنين
يطاردنا هذا السؤال في لحظات الصمت المهيب: لماذا نُكابر؟ لماذا نواصل البناء بينما تبدو الجدران التي شيدناها بالدم والتضحيات تتداعى أمام أعيننا؟ لماذا نقاوم في عالمٍ يضع في كل زاوية من زواياه لافتةً صارخة تقول: “لقد انتهت اللعبة، الخسارة هي الحقيقة الوحيدة”؟
إن الحقيقة الجوهرية التي يغفل عنها هذا “الواقع” المادي القاسي، هي أن الخسارة ليست قَدراً حتمياً، بل هي غربلة إلهية وامتحانٌ دقيق لمعدن الأمة ومعادن الرجال. نحن نستمرّ؛ لا جهلاً بحجم الفاجعة، ولا عمًى عن مرارة الواقع، بل لأننا ندرك يقيناً أن القيمة الوجودية للإنسان لا تُقاس بانتصاراته الخاطفة والسهلة، وإنما بقدرته على الوقوف شامخاً على قدميه بعد أن ظنّ العالم بأكمله أنه قد انكسر وتلاشى. ولكي لا يظل هذا الوقوف مجرد انفعالٍ عابر، بل يتحول إلى فعلٍ وجودي يبني الغد من ركام الأمس، فإن استمرارنا يستند بالضرورة إلى مرتكزات ثمانية ترسم معالم الطريق كما يلي:
أولاً: الاستمرار كفعل إيماني وعقائدي
إن استمرارنا في هذه الحياة هو فعل إيماني بالدرجة الأولى؛ إنه الإيمان العميق بأن هذا الثبات وهذا الصمود هما وظيفتنا الشرعية والمهمة الاستخلافية التي من أجلها خُلقنا.
نحن نستمر إيماناً بأن هذه الأرض مقدسة مباركة، وأن هذا التعب والدموع والدماء محفوظة في سجلات لا تضيع عند الله عز وجل، وأن هذه الأحلام التي تسكن جوانحنا ليست أوهاماً، بل هي بشريات نبوية غرسها في عقولنا وقلوبنا سيدنا رسول الله ﷺ، وأنها ليست عبثاً.
نحن نوقن بأن الله عز وجل لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأن دورنا الأصيل في هذا الكون هو “العِمارة والسعي” وليس “صناعة النتائج”. وحين يرتبط وجدانك بقوة أعظم من هذا الواقع المادي المنهار، تتحول الخسارة في نظرك من “نهاية مأساوية” إلى “مرحلة صقل وتدريب” لترقية الروح وإعدادها لعظيم الأمر.
ولنتأمل في هذا السياق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ ۚ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 139-140].
إن مشكلتنا المعاصرة اليوم ليست في شُح الموارد المادية، بل في أزمة القيادة؛ نحن في أمسّ الحاجة إلى قيادة شجاعة بمواصفات استثنائية تليق بوعورة المرحلة؛ لا نريد قيادة تحترف صياغة الشعارات الرنانة وبيع الأوهام، بل تلك التي تمتلك شجاعة الاعتراف بالواقع كما هو، وشجاعة اقتحام المجهول بثبات.
لذلك، كُفّ عن جلد ذاتك بمقاييس الفشل والنجاح التي يفرضها عليك “التريند” أو الإعلام الانتقائي الموجه، فاستمرارك وصمودك الصامت هما أكبر مخاوف عدوك.
ثانياً: في منطق التاريخ … الهزيمة محطة لا مستقر
أيها الرفيق السائر في هذا الدرب الطويل، اعلم أن أخطر ما يصيب الأمم في لحظات تراجعها وانكسارها ليس ضياع الأرض، ولا تدهور الاقتصاد، بل هو “استبطان الهزيمة”؛ أي أن يتحول الشعور بالانكسار من عارض طارئ إلى هوية نفسية ثابتة..
يطرح الواقع اليوم، بلسانٍ بليغ وفصيح، أننا خسرنا الرهان، وأن الساحة قد خلت من أبطالها، وأن صوت اليأس هو العقل الوحيد الذي ينبغي الإنصات إليه. لكنَّ التاريخ، في حقيقته الجوهرية وعبرته العميقة، ليس مادةً للرثاء والبكاء، بل هو مختبر حقيقي للصمود والنهوض.
إنَّ سؤال “لماذا نستمر؟” ليس تساؤلاً عبثياً، بل هو صرخة الوعي اليقظ الذي يرفض أن يُختزل الإنسان فيه إلى مجرد رقم هامشي في سجلات النسيان. نحن نستمر لأن الإيمان عصيّ على الانكسار، ولأن الحضارات العظمى لم تولد إلا من رحم هزائم قاسية أُعيدت قراءتها وتفكيكها بوعي وبصيرة.
وحين اجتاح المغول بغداد، وسالت الدماء في أزقتها حتى استحال لجّتها حبراً ودماً، كان من السهل على المعاصرين آنذاك إعلان “نهاية العالم”. كان المشهد يوحي بهزيمة مطلقة لم تعرفها الأمة من قبل، وبظلمة حالكة لا فجر بعدها، لكنّ التاريخ يخبرنا بشيءٍ مغاير؛ ففي قلب ذلك الركام، بدأت عملية عميقة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي.
إن العلماء الذين لم يتسرب اليأس إلى قلوبهم، والمصلحين الذين ظلوا يكتبون ويدرسون ويبنون الإنسان، وسلطان العلماء عز الدين والدنيا العز بن عبد السلام الذي أعاد صياغة الحاضنة الجماهيرية وصناعة الوعي العام؛ هؤلاء هم الذين حافظوا على البذرة حية في تراب الأمة، حتى أورقت وأزهرت نصرًا مؤزراً على أيدي قطز وبيبرس.
ثالثاً: صناعة الأمل في بيئة تحتضر
إن الاستشهاد بالتاريخ ليس هروباً من الواقع إلى الماضي، بل هو استخلاص لقانون كوني ثابت: “الأمم لا تموت بالضربات الخارجية، بل بانهيار إرادة البقاء من الداخل”.
لقد كانت القيادة الشجاعة في ذلك الزمن لا تقيس النصر بمساحات الأرض المحتلة التي تم استعادتها فحسب، بل بقدرتها على حماية “العقل الجمعي” من التحلل والفساد. ونحن اليوم نعيش لحظة مشابهة؛ حيث يفرض علينا واقعنا “هزيمة نفسية” إجبارية لا يمكن إعادة السير إلا بتحويل مواجهتها إلى فعل عقائدي يستشرف النصر ويسعى إليه سعيه.
لقد كان النبي ﷺ في أحلك لحظات المواجهة العسكرية والنفسية، يغرس في أصحابه ثقافة “اليقين بالمستقبل” لا “الاستسلام للواقع المأزوم”. ففي يوم الخندق، حين كان الجوع يعصر الأمعاء، والخوف يملأ القلوب حتى بلغت القلوب الحناجر، كان ﷺ يضرب الصخرة ويبشر بفتح كنوز كسرى وقيصر ويقول ﷺ: “اللهُ أكبرُ، أُعطِيتُ مفاتيحَ الشامِ، واللهِ إنِّي لأُبصِرُ قصورَها الحُمْرَ الساعةَ.. اللهُ أكبرُ، أُعطِيتُ مفاتيحَ فارسَ، واللهِ إنِّي لأُبصِرُ قصرَ المدائنِ الأبيضَ الآنَ.. اللهُ أكبرُ، أُعطِيتُ مفاتيحَ اليَمَنِ، واللهِ إنِّي لأُبصِرُ أبوابَ صَنعاءَ من مكاني هذا الساعةَ”1.
هذه لم تكن تخديرًا أو أوهاماً، بل كانت هندسة ربانية للوعي، وصناعة للأمل لدرجة تحويل الأحلام المستحيلة إلى حقائق تُمشى على الأرض، وتغير بوصلة الوعي من “رعب الهزيمة الراهنة” إلى “يقين واستشراف النصر القادم.
رابعاً: القيادة الشجاعة … حين يصبح الثبات فعلاً سياسياً
إنَّ المعضلة الحقيقية التي تواجه الأجيال في أوقات التراجع ليست ندرة المخلصين، بل “فقدان القيادة”؛ تلك القيادة التي تملك الشجاعة والقدرة على تحويل الأزمة المستعصية إلى مشروع نهضوي متكامل.
تُعرَّف القيادة الشجاعة في أدبيات السياسة وعلم الاجتماع بأنها: “القدرة على صناعة الأمل في بيئة تحتضر”. وليس المطلوب من القائد هنا أن يملك حلولاً سحرية وآنية لواقعٍ معقد، بل أن يملك “القدرة على استبقاء جذوة الإرادة” حية في نفوس من يقودهم، وإعادة تجميع شتاتهم والانطلاق بهم بثبات نحو هدف استراتيجي واضح.
لا نريد قيادة تكتفي برفع الشعارات العاطفية، بل نريد قيادة مستبصرة، مصداقاً لقوله عز وجل: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108].
والتاريخ يُعلمنا أن القيادات التي عبرت بالأمم منعطفات السقوط والاندثار لم تكن تبيع أوهاماً وردية سريعة التبخر، بل كانت “قيادات تعليمية تربوية”. خذ على سبيل المثال تجربة السلطان صلاح الدين الأيوبي “رحمه الله”؛ إذ لم يبدأ مشروعه بتحرير بيت المقدس، بل بدأ بـ “إعادة ترتيب البيت الداخلي”.
لقد كانت قيادته شجاعة لأنه أدرك عمق المعركة؛ أدرك أن الهزيمة العسكرية هي مجرد عَرَض لمرض أعمق هو الهزيمة الفكرية والاجتماعية، فعمل على توحيد الجبهة العقدية والسياسية والمؤسسية قبل أن يخطو خطوة عسكرية واحدة في الميدان. والقيادة اليوم يتطلب منها هذا النوع من “البصيرة”؛ أن تمتلك أدوات التحريرٍ استراتيجي التي لا تقل أهمية عن السلاح.
خامساً: الشجاعة الحقيقية والتحرر الاستراتيجي
إن الشجاعة الحقيقية في زمن الانكسار لا تكمن في إنكار الواقع أو الهروب منه بالتخدير اللفظي، بل في مواجهته بحقيقته المرة مع صناعة العمل. القائد الشجاع هو الذي يمتلك جرأة القول: “نعم، واقعنا معقد، وخياراتنا ضيقة للغاية، ولكننا قطعاً لن نكون جزءاً من هذا السقوط الأخلاقي والسياسي”.
إن هذا الخطاب هو الترياق الحقيقي ضد العدمية واليأس والعبثية. وفي مسيرة الأمم السابقة، نجد أن الأنبياء عليهم السلام لم يواجهوا أقوامهم بالوعود السهلة أو الخداع، بل واجهوهم بالحقيقة المرة مصحوبةً بوعد التمكين الإلهي المشروط بالصبر والعمل: ﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128].
وكذلك كان التوجيه النبوي الشريف في قوله ﷺ لخَبّاب بن الأرَتّ ومن معه حين اشتد عليهم الكرب: “واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هذا الأمْرَ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخَافُ إلَّا اللَّهَ، أوِ الذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ”2. هنا تتحول القيادة إلى فعل إيماني حركي، يصبح فيه القائد هو الصمام الذي يمنع تفتت بنيان الجماعة تحت وطأة ضربات الواقع المتلاحقة.
إننا لا ننتظر غائباً يحل مشاكلنا بضربة سحرية، ولا نبحث عن “مهدي” مخلص في دهاليز السياسة لتبرير قعودنا، بل نبحث ونسعى لنكون نحن “القيادة الميدانية” التي تملك الرؤية والقدرة على نقل الأمة من “موقع المفعول به” الذي يتلقى الضربات وتعبث به أجندات المستعمرين، ويخضع لطغيان الظالمين، إلى “موقع الفاعل” الذي يدير الواقع، ويستنهض الأمة، ويستثمر الحاضنة الجماهيرية، ويستقطب القدرات الشبابية، ويقنع الأمة عملياً بالسير معه في طريق النهضة.
ولأنّ التاريخ لا يُكتب فقط بمداد السيوف في ساحات المعارك، بل يُكتب أولاً بمداد الثبات في زوايا المحن والمواقف، وتأملوا معي مواصفات النخبة التي يرتضيها الله لحمل رسالته في قوله سبحانه: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 146].
هذه الآية العظيمة هي الميثاق التأسيسي للقيادة والجنود الشجعان، وتتلخص معالمها في ثلاثة أركان:
الركن الأول: “فما وهَنوا”: عدم انكسار الروح والوجدان أمام هول التحدي وضخامة التضحيات.
الركن الثاني: “وما ضَعُفوا”: الحفاظ على القوة المؤسسية والذاتية، ومواصلة البناء المادي والفكري.
الركن الثالث: “وما استَكانوا”: الرفض المطلق للخيارات المذلة، وعدم الخضوع والقبول بالواقع المفروض كأمر واقع.
إن أي قيادة تعجز عن صهر الجيل وتشكيله وفق هذه الأركان الثلاثة، هي قيادة محكوم عليها بالعقم الفكري والحركي، ولن تورث أمتها إلا سراباً. لذلك، لسنا بحاجة اليوم إلى قيادات استعراضية تقتات على دغدغة العواطف وتجيد بيع الأوهام وتأجيل الاستحقاقات لغدٍ مجهول؛ بل إن حاجتنا المصيرية هي لتلك القيادة العقائدية المستبصرة التي تقرأ الواقع بعين الحقيقة، وتصيغ من ركامه خطة واضحة المعالم، وتملك الشجاعة الكافية لتقود الجيل نحو اتجاه محدد وثابت لا يميل مع الريح.
سادساً: هندسة الحاضنة الجماهيرية وتحصين الوعي
إذا كانت القيادة هي البوصلة التي تحدد معالم الطريق، فإن الحاضنة الجماهيرية الواعية هي الأرض الخصبة التي تُبذر فيها بذور التغيير والنهضة. وإن الخطأ القاتل والمدمر الذي تقع فيه الحركات والأجيال المأزومة هو انتظار “لحظة الانفجار التلقائي” دون إعداد حقيقي للأرض الحاضنة. فالشعور بالهزيمة ينمو ويزدهر في تربة الفردية والشتات والأنفس المعزولة؛ لذا فإن التجهيز للعمل الجماعي المنظم ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وجودية لانتزاع المستقبل من براثن الواقع الخاسر.
ويبدأ تجهيز الحاضنة بتغيير جذري في طبيعة السؤال المطروح:
بدلاً من الغرق في سؤال التحسر وجلد الذات: “لماذا خسرنا؟”
ننتقل إلى سؤال البناء والمبادرة: “ما الذي يمكننا فعله الآن ككتلة متماسكة؟”
إن الحاضنة الجماهيرية الحية تحتاج إلى مساحات عمل تخصصية متعددة ومترابطة؛ مساحات فكرية، وعظية تزكوية، إدارية، سياسية ومؤسسية وحتى أعمال تعبدية. والقيادة الشجاعة هي التي تدرك أن تحويل التيه والضياع الفردي إلى “جهد جماعي منظم” هو أول مسمار يُدق في نعش الهزيمة النفسية. قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 153].
لا يمكن بحالٍ من الأحوال بناء حاضنة جماهيرية صلبة ومتماسكة إذا أُسِّست على رمال “المصالح اللحظية” والمنافع المؤقتة. وبالعودة إلى صفحات التاريخ، نجد قانوناً ثابتاً: إن الجماعات التي نجحت في الصمود أمام أعظم الهزائم (كتلك المجتمعات التي دحرت الاستعمار، أو تلك التي حافظت على نقاء هويتها في أعتى ظروف الاضطهاد) كانت تمتلك دائماً “خيطاً ناظماً” وعقيدةً متينة تربط بين أفرادها برباط وثيق.
وفي حالتنا الراهنة، يتمثل هذا الخيط الناظم في الإيمان المطلق بـ”مشروعية الاستمرار” و”وجوب عمارة الأرض” تحت كل الظروف. إنَّ تجهيز هذه الحاضنة وحمايتها يبدآن من توحيد الرؤية وصهر القلوب حول معانٍ مشتركة وثوابت كبرى لا تقبل المساومة: الوحدة الإسلامية، وتحرير الأراضي المغتصبة، والحاكمية لله، والتحرر الفكري الشامل من التبعية والهزيمة النفسية.
سابعاً: التجهيز الصامت وهندسة المناعة الجماهيرية
ثمة وهمٌ شائع ومنزلق خطير يقع فيه الكثيرون؛ وهو الاعتقاد بأن تعبئة الجماهير وإعداد الحاضنة يتطلبان صخباً إعلامياً وضجيجاً دعائياً. غير أن حقائق التاريخ تثبت عكس ذلك تماماً؛ فالتجهيز الحقيقي والعميق ينمو ويترعرع في “الخفاء الصامت”. إنه عملية تراكمية هادئة تصقل الوعي، وتدرب النفوس على دقة الانضباط، وتنسق الأدوار بعيداً عن الأضواء.
هذا الإعداد الصامت هو تماماً ما عناه ابن خلدون حين تحدث عن “العصبية”؛ ليس بمفهومها القبلي الضيق، بل بوصفها حالة متقدمة من التضامن العضوي، والتعاضد المتين، والسير الجماعي المنظم نحو غاية كبرى واضحة. حالة تنشأ في وجدان الأفراد حين يستشعرون وحدة المصير، فتتضاعف قدرتهم على البذل والعطاء لكونهم يخدمون فكرة أسمى وأكبر من ذواتهم الفانية.
كما أن الحاضنة تعتبر خط دفاع أول وجهاز مناعة لمشروعك، وإن أخطر ما يهدد مسيرة الأمم ومشاريع التغيير في لحظات التراجع ليس الهجوم المادي المباشر، بل هو “الاختراق”؛ سواء كان اختراقاً فكرياً يبث سموم اليأس والإحباط، أو اختراقاً مادياً يسيل لعاب النفوس بالإغراءات والمكاسب الآنية.
هنا تبرز أهمية الحاضنة الجماهيرية المجهزة؛ إذ تتحول إلى “جهاز مناعة” فكري واجتماعي للأمة. فحين تتبنى الجماهير قيم الصمود وتلتزم بالعمل المتقن، تصبح محصنة تلقائياً ضد ثقافة الاستسلام والتبعية. وإن دورنا الوجودي اليوم هو أن نكون “النواة الصلبة” لهذه الحاضنة؛ أن نلتحم مع الشرفاء الذين يشاركوننا الألم ذاته، ونعمل سوياً على تحويل هذا الألم والوجع إلى طاقة دافعة لمشروع نهضة متكامل.
ثامناً: حصون الوعي وفقه السياسة الشرعية
العقيدة كـ “مصفاة” للولاءات.. إنَّ أي حاضنة جماهيرية لا تُحصّن، هي حاضنةٌ قابلة للذوبان عند أول اختبارٍ مادي أو ضغطٍ سياسي. والتحصين في هذا السياق ليس “انعزالاً”، بل هو “ضبطٌ للبوصلة” لضمان أن تظل الحاضنة عصية على الاختراق، ثابتةً على المبدأ، وواعيةً بديناميكيات الصراع.
في المنظور السياسي الراشد، تعد العقيدة هي “المنظومة القيمية العليا” التي تُوزن بميزانها المواقف وتُصنف بناءً عليها التحالفات. وإن الحاضنة التي تفتقر إلى إطار عقائدي واضح ستتحول سريعاً “دون أن تشعر” إلى مجرد أداة تخدم أجندات الآخرين ومشاريعهم.
لذلك، فإن التحصين هنا يبدأ بـ”الاستعلاء الإيماني”؛ ليس بمعنى التكبر، بل بمعنى الثقة المطلقة في صحة المسار، مما يجعلها محصنة أمام الإغراءات المادية أو الاستسلام للهزيمة النفسية التي يروّج لها إعلام العدو. بالإضافة إلى أنها العقيدة التي تمنح الفرد القدرة على التضحية بالمكاسب العاجلة والآنية في سبيل تحقيق المبادئ الآجلة والراسخة، وهذا هو جوهر العمل السياسي القوي.
الفقه السياسي للواقع (أن تكون فاعلاً لا منفعلاً).. إنَّ أعظم حصن للحاضنة هو “الفهم الاستراتيجي العميق للواقع”. فالكثير من الحركات والحواضن تسقط وتتحلل لأنها تقع في فخ “ردود الأفعال الانفعالية” التي يفتعلها الخصوم بذكاء لاستنزاف طاقاتها وبعثرة جهودها. إن التحصين العقائدي يقتضي فهماً استراتيجياً يؤهلك لتكون “فاعلاً وصانعاً للحدث” لا مجرد منفعل به، تملك زمام المبادرة وتدير الملعب بأدواتك وقوانينك، بدلاً من أن تُستدرج لتلعب في ملاعب الآخرين ووفق شروطهم وقوانينهم.
هذا هو الجوهر الحقيقي لفقه “السياسة الشرعية”؛ إذ لا يمنعنا إيماننا وتعبدنا من قراءة الخريطة السياسية المعقدة بدقة بالغة، كما لا تمنعنا حسابات السياسة ومناوراتها من التمسك بثوابتنا العقائدية. إن الحصن الحقيقي يتطلب امتلاك زاوية نظر واضحة ومستقلة للأحداث السياسية والمواقف السياسية، وبها يكون المرء قادراً على السير بثبات وبصيرة في طريق مليء بالفخاخ السياسية والأكاذيب، مميزاً بين الثوابت الراسخة والمتغيرات العابرة، وبين الحقائق الصلبة والفقاعات الوهمية المؤقتة.
النداء الأخير.. حين يكون الصمتُ خيانةً
إلى كل من يقرأ هذه الكلمات ويشعر تحت صدره بوطأة هذا الواقع الثقيل.. إن وقت الرثاء الجماعي والتباكي على الأطلال قد انتهى وللأبد.. إن الذين يروجون لك بأن “اللعبة قد انتهت” يمارسون عليك أبشع أنواع التضليل والكي للوعي؛ إنهم يريدونك أن تؤمن بأن هزيمة الأمس هي قدر الغد الحتمي، وأن انكسار المشهد الراهن هو نهاية التاريخ وجدار سدّ لا يمكن عبوره.
اسمعني بقلبك وعقلك جيداً: إن الخسارة الحقيقية ليست فيما فقدناه من أرض أو نفوذ أو مكاسب مادية، بل الخسارة القاتلة هي فقداننا لـ”إرادة الفعل” وسقوط الحصون من داخل نفوسنا. الخسارة هي أن تستيقظ كل صباح لتنتظر من هذا العالم الظالم أن يمنحك شهادة اعتراف أو صك نجاح، بينما أنت تملك في يديك أدوات بناء عالمك الخاص والفريد.
أيها الرفيق المرابط على ثغور العلم والعمل.. إننا لا ندعوك لثورة طائشة أو شعارات حماسية واهمة، بل ندعوك لـ”ثورة حقيقية في الذات”؛ ثورة تبدأ بقرارك الفردي الحاسم بأن تكون لبنة صالحة في بناء النهضة العظمى للأمة الإسلامية، وأن تجهز نفسك علماً وإيماناً وخبرة لتكون جندياً مؤهلاً في معركة بدر الكبرى الثانية القادمة، وأن تتماسك وتلتحم بوعي مع من حولك لبناء حاضنة جماهيرية واعية صلبة لا تنحني للعواصف تبنى عليها المرحلة القادمة.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 21]





