
مستوطن مسلح ينكل بخمسة أطفال في الخليل
سبتمبر 14, 2026
الشيخ فرج كُندي – سفير هيئة أنصار النبي ﷺ في ليبيا
حين يسأل الإنسان: مَن أنا؟ ومِن أين جئت؟ وما حقيقة وجودي؟ فإنه لا يبحث عن تعريف بيولوجي لجسده فحسب، وإنما يبحث عن سر وجوده ومكانته وغاية حياته ومصيره.
ومن هذا التساؤل تقدم الرؤية الإسلامية تصورًا متكاملًا للإنسان يختلف في عمقه عن التصورات المادية التي تختزل الإنسان في جسد، وعن التصورات الروحية التي تفصله عن عالم المادة؛ فالإنسان في القرآن مخلوق أرضي في مادته، رباني التكريم في أصل تكوينه، روحي في أحد أبعاد وجوده، عاقل في قدرته، أخلاقي في مسؤوليته، ومستخلَف في وظيفته.
الإنسان بين قبضة من الأرض ونفخة من الروح ومن هنا يمكن التعبير عن هذه الحقيقة في صياغة رمزية دقيقه؛ فهو من الأرض من حيث المادة والأصل الجسدي، ومن الروح من حيث الحياة والوعي والتكريم، ولكنه في الحالتين عبدٌ لله تعالى، وليس فيه شيء من ذات الله سبحانه وتعالى.
وهذه الثنائية ليست تناقضًا، وإنما هي مفتاح لفهم طبيعة الإنسان جسدٌ يحتاج إلى الأرض، وروحٌ تتطلع إلى السماء، وعقلٌ يقيم التوازن بينهما، وإرادةٌ تختار طريقها، وتكليفٌ يجعل الإنسان مسؤولًا عن اختياراته.
البداية من الأرض
يربط القرآن الكريم أصل الإنسان بالمادة الأرضية في أكثر من موضع، فيقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون:12]. ويقول سبحانه: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ﴾ السجدة: [7- 8]. وفي قوله تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [71- 72] تتكرر الإشارة إلى الطين والتراب والأرض باعتبارها أصل المادة التي خلق الله منها آدم عليه السلام.
وهنا تظهر أولى الحقائق الكبرى: الإنسان ليس كائنًا منفصلًا عن عالم الأرض جسده من عناصرها، وغذاؤه منها، وحياته مرتبطة بها، وإليها يعود بعد موته؛ قال تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: 55].
وهذا الأصل الأرضي يحمل درسًا عميقًا في مقاومة الغرور؛ فالإنسان مهما بلغ علمه وقوته وثروته، فإن أصله يذكره بحقيقته؛ عبدٌ مخلوق، وليس إلهًا، ومهما ارتفع فإنه لا يخرج عن حدود العبودية لله.
من الأرض إلى نفخة الروح
لكن القرآن لا يقف عند المادة، لأن الإنسان ليس مجرد طين؛ فاللحظة الفاصلة في قصة الخلق هي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 29]، هنا تنتقل الصورة من المادة إلى الإنسان؛ فالطين وحده لا يفسر الإنسان القرآني؛ لأن الإنسان أصبح كائنًا حيًا مدركًا، عاقلًا، قادرًا على المعرفة والاختيار والتكليف ويقول تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [ السجدة: 9]. وهنا ينبغي الوقوف عند عبارة ﴿مِن رُّوحِي﴾ وقفة عقدية مهمة:
فالله سبحانه وتعالى منزّه عن أن يكون له جزء يدخل في الإنسان، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]. فالروح مخلوقة من خلق الله، وإضافتها إلى الله في قوله ﴿مِن رُّوحِي﴾ هي إضافة تشريف وتكريم، كما أضيفت بعض المخلوقات إلى الله إضافة تشريف، وليست إضافة جزء من الذات الإلهية. إذن فالإنسان ليس “جزءًا من الله”؛ وهذه عبارة لا تصح في التصور الإسلامي. وإنما الإنسان عبدٌ خلقه الله، وكرمه، ونفخ فيه الروح التي خلقها وأضافها إلى نفسه تشريفًا.
بين قبضة الأرض ونفخة الروح
مستوى الأرض: من هنا يمكن أن نفهم الإنسان بوصفه كائنًا يعيش بين مستويين: الجسد، والحاجات، والغذاء، والشهوة، والعمل، والعمران.
مستوى الروح: الإيمان، والقيم، والضمير، والبحث عن المعنى، والتطلع إلى الله والآخرة.
وهذه الثنائية هي التي تجعل الإنسان مختلفًا عن سائر الموجودات فالإنسان يحتاج إلى الطعام، لكنه يحتاج كذلك إلى المعنى ويحتاج إلى السكن، لكنه يحتاج أيضًا إلى السكينة، ويحتاج إلى القوة، لكنه يحتاج إلى الأخلاق التي تضبط هذه القوة ويستطيع أن يبني المدن، لكنه يستطيع كذلك أن يهدمها إذا فقد البوصلة الأخلاقية.
ومن هنا فإن أزمة الإنسان ليست في امتلاكه الجانب المادي، وإنما في اختلال التوازن بين المادة والروح.
التكريم لا يلغي العبودية
حين تحدث القرآن عن خلق آدم، لم يكتفِ بذكر المادة والروح، وإنما كشف عن مكانة الإنسان فقال: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [ الإسراء 70] فالإنسان مكرم، لكنه ليس مستقلًا عن الله، ومستخلف، لكنه ليس مالكًا مطلقًا للأرض، وممنوح للعقل، لكنه ليس فوق الوحي، ومخيَّر في دائرة التكليف، لكنه ليس حرًا من المسؤولية.
كرامة الإنسان لا تعني تأليهه، وعبوديته لله لا تعني إهانته: وهذه المعادلة من أهم ما يميز الرؤية الإسلامية؛ بل إن أعظم كرامة للإنسان أن يعرف ربه ويعبده ويعمر الأرض بالحق والعدل.
نفخة الروح وبداية المسؤولية
لم تكن نفخة الروح مجرد انتقال من الجماد إلى الحياة، وإنما كانت بداية لمسؤولية الإنسان؛ فالقرآن يقول: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾ [الأحزاب: 72] فالإنسان ليس مجرد موجود يعيش ويستهلك ثم ينتهي، وإنما هو صاحب أمانة، أمانة العقل، وأمانة الاختيار، وأمانة العمل وأمانة الاستخلاف وأمانة إصلاح الأرض، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30] فالخلافة هنا ليست امتيازًا بلا مسؤولية، وإنما هي تكليف بالإصلاح والعمران والعدل.
الإنسان بين الضعف والقوة
إن معرفة الإنسان بأصله الأرضي ونفخة الروح تمنحه توازنًا نفسيًا وأخلاقيًا؛ فهو لا يغتر بقوته لأنه يعرف ضعفه، ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28].
ولا ييأس من ضعفه لأنه يحمل القدرة على الإيمان والعمل والإصلاح، وهنا يأتي الإسلام ليحرر الإنسان من طرفين متناقضين: من الغرور المادي الذي يجعله يظن أنه مستقل عن الله، ومن الدونية واليأس التي تجعله يرى نفسه عاجزًا عن التغيير.. إن الإنسان في القرآن ضعيف من جهة تكوينه، لكنه قوي بالإيمان والعقل والإرادة والتكليف.
التوازن بين الجسد والروح
لم يأت الإسلام ليحارب الجسد لصالح الروح، ولا ليطلق الجسد بعيدًا عن القيم الروحية، وإنما أقام علاقة متوازنة بينهما قال النبي ﷺ: “وإنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا” وهذا الحديث يضع قاعدة مهمة: لا يمكن بناء الإنسان بإهمال جسده، كما لا يمكن بناءه بإشباع الجسد وإهمال الروح.
ومن هنا جاء الإسلام بمنظومة متكاملة من العبادة والعمل، والغذاء والصيام، والزواج والعفة، والعلم والتزكية، والعمران والآخرة؛ فالإنسان المتوازن هو الذي لا يصبح عبدًا لجسده، ولا يهمل جسده بحجة الروح.
الإنسان مشروع بناء لا مجرد كائن بيولوجي
إذا كان الإنسان قد بدأ من الأرض، ثم صار كائنًا ذا روح وعقل وإرادة، فإن مهمته ليست مجرد البقاء، وإنما الارتقاء، ولهذا ربط القرآن بين تزكية النفس والفلاح ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10].
فالإنسان يمكن أن يرتقي حتى يصبح نموذجًا للخير والعدل، ويمكن أن ينحدر حتى يفقد المعنى الذي من أجله كُرّم ومن هنا فإن الحضارة في المنظور الإسلامي لا تبدأ من الحجر، ولا من الآلة، ولا من الاقتصاد وحده، وإنما تبدأ من الإنسان؛ فالإنسان إذا صلح أصبح أداة بناء، وإذا فسد تحولت المعرفة والقوة والثروة إلى أدوات هدم.
من فهم الخلق إلى فهم الحضارة
هذه الرؤية القرآنية للإنسان تقودنا إلى نتيجة حضارية بالغة الأهمية: لا يمكن إصلاح المجتمع قبل إصلاح الإنسان، فالمشكلة الحضارية ليست دائمًا في نقص الموارد، وإنما قد تكون في الإنسان الذي يدير الموارد، وليست المشكلة في غياب القوة، وإنما في غياب القيم التي توجه القوة، وليست المشكلة في امتلاك المعرفة، وإنما في توظيف المعرفة، ولهذا فإن القرآن يبدأ من الداخل ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. إنها قاعدة حضارية: التغيير الحقيقي يبدأ من الإنسان، من وعيه، ومن قيمه، ومن علاقته بربه، ومن نظرته إلى نفسه وإلى الآخرين وإلى الحياة.
الإنسان بين الأرض والسماء
إذا أردنا أن نختصر الرؤية الإسلامية للإنسان في صورة واحدة، فإنها صورة الكائن الذي خرج من الأرض لكنه لم يُخلق ليبقى أسيرًا لها جسده من الأرض، وروحه من خلق الله، وعقله أداة للتفكير، وقلبه موضع الإيمان، وإرادته مجال الاختيار، والأرض ميدان عمله، والآخرة مصيره. ولهذا فإن الإنسان في الإسلام ليس مجرد “قبضة تراب”، كما أنه ليس “روحًا إلهية” بالمعنى الذي قد يفهم منه الحلول أو الاتحاد؛ وإنما هو عبدٌ مكرّم، خلقه الله من مادة أرضية، ونفخ فيه من روحه المخلوقة التي شرفها بالإضافة إليه، وأسكنه الأرض، وحمله الأمانة، وأقام عليه الحجة، وجعل له طريقًا إلى الفلاح أو الخسران.
ومن هنا تتضح عظمة الإنسان وخطورته في آن واحد: عظمته في التكريم والتكليف، وخطورته في قدرته على توظيف العقل والإرادة في البناء أو الهدم.
إن قصة خلق الإنسان في القرآن ليست قصة بداية بيولوجية فحسب، وإنما هي بيان لحقيقة الإنسان ووظيفته ومصيره.. لقد بدأ الإنسان من الأرض ليظل متواضعًا، ونُفخت فيه الروح ليكون واعيًا متطلعًا إلى ربه، ومُنح العقل ليعرف، والإرادة ليختار، والوحي ليهتدي، والتكليف ليكون مسؤولًا.
وهكذا تتكامل الصورة: من قبضة الأرض يبدأ التكوين، ومن نفخة الروح يبدأ التكريم، ومن العقل يبدأ الوعي، ومن الوحي يبدأ الهداية، ومن المسؤولية يبدأ العمران، وإلى الله يكون المصير.
وهذه هي الرؤية الإسلامية التي تجعل الإنسان ليس مجرد كائن حي، وإنما مشروعًا إيمانيًا وأخلاقيًا وحضاريًا؛ فإذا عرف أصله عرف قدره، وإذا عرف قدره عرف مسؤوليته، وإذا عرف مسؤوليته أدرك أن عمارة الأرض لا تنفصل عن عبادة الله، وأن بناء الحضارة يبدأ قبل الحجر والآلة ببناء الإنسان نفسه.





