
لماذا نستمر حين يخبرنا الواقع أننا خسرنا؟
أغسطس 4, 2026بقلم: سميح عبد الرحمن .. كاتب وباحث
تمر بنا في هذه الأيام ذكرى غزوة خيبر، تلك الغزوة العظيمة التي وقعت في السنة السابعة من الهجرة النبوية، وكانت محطة فارقة في مسيرة الدولة الإسلامية الناشئة، وفي صراعها مع أعدائها، وقد حفلت أحداثها بالكثير من الدروس والعبر التي تحتاج أمتنا اليوم إلى الوقوف عندها، خاصة وهي تخوض صراعًا ممتدًا مع المشروع الصهيوني، وتدفع في سبيل تحرير أرضها ومقدساتها أثمانًا باهظة من دماء أبنائها وأشلائهم.
وليس المقصود من استدعاء خيبر أن نسقط أحداث التاريخ على واقعنا إسقاطًا متكلفًا، أو أن نتجاوز اختلاف الأزمنة والظروف والسياقات؛ وإنما أن نقرأ سيرة رسول الله ﷺ بحثًا عن السنن التي لا تتبدل، والمناهج التي تهدي الأمة في مسيرتها، والدروس التي تبني وعيها ورجالها؛ فإن الأمة التي تخوض اليوم صراعًا ممتدًا مع أحفاد أولئك الذين واجهوا رسول الله ﷺ ودولته الناشئة، أحوج ما تكون إلى أن تدرس كيف أدار رسول الله ﷺ ذلك الصراع، وكيف تعامل مع تعدد جبهاته وتقلب مراحله، وكيف أعد له القوة، وبنى له الرجال.
إن المتأمل في أحداث خيبر وما سبقها وما صاحبها، يرى أمامه مدرسة متكاملة في بناء جيش التحرير؛ مدرسةً تجمع بين عقلية استراتيجية واعية تحسن قراءة الواقع، وتقدير موازين القوى، وترتيب الأولويات، وإدارة الجبهات، والتخطيط والمناورة؛ وبين تربية إيمانية وأخلاقية عميقة تصنع جنديًا صادقًا مع الله، منضبطًا بأمره، ممتثلًا لرسوله ﷺ، عفيفًا أمام شهوته، أمينًا على أموال أمته.
وهذان جناحان لا يستغني عنهما جيش يرجو النصر ويسعى للتحرير؛ فلا الإيمان الصادق يغني عن حسن التدبير والأخذ بالأسباب، ولا براعة التخطيط وقوة السلاح تغني عن رجال ربانيين يحملون هذا السلاح ويحسنون القيام بأمانته. وبين هذين المعنيين سنقف مع بعض مشاهد خيبر؛ لنرى كيف أدار النبي ﷺ معركته، وكيف ربّى الجيش الذي خاضها، وكيف اجتمع حسن التدبير في ميدان الصراع مع حسن البناء في ميدان النفوس.
الفقه النبوي في إدارة الصراع
حين هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، كانت الدولة الإسلامية الناشئة تواجه خريطة معقدة من التحديات والتهديدات؛ فقريش، رأس حربة العرب في عداوة الإسلام، لم تضع أوزار حربها ضد المسلمين بخروجهم من مكة، بل ظلت تمثل الخطر الخارجي الأكبر على دولتهم، وفي داخل المدينة كانت ثلاث قبائل يهودية كبرى: بنو قينقاع، وبنو النضير، وبنو قريظة، فضلًا عن التجمعات اليهودية المنتشرة شمال المدينة في خيبر وفدك ووادي القرى وتيماء.
وأمام هذه الخريطة المعقدة، لم يفتح رسول الله ﷺ جبهات الصراع كلها دفعة واحدة، ولم يستعدِ كل القوى المحيطة بدولته الناشئة؛ وإنما عاهد يهود المدينة ونظّم علاقته بهم بالعهود والمواثيق، ليتفرغ للخطر القرشي القائم أصلًا، مراعيًا واقع المسلمين وقدراتهم وإمكاناتهم، ومدركًا أن من الحكمة ألا يشتت قوته المحدودة في جبهات متعددة ومتزامنة.
وظل رسول الله ﷺ وفيًّا بهذه العهود حتى بدأ اليهود أنفسهم في نقضها، فتعامل مع كل قبيلة وفق مقتضى حالها وما أحدثته من تهديد؛ فكان بنو قينقاع أول من نقض العهد بعد (بدر)، فأجلاهم رسول الله ﷺ عن المدينة، ثم حاول بنو النضير اغتياله ﷺ بعد (أُحد) فأجلاهم، ثم جاء الدور الأخطر لبني قريظة، حين خانوا عهدهم في أحلك ساعات المدينة أثناء غزوة الأحزاب، وفتحوا جبهة داخلية على المسلمين وهم محاصرون بآلاف المقاتلين من خارجها، فلما هزم الله الأحزاب حُسم خطر بني قريظة باستئصالهم، وطُويت بذلك آخر جبهات اليهود داخل المدينة.
لكن الخطر لم ينتهِ؛ فقد تحولت خيبر، بما اجتمع فيها من قوى اليهود ومن لحق بهم من بني النضير، إلى مركز للتحريض والتآمر على الدولة الإسلامية، وكان لبعض قادتها دور بارز في تأليب الأحزاب وجمع القبائل لغزو المدينة. ومع ذلك لم يتعجل رسول الله ﷺ فتح جبهة خيبر وقريش لا تزال تتربص بالمسلمين جنوبًا؛ حتى جاء صلح الحديبية في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، فوُضعت الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنوات بموجب الاتفاق، وأمِن رسول الله ﷺ هذه الجبهة مؤقتًا، وأصبح قادرًا على التفرغ للخطر القائم شمال المدينة.
وهنا جاءت ساعة خيبر؛ فلم تكن غزوة خيبر حدثًا منفصلًا عما قبلها، وإنما كانت ثمرة مسار طويل من حسن إدارة الصراع وترتيب الأولويات؛ عاهد رسول الله ﷺ حين كانت المصلحة في العهد، وصبر ما دام العهد قائمًا، وحسم كل خطر حين تحول إلى تهديد فعلي، وامتنع عن تشتيت قوته بين جبهات متعددة، حتى إذا أمّن جبهة قريش في الحديبية، توجه إلى خيبر ليعالج أحد أخطر مصادر التهديد والتحريض التي بقيت تحيط بالدولة الإسلامية.
وهذا أول درس من مدرسة خيبر: أن صدق التوكل على الله لا ينافي حسن التدبير، وأن الشجاعة ليست في فتح كل الجبهات، كما أن الصبر على بعض الخصوم إلى حين ليس ضعفًا، والصلح ليس دائمًا تنازلًا؛ وإنما يحتاج العاملون لدين الله إلى فقه يبصر موازين القوى، ويرتب الأولويات، ويميّز بين ما يجب حسمه اليوم وما يمكن تأجيله إلى الغد، ويجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل، حتى توضع القوة في موضعها، وتُخاض المعركة المناسبة في الوقت المناسب.
إلى خيبر.. وإدارة المعركة
بعد أسابيع قليلة من عودة رسول الله ﷺ من الحديبية، خرج بجيشه إلى خيبر، لكنه لم يفتح باب المشاركة في هذه الغزوة لكل من أراد الخروج، وإنما خرج معه أهل الحديبية الذين بايعوه تحت الشجرة، أولئك الذين أثنى الله عليهم بقوله: ﴿لَقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحࣰا قَرِيبࣰا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةࣰ يَأۡخُذُونَهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمࣰا﴾ [الفتح: 18-19].
وكانت مغانم خيبر مما ذكره أهل التفسير في هذه المغانم التي وعد الله بها أهل بيعة الرضوان، فلما علم المخلفون من الأعراب بما ينتظر المسلمين من الغنائم أرادوا الخروج معهم، فقال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا۟ كَلَٰمَ ٱللَّهِۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا﴾ [الفتح: 15]. فكان الجيش الذي سار إلى خيبر جيشًا صُفِّي في الحديبية، واختُبر رجاله في ساعة الشدة، وثبتوا حول رسول الله ﷺ حين شاع خبر مقتل عثمان رضي الله عنه، فبايعوه على الثبات والموت نصرة لله ولرسوله؛ وكأن مدرسة الحديبية كانت إعدادًا للرجال الذين سيخوضون بعد قليل واحدة من أهم معارك الإسلام.
في المقابل، لم يتوقف المنافقون عن أداء دورهم المعتاد في خاصرة المجتمع المسلم؛ فقد ذكرت كتب السيرة أن عبد الله بن أُبيّ بعث إلى يهود خيبر يحذرهم من مسير رسول الله ﷺ، ويحضهم على الثبات والمواجهة، مخبرًا إياهم بقلة عدد المسلمين، في صورة تكشف خطورة الطابور الخامس الذي يعمل دائما عينًا للعدو، وخنجرًا مسمومًا في خاصرة الأمة ساعة المواجهة.
وعلى إثر هذه المعلومات التي وصلتهم، أخذ يهود خيبر يستعدون للقتال بجمع الرجال والسلاح في الحصون، كما عمدوا إلى الاستنجاد بحلفائهم من غطفان، على أن يكون لهم نصف ثمار خيبر مقابل نصرتهم. واستجابت غطفان، وخرجوا يريدون إمداد خيبر والقتال إلى جانبها، لكنهم ما لبثوا أن سمعوا خلفهم حسًّا وجلبةً، فظنوا أن المسلمين قد خالفوهم إلى أهليهم وأموالهم، فعادوا مسرعين إلى ديارهم، خاصةً بعد أن علموا بتقدم جيش المسلمين شمالا، وهكذا عُزلت خيبر عن أقوى حلفائها، وبقيت تواجه جيش المسلمين دون المدد الذي كانت تعوّل عليه، وهو ما حرص عليه رسول الله ﷺ منذ بداية تحركه، فعمل على الفصل بين القوتين ومنع اجتماعهما في ميدان واحد.
ثم جاء اختيار محور الاقتراب من خيبر ليكشف جانبًا آخر من دقة التخطيط وحسن إدارة المعركة؛ فلم يتقدم رسول الله ﷺ إليها من الجهة الجنوبية التي كان أهلها يتوقعون قدومه منها، وإنما سلك بجيشه طريقًا يضعه في موقع يحول بين خيبر وحلفائها من غطفان، ويقطع عنها طرق الإمداد، ويضيّق على أهلها إمكان الانسحاب والفرار شمالًا، محققًا بذلك أكثر من غاية بحركة واحدة. وأسرع ﷺ في مسيره حتى باغت خيبر قبل أن تستكمل استعدادها لملاقاته، فنزل المسلمون بساحتها ليلًا دون أن يشعر أهلها بقدومهم، حتى إذا أصبحوا خرجوا إلى مزارعهم يحملون مساحيهم ومكاتلهم، فإذا بجيش المسلمين أمامهم، فصاحوا مذعورين: محمد والخميس! ثم فروا إلى حصونهم، فقال رسول الله ﷺ: “الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين”.
وهذا درس آخر من مدرسة خيبر: أن النصر لا يُصنع في ميدان القتال وحده؛ فكثير من المعارك تُحسم بعض نتائجها قبل أن تبدأ، حين يحسن القائد اختيار رجاله، وينقي صفوفه، ويعرف عدوه وحلفاءه، ويؤمّن معلوماته، ويقطع عن خصمه أسباب القوة، ثم يختار أين ومتى وكيف يخوض معركته. فحسن الإعداد جزء من التوكل، وإتقان التخطيط من أداء الأمانة، وما كان جيش النبوة ينتظر المعجزات وهو مقصر في الأسباب، بل كان يستفرغ وسعه فيما يملك، ثم يمضي إلى المعركة وقلبه معلق بمن يملك النصر وحده سبحانه.
جيش الفتح .. جيش محمد ﷺ
كانت تلك بعض ملامح العقلية الاستراتيجية التي أدار بها رسول الله ﷺ صراعه، وخطَّط بها لمعركته، لكن الخطط مهما بلغت دقتها لا تصبح واقعًا على الأرض من تلقاء نفسها، والأسلحة مهما بلغت قوتها لا تقاتل وحدها، وإنما يحملها رجال، وبقدر ما تكون كفاءة هؤلاء الرجال وإيمانهم وانضباطهم وأخلاقهم تكون قدرتهم على حمل أمانة المعركة وتحقيق أهدافها.
وهنا يظهر الجناح الآخر في مدرسة خيبر؛ فإذا كان الجناح الأول هو حسن التدبير وإدارة الصراع، فإن الجناح الثاني هو بناء الإنسان الذي يخوض هذا الصراع؛ ذلك الجندي الذي رباه رسول الله ﷺ على الصدق والبذل، والطاعة والانضباط، والعفة وضبط الشهوة، والأمانة والورع. ولم تكن هذه الأخلاق دروسًا نظرية يتلقاها الصحابة بعيدًا عن ميادين القتال، وإنما كانت حاضرة معهم وهم تحت السلاح، وبين حصون خيبر، وفي أشد ساعات الجوع والخوف والحاجة.
عامر بن الأكوع.. العبرة بصدق الوجهة
كان من بين أصحاب النبي ﷺ في غزوة خيبر عامر بن الأكوع رضي الله عنه، عمُّ سلمة بن الأكوع، وكان رجلًا شجاعًا مجاهدًا. فلما اشتد القتال، خرج مرحب اليهودي، وكان من أشهر فرسان خيبر وأشدهم بأسًا، يطلب المبارزة وهو يرتجز متباهيًا بقوته:
قد علمت خيبر أني مرحب ** شاكي السلاح بطل مجرب
فخرج إليه عامر رضي الله عنه، وهو يرتجز:
قد علمت خيبر أني عامر ** شاكي السلاح بطل مغامر
فتقاتلا، حتى اختلفا ضربتين، فضرب مرحب بسيفه ترس عامر، وذهب عامر يضرب قدم اليهودي، وكان سيفه قصيرًا، فرجع ذباب سيفه عليه فأصاب ركبته إصابةً شديدةً كانت فيها وفاته.
فلما رأى بعض الصحابة ما حدث قالوا: “حبط عمل عامر، قتل نفسه”! وبلغ ذلك سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، فجاء إلى رسول الله ﷺ وهو يبكي، فقال: يا رسول الله، بطل عمل عامر؟ فقال رسول الله ﷺ: “من قال ذلك؟” قلت: ناس من أصحابك. فقال ﷺ: “كذب من قال ذلك، إن له لأجرين”، وجمع بين إصبعيه، وقال: “إنه لجاهدٌ مجاهد، قلَّ عربيٌّ مشى بها مثله”.
إنه تصحيح نبوي دقيق لموازين النظر والحكم على الرجال والخواتيم؛ فقد خرج عامر في سبيل الله، صادقًا مجاهدًا، ثم أصابه سلاحه عن غير قصد فمات، فلم يضره أن تكون ميتته على هذه الصورة، ولم تنقص من أجره ولا من منزلته عند الله، بل شهد له رسول الله ﷺ شهادة عظيمة: “إنه لجاهد مجاهد”.
وهذا معنى يحتاجه كل من ربط نفسه بثغر من ثغور الإسلام؛ فليس كل من خرج في سبيل الله يموت في الصورة التي يتخيلها الناس للشهادة، فقد يقتله عدوه، وقد يموت بمرض، أو حادث، أو خطأ عارض، وقد يدركه أجله وهو مرابط على ثغره؛ ولكن العبرة بصدق الوجهة، وحقيقة البذل، والمقام الذي أقام الإنسان نفسه فيه، وقد قال رسول الله ﷺ: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”.
إن جيش التحرير يحتاج إلى رجال يعرفون لماذا خرجوا، ولمن يقاتلون، وعلى أي طريق يسيرون؛ رجال لا تكون غايتهم صورة البطولة في أعين الناس، ولا ما يقال عنهم بعد موتهم، وإنما يصدقون الله في حياتهم وبذلهم ونيتهم، ثم يتركون لله كيف تكون خاتمتهم. فهذا عامر رضي الله عنه لم يختر صورة موته، لكنه اختار طريق حياته؛ اختار أن يكون جاهدًا مجاهدًا في سبيل الله، فكانت له شهادة رسول الله ﷺ، وأجران عند ربه.
وهكذا تبدأ صناعة جيش التحرير من أعماق النفوس؛ مِن صدق الوجهة والتجرد لله، قبل السلاح والعدة، وقبل الخطط والحصون. فإذا صلحت الوجهة، وصدق الرجال مع الله، بقي أن يتعلم هؤلاء الرجال كيف يضبطون أنفسهم عند الأمر والنهي؛ وهنا تأخذنا خيبر إلى مشهد آخر، ودرسٍ جديد..
وللحديث بقية في العدد القادم إن شاء الله.





