
الاحتلال يهدم نصف حي البستان بالقدس ويروع سكانه
سبتمبر 16, 2026
أنفاس معدودة في أماكن محدودة
سبتمبر 16, 2026بقلم: أستاذ الفقه الإسلامي د. حسن أبو غدة* – رحمه الله
كان المسجد في عهد رسول الله ﷺ مبنياً من اللَّبِن، وكان سقفه من جريد النخل (الأغصان بدون أوراق) وأعمدته من جذوع النخل، وقد جعل طوله ١٠٠ ذراع وعرضه ٧٣ ذراعاً (ذراع المدينة يومئذ ٥٨ سنتيمتراً تقريباً). لم يكن المسجد جميعه مسقوفاً، وإنما سقف الجزء الشمالي منه حين كانت الصلاة إلى بيت المقدس، ثم سقف الجزء الجنوبي حين تحولت القبلة إلى الكعبة، وبقي الوسط مكشوفاً للسماء، وكان أهل الصفّة يقيمون تحت العريش الشمالي مكان القبلة الأولى.
جعلت أعمدة المسجد من النخيل في ثلاثة صفوف، في كل صف ثمانية أعمدة: أربعة عن اليمين وأربعة عن الشمال. كانت مساحة المسجد الكلية في زمن النبي ﷺ ٣٢٨١ متراً تقريباً، وهي مساحة واسعة، وتميّزت بأنها كانت مستوية مطهرة لأنها مكان أداء العبادة وغرس الفضيلة. كان رسول الله ﷺ يكثر الاجتماع بأصحابه في المسجد، ويقدم لهم الغذاء الفكري والروحي والسياسي، حتى انقلب المكان إلى مركز اجتماع ولقاء دائم بين أهل المدينة.
في هذا المسجد الذي توضّحت هيئته وصفاته وفي موضع من أطرافه تمّ حبس بعض الناس مقيّدين إلى الأعمدة، ومن هؤلاء: أبو لبابة رفاعة بن عبد المنذر الذي مكث محبوساً ست ليال، وآخرون حبسوا أنفسهم وربطوها بالأعمدة لتخلّفهم عن الغزو مع النبي ﷺ، ومن المحبوسين أيضاً ثُمامة بن أُثال الحنفي، وبقي محبوساً ثلاثة أيام.
وتأكيداً لخبر جواز الحبس في المسجد فقد كان شريح القاضي إذا قضى على رجل بحقّ أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم بما عليه، فإن أعطى الحق وإلا أمر به إلى السجن.
ويبدو أن النبي ﷺ أراد بحبس ثمامة في المسجد، أن يجعله فيما يسمى في عصرنا بدار الإصلاح والتقويم، ويعرفه على نظام المسلمين العام وعباداتهم وأخلاقهم الاجتماعية؛ لأن المسجد كان مجمع الناس وملتقاهم، وبخاصة أن ثمامة زعيم في قومه، ففي إسلامه كسب كبير للمسلمين، وقد كان ذلك: فبعد ثلاث ليال تحوّل ثمامة عن دينه وأعلن إسلامه.
وتلتقي هذه الطريقة في الحبس من حيث المبدأ مع ما يسميه الغربيون الحبس المفتوح، المعمول به في بعض السجون الأوروبية والأمريكية كما أشرنا إلى ذلك قريباً.
الحبس في البيوت
يستدل لأصل الحبس في البيوت بقوله تعالى فيمن أتين الفاحشة: ﴿فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِی ٱلۡبُیُوتِ﴾ [النساء: 15]، وصفة البيوت عند العرب في القديم لا تختلف عن صفة الدور العربية الحاضرة، التي تتكوّن من ساحة في الوسط، تحفّ بها الغرف من جهتين أو أكثر في شكل هندسي، يحمي من حرارة الشمس في الصيف وبرودة الطقس في الشتاء، وتبنى أمام الغرف أروقة تساعد على تلطيف الجو.. كانت جدران البيوت تبنى من اللَّبِن، ويجعل في قواطعها الحديد المكسو بالطين. أما السقف فيتخذ من جذوع النخل والجريد. وتجعل في الجدران أبواب ومنافذ متقنة الهواء، داعية إلى السهولة في الدخول والخروج وخفّة الحركة. كان لا بد لكل بيت من حجرات يبيت فيها أصحابه، بالإضافة إلى محل للضيوف ولقاء الناس والطبخ ومؤونة السَّنَة وقضاء الحاجة ومحل الدواب والخيل، وغير ذلك من الضروريات التي لا يعلمها كثير من الناس اليوم، ويظنون أن المساكن كانت في نهاية الضيق والقلّة.
في هذه البيوت التي بناها العرب لأنفسهم –فأعطتهم نسبة عالية من أسباب الصحة النفسية والجسمية– كان يُحبس السجناء، ضمن أماكن تتصف بالاتساع الكافي والإضاءة الطبيعية والتهوية والنظافة والمرافق الأخرى، التي تستلزمها طبيعة الحياة ومبادىء الشريعة الإسلامية ومعاني الكرامة الإنسانية.. وقد أكد الفقهاء هذه المعاني ووصفوا الحبس الشرعي بالسعة وجودة التهوية، وضرورة تجنيب السجناء شدة الحر والبرد.. وقد ذكروا: أن من يتسبب في إيذاء السجناء بعكس ذلك يتحمل تبعات القصاص والدية ونحوها.
وقد دعت الاتفاقيات الدولية أخيراً إلى وجوب توفير قدر مقبول من مثل هذه الأوصاف في الأماكن التي يقيم فيها السجناء، مع التسليم بأن من حق كل شعب مراعاة العرف المحلي فيما يصلح لكل عصر ويحقق الهدف من السجن، وذلك أمر سبق إليه المسلمون وفرغوا من إقراره منذ قرون..
هذا، ومن البيوت التي حُبس فيها السجناء في العهد النبوي ما يلي:
١- بيت حفصة زوج النبي ﷺ: وفيه حبس سهيل بن عمرو وجعل في حجرة من حجراته بعد غزوة بدر.
٢- دار نسيبة بنت الحارث الأنصارية: ثبت أن رسول الله ﷺ حبس بعض يهود بني قريظة –بعد حكم سعد بن معاذ فيهم– في دار نسيبة بنت الحارث من بني النجار. ويبدو أن الدار كانت واسعة ممتدة كثيرة الحجرات؛ لأن المنقول أن عدد المحبوسين فيها كان نحو ٦٠٠ سجين. بل روي أنها كانت كذلك وأن الوفود كانوا ينزلون فيها.
٣- دار أسامة بن زيد: روي أيضاً أن رسول الله ﷺ حبس مجموعة أخرى من بني قريظة -بعد حكم سعد– في دار أسامة بن زيد بالمدينة.
٤- بيوت أخرى للمسلمين: نُقلت وقائع أخرى كان فيها النبي ﷺ يحبس في بيوت أصحابه، ومن ذلك حبس أبي العاص زوج زينب بنت النبي ﷺ. وحبس ابن شِفَاف الحنفي وابن النواحة مبعوثَيْ مسيلمة إلى النبي ﷺ وكانا قد ارتدا عن الإسلام. وحبس أبي عزيز وغيره ممّن تقدمت أطراف أخبارهم. وحبس ثمامة بعض الوقت في بيت امرأة من المسلمين.
أما الحبس في الدّهليز الذي ذكره العلماء فلم أجد له واقعة تطبيقية، ويبدو أن المحبوس كان يجعل في الممر الموصل ما بين باب الدار وساحتها أو غرفها.
الحبس في الخيام ونحوها
كان الحبس في الخيام يتم عقب الحروب ونحوها، وقد تستغرق مدته ثلاثة أيام أو أكثر، لأن الخيام وقتئذ هي المكان الوحيد لحفظ الأسرى السجناء في ساحات المعارك حتى يتم الفصل في شأنهم.
وغالباً ما تُوفّر الخيام للمحبوس وغيره قدراً جيداً من التهوية والضوء ورؤية الناس، وهذه من جملة أسباب صحة السجين النفسية والجسمية.
ومن حوادث الحبس في الخيام ما يلي:
١- كان رسول الله ﷺ إذا ظهر على قوم في الحرب أقام بالعَرْصة (ساحة القتال) ثلاث ليال ثم مشى، ويستلزم من ذلك بقاء الأسرى معه وحبسهم مقيدين في الخيام؛ حماية لهم من عوارض الطقس وتقلباته.. بل إن المروي أن النبي ﷺ حبس الأسرى في بدر ثلاثة أيام ثم اتجه بهم صوب المدينة، ووقع نحو ذلك في غير بدر أيضاً.
٢- أمسى العباس مأسوراً في وثاقه يوم بدر، وبات النبي ﷺ ساهراً أول الليل، فقال له أصحابه: يا رسول الله مالك لا تنام؟ فقال: سمعت أنين عمي العباس في وثاقه فمنع مني النوم، فقام إليه المسلمون فأَرْخَوا وثاقه حتى أصبح، وكان عدد الأسرى يوم بدر سبعين رجلاً.
٣- أمر رسول الله ﷺ بأسارى المريسيع فكتّفوا وجعلوا ناحية، واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب، وروي نحو ذلك في أسارى الجعرانة.
٤- أمسك العباس في خيمته ليلة الفتح أبا سفيان بن حرب أسيراً بأمر من النبي ﷺ حتى الصباح ثم جاءه به فأسلم.
وهكذا نرى أن أماكن الحبس في زمن النبي ﷺ كانت لا تعدو المسجد النبوي والبيوت والخيام، وظل الأمر كذلك في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ولم يكن هناك مكان دائم معدّ للحبس إلا ما ذكرنا عن موضع حبس ابنة حاتم.
في هيئة أبنية السجون بعد عصر الخلفاء الراشدين
لا شك أن هيئة بناء الحبس ترمز من الناحية الفنية والعملية إلى فلسفة تنفيذ العقوبة، ويبدو مما تقدم ذكره في السجون وأماكنها بعد عصر الخلفاء الراشدين أن الحبس كان يتم في أماكن واسعة اتُخذت في الأصل بيوتاً، ثم جعلت سجوناً يحبس فيها، وذلك كدار بلال بالكوفة ودار إسماعيل بن بلبل ببغداد ودار ابن سباع بالمدينة وسجن المعونة بالقاهرة..
وكان بعض الحكام يتّخذون السجون السياسية أحياناً في أماكن ملحقة بقصورهم، وذلك كسجن خضراء دمشق وسجن قصر المسيرين بالبصرة وخزانة البنود بالقاهرة، أو في أبراج الحصون والقلاع المنيعة كقلعة حلب وقلعة الموصل وقلعة القاهرة، وكانت القلاع تُشاد في وسط المدن غالباً، وربما كانت هي العامل المتحكم لقيام المدينة ذاتها.
وكان بعض السجون الأخرى يُتّخذ في أطراف المدن أو قريباً من أسوارها، ثم تبدأ الأحياء والشوارع بالزحف إليها والالتفاف حولها نتيجة لازدياد السكان وتوسع العمران. وفي الإجمال: فقد كانت مواضع السجون قريبة من الأحياء السكنية؛ لأن المروي أن السجناء كانوا يسمعون الأذان. وكثيراً ما سُميت السجون باسم البلد أو الموضع المقامة فيه، وتقدم نحو ذلك قريباً.
هذا، وقد استمرّ بناء عامة السجون على الهيئة العمرانية المفضلة عند العرب: ساحة واسعة وسط الدار، تحيط بها الحجرات والمرافق التي تعلوها أروقة تدفع عن الساكنين شدة البرد والحر وتلطّف الجو..
ولا شك أن تلك الأماكن كانت توّفر للسجناء قدراً مناسباً من الحركة والمشي والتهوية والضوء والاتصال ببعضهم، وهي في جملتها أسباب أساسية لحماية صحة السجناء النفسية والجسمية.
وقد قوّى عندي هذا الاتجاه في صفة أبنية السجون عند العرب، أنني لم أطلع في أكثر ما رجعت إليه على وصف هيئة أبنية السجون من الداخل، مما يعني أن ذلك معلوم لدى الخاصة والعامة.
ومن مؤيدات هذا الاتجاه قصة ورد فيها عرَضاً وصف هيئة السجن من الداخل: “قال القاضي أبو عمرو: لما جرى من أمر ابن المعتز ما جرى ( سنة ٢٩٦ للهجرة ) حُبست وحُبس معي القاضي أبو المثنى والوزير محمد بن داوود الجراح في دار واحدة في ثلاثة أبيات متلاصقة وكان بيتي في الوسط.. وكنت إذا جَنّ الليل حدّثت صاحبيّ وحدّثاني من وراء الأبواب، فلما كان ذات ليلة قد أغلقت الأبواب ونام الموكّلون ونحن نتحدث إذ أحسسنا بصوت الأقفال تُفتح (يقصد أقفال أبواب السجن) فارتعنا ورجع كل منا إلى صدر بيته، فما شعرت إلا والباب يُفتح على محمد بن داوود فأُخذ إلى ساحة الدار، وأنا أراه من شق الباب، وقد أضاء السجن من كثرة الشموع وصار كأنه نهار.. وفي الساحة بئر.
وكما كانت ساحات السجون تضاء بالشموع ونحوها فإنّ أطرافها كانت تضاء أيضاً، وقد وُصف أحد السجون في سنة ٢١٩ هجرية بأنه كانت له كَوّة يدخل منها الضوء على السجناء، وقد استطاع أحدهم الهرب من الكَوّة بحبل دُلّي إليه.
في العناية الصحية بمكان الحبس
تقدَّم أن أكثر أبنية السجون الإسلامية شُيدت على الطراز العربي في العمارة، من حيث الاتساع الكافي والتهوية الجيدة ووصول أشعة الشمس إلى حجرات السجن وإفادتها أجسام السجناء، وتمكينهم من المشي في ساحة السجن، وتوفّر غير ذلك من الأمور والمرافق الصحية التي تستلزمها طبيعة الحياة وأحكام الشريعة الإسلامية. وإن تلك الصورة من الحبس تمنح السجناء قدراً جيداً من أسباب الرعاية الصحية.
وبالإضافة إلى توفر تلك الأسباب الصحية الطبيعية في مكان الحبس، فقد وردت أحاديث نبوية تأمر المسلمين كافة بالمحافظة على طهارة الأماكن وبخاصة المأهولة، وتعتبر الإخلال بذلك إساءة إلى الصحة العامة كالتخلّي في مجامع الناس وأماكن جلوسهم، والتبول في الماء الراكد والمغتسل الذي ليس له مسلك.
وإن إهمال النظافة الموضعية لا يقلّ خطراً عن تنجيس الأماكن؛ لذا حثّ الإسلام على النظافة الصحية، وأبرز أهميتها –في المحالّ والمرافق العامة التي يجتمع فيها الناس– خوف انتشار الأوبئة والأمراض، واعتبر التساهل في ذلك من صفات غير المؤمنين، قال النبي ﷺ: “إن الله طيّب يحبّ الطيّب، نظيف يحب النظافة.. فنظّفوا أفنيتكم” [ساحات البيوت ونحوها كالأماكن العامة] “ولا تشبّهوا باليهود”.
وقد اهتم المسلمون منذ القديم بنظافة مدنهم، وحرص الحكام على امتثال أحكام الشريعة وتحقيق أسباب الصحة بالنظافة العامة، فأمروا بكنس الشوارع والطرقات ورشّها بالماء، ونزح خزّاناتها وحماماتها وتنظيفها، ونحو ذلك من وسائل النظافة الموضعية، وقام المحتسبون يتابعون ذلك، ويراقبون غسل الأماكن العامة وكنسها بالماء الطاهر.
ويبدو أن تلك الإجراءات شملت السجون وحجراتها ومرافقها، ويؤيد ذلك ما يلي مما تقدم ذكر بعضه:
١- تفقّد عليّ رضي الله عنه السجون وتفحّصه عن أحوال السجناء.
٢- توصية عمر بن عبد العزيز ولاته بتعهد السجون ومن فيها.
٣- تفقّد حجرات المسجونين غير المرضى وموجوداتها في زمن هشام بن عبد الملك.
٤- رعاية العباسيين للسجون ورصد الأموال في مصالحها.
٥- اهتمام ابن هبيرة الوزير برعاية السجون وحرصه على نظافتها وتوسيع حجراتها.
٦- قيام السلطان قلاوون في سنة ٦٨٠ هجرية بهدم حبس المعونة في القاهرة لضيقه وشناعته وروائحه الكريهة التي كانت تفوح منه.
٧- قيام السلطان محمد بن قلاوون في سنة ٧٢٩ هجرية بهدم حبس جب القلعة بالقاهرة لظهور الوطاويط (الخفافيش) فيه وبشاعة روائحه مع شدة ظلامه.
٨- استعراض قانصوه الغوري سجـون القاهرة وأمره بما يصلح حال المحبوسين فيها.
٩- نص الفقهاء على تمكين السجناء من الوضوء وأسباب الطهارة.
١٠- ما ذكرته كتب الفقه: أن القاضي إذا ولي القضاء فأول ما ينظر فيه أمر المحبوسين، فيحصيهم ويتفقد أخبارهم وأحوالهم.
١١- حكاية قصص بعض السجناء الذين كانوا يغتسلون في سجونهم ويغسلون ثيابهم كالبويطي ويحيى البرمكي.
هذا، وإن من مقتضيات ما ذُكر أن تُخصّص في السجن أماكن للوضوء والاستحمام.. وأن يُحافَظ على مستوى نظافتها، وبذلك تتحقق العناية الصحية بموضع حبس السجين.
ويتضح ممّا تقدم مدى اهتمام المسلمين بصحة السجناء الشخصية ونظافة سجونهم، وحرصهم على معالجة المرضى في السجون وإفراد الأطباء لهم وتخصيص الأموال للإنفاق على الأدوية والعلاج، وغير ذلك من الاحتياجات الطبية والصحية.
وليس من الإسلام في شيء ما يُروى عن الحالة السيئة التي وصلت إليها بعض السجون في زمن المماليك، حين ضاقت أبنيتها وساءت أحوال النظافة فيها فترة من الزمان الذي أصيب فيه المسلمون بالتأخر الاجتماعي والفساد السياسي.
وفي الوقت الذي حرص المسلمون على العناية الصحية والطبية بالسجناء ونظافة السجون كانت الأمور عند غيرهم في أسوأ حال:
فلم تكن الشمس تنفذ إلى غرف سجن الباستيل حتى أواخر القرن الثامن عشر؛ لأن كثيراً من الزنزانات بنيت تحت الأرض فلازمها الظلام وانتشرت فيها الرطوبة. أما الحجرات المطلّة على خندق الباستيل، فكانت تتصاعد إليها روائح القاذورات بسبب المياه القذرة التي تصبّ في الخندق قادمة من أشهر الشوارع. وكانت غرف السجن في الشتاء أشبه بثلّاجات الجبال، وفي الصيف أشبه بالأفران الرطبة. وقد قال “المسيو باليسري” في مذكراته: “لم أستنشق الهواء النقي خلال سبع سنوات قضيتها في الباستيل، وكنت أُعطَى في الشتاء حطباً مشبعاً بالماء لأستدفئ به، وكان يُقدّم إليّ الماء الآسن والطعام الذي تعافه الكلاب الجائعة، فكثرت الدمامل في جسمي وتقیحت ساقاي وصرت أبصق الدم”.
كانت كثير من السجون الغربية في عصر النهضة أشبه بمقابر جماعية يُلقَى إليها السجناء أكداساً، ويُترَكون فيها بعضهم يموج في بعض على أقذر الحالات وأفظعها.
وكانت بعض السجون مكاناً لمرضى الأعصاب والمجانين، بحجّة أن لعنة السماء حلّت عليهم عقاباً لهم على آثامهم، فكانوا يُحبسون في غرف مظلمة، ويُضربون وهم مقيدو اليدين والرجلين، ويتولى ذلك رجال غلاظ شداد لا يعرفون إلا الضرب والتعذيب، وظل الأمر كذلك في أوروبا حتى أواخر القرن الثامن عشر.
أما في الشرق الأقصى فيُروى أن أحد حكام اليابان زار سجون بلاده عام 1729م فذهل لما رآه من التخلّف الصحي ورداءة الأحوال فيها. وظلّت أحوال السجون عند الغرب كما وصفنا حتى أواخر القرن الثامن عشر، حين بدأت حركة إصلاح السجون تعي وظيفة السجن الإصلاحية، فاهتمّت بالإشراف الصحّي وفرضت النظافة على السجناء وصارت تعالج المرضى منهم. وقد توّجت الحركة جهودها بالتوصل إلى اتفاق دولي –عُقد في جنيف سنة ١٩٥٥– أقرّ مجموعة قواعد الحد الأدنى لمعاملة المسجونين، فأوجب وجود هيئة طبية في كل سجن، وتنظيم الخدمات اللازمة لذلك، ورعاية السجناء المرضى، والتحقق من ملائمة أمكنة الحبس للصحة العامة كالتهوية والإضاءة والنظافة.. ومنع حبس المصابين بالأمراض العقلية ونحوها. وهذه أمور سبق الإسلام إلى تقريرها من قبل، وعمل بها المسلمون منذ مئات السنين كما تقدم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* حسن أبو غدة، أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام، ط1 (الكويت، مكتبة المنار، 1987م)، ص280 وما بعدها، 306، 307، 375 وما بعدها.





