
الحركة الإسلامية بين المأمول والمتاح (١)
أغسطس 3, 2026
الاحتلال يوسع عملياته العسكرية بالضفة ويهدد باجتياح المخيمات
أغسطس 3, 2026بقلم:أحمد هاني .. كاتب وطالب بكلية الطب
الإنسانُ كائنٌ مُعقَّد.. كائنٌ مُثيرٌ للإعجاب.. كائنٌ يستحقُّ التأمُّلَ والتفكُّرَ فيه، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]. ليست آياتُ النفس مقتصرةً على الهيكل الخارجيِّ فقط، بل إنَّ كمالَ الله تعالى يجعل في كلِّ جانبٍ من جوانب البشر آيةً، والكثيرُ مِنَّا يغفل عن الجانب الإنسانيِّ النفسيِّ. ذلك الجوهرُ الداخليُّ في أعماق الإنسان، حيث المشاعرُ والأفكارُ والأحلامُ، الذي يُسمَّى بـ”النفس البشرية”.
وربما قد يذهب عن أذهان الكثيرين أنَّ ديننا دينٌ يُولي اهتمامًا عظيمًا بالجانب النفسيِّ -أو ما يُسمَّى في علم الرقائق بالجانب القلبيِّ- ولذلك كنت تسمع عن”أمراض القلوب”، و”أعمال القلوب”، و”تزكية النفس”، إلى غير ذلك.. وهذه كلُّها تهتمُّ بجوهر الإنسان. ولم يكذب مَن قال: ”ربُّك ربُّ قلوب”!
فإنَّ النفسَ -أو القلبَ- هي المحرِّك الأساسيُّ للإنسان، بل هي التي تعطيه الدوافع، وتمنحه الأحلام، وتخلق فيه المشاعرَ والأحاسيس.
وقد قال العلماء -مثل الإمام أحمد بن حنبل والإمام الشافعي- عن حديث: ”إنما الأعمال بالنيات” إنه يمثِّل ثُلثَ العلم! وقال جماعةٌ من العلماء عنه: ”هذا الحديث ثُلثُ الإسلام”. وقال الإمام ابن دقيق العيد: ”هذا حديثٌ صحيحٌ متفقٌ على صحته، وعظيم موقعِه، وجلالة قدرِه، وكثرة فوائدِه”.
ومما لا خلاف فيه أنَّ النيَّةَ محلُّها القلب.
وأعظمُ الأحاديث في بيان أهمية الجوهر الداخلي واللُّبِّ القلبيِّ هو قوله ﷺ: ”ألا وإنَّ في الجسد مضغةً، إذا صلحت صلح سائرُ الجسد كلُّه، وإذا فسدت فسد سائرُ الجسد كلُّه، ألا وهي القلب”1.
القلبُ كالماءِ، والأهواءُ طافيةٌ ** عليهِ مثلَ حبابِ الماءِ في الماءِ
ولذلك، فلتعلم أنَّ في الكون عالمَيْن: عالمًا خارجيًّا، وعالمًا داخليًّا.
فأمَّا العالم الخارجي: فهو الحياة البشرية بكلِّ ما يطرأ عليها من تغيُّرات.
وأمَّا العالم الداخلي: فهو واحدٌ في الاسم، متنوِّعٌ في الحقيقة؛ ويظهر هذا التنوُّع بين كلِّ إنسانٍ وآخر. فلكلِّ إنسانٍ عالمٌ داخليٌّ تتجمع فيه مشاعرُه، ودوافعُه، ومطامعُه.
وكلٌّ من العالم الخارجي والعالم الداخلي يؤثِّر في الآخر ويتأثَّر به.
وينبغي أن تعلم أنَّ العالم الداخلي لا يقلُّ في التعقيد عن العالم الخارجي، بل إنَّ العالم الداخلي يفوقه في أنه لا يزال مجهولًا في معظمه، بينما قطع الإنسان في استكشاف العالم الخارجي أشواطًا كبيرة. ولهذا كان من المتعذِّر على العلوم الطبيعية، القائمة على الملاحظة والقياس، أن تُفسِّر الإنسان تفسيرًا كاملًا، أو تختزل دوافعه في معادلاتٍ رياضية؛ إذ يبقى عالمُه الداخلي أكثرَ جوانبه استعصاءً على القياس والتنبؤ.
كافَّةُ المشاعر الإنسانية تملك خصائصَ مشتركةً فيما بينها، وأحدُ هذه الخصائص هو خاصيةُ ”الشمول”؛ فكلُّ شعورٍ قابلٌ للتضخُّم والانفجار حتى يشمل كيانَ الإنسان كلَّه، بل قد يتطور هذا التمدد إلى أن يبدأ في التأثير على قناعات الإنسان ومبادئه، ومن ثَمَّ أفعاله.
ولذلك اعتمدت عدةُ مجالاتٍ على هذه الخاصية الشعورية في علاج الحالات المقدَّمة لها. فتجد ”التنمية البشرية” تستخدم هذه الخاصية في محاولة ملء نفس الإنسان بشعورٍ معيَّن: النجاح، والثقة، والقوة، والشجاعة.. إلخ. ولهم في ذلك أساليبُ في علاج ضعف الثقة بالنفس والقدرات.
وتجد ذلك في تراثنا الإسلامي؛ فحين امتلأ قلبُ بلال بن رباح بالإيمان واليقين، دفعه ذلك إلى ما وصفه به عبدُ الله بن مسعود رضي الله عنه -حين كان يتحدث عن أوائل من أظهروا إسلامهم-: ”فما منهم إنسانٌ إلَّا وقد واتاهم على ما أرادوا إلَّا بلالٌ؛ فإنَّه هانت عليه نَفْسُه في اللهِ”2. ولا يفهم من ذلك اللمز في إيمان بقية الصحابة -حاشا لله- إنما نتحدث عن الحالة الشعورية التي تمكنت من سيدنا بلال حتى لم يعد فيها يبالي بما يجري عليه من عذاب وتنكيل.
وتجد ذلك عند الطغاة والجبارين؛ فمن ضمن أساليبهم بثُّ الرعب والخوف في النفوس، حتى تتكسر عزائم الناس، وتتحطم آمالهم في تغيير الواقع الظالم. ولذلك، دائمًا ما يتعمدون إظهار صورٍ من فجورهم، وتنكيلهم بالإنسان، وسحق كرامته التي جعلها الله له حقًّا.
إنَّ الخوفَ المُهينَ لكرامة الإنسان، والمتعدِّي على حقوقه، من أقسى المشاعر الإنسانية. بل جاءت الشريعة الإسلامية بهدمه، وهدم أركان وجوده؛ فقد قال ﷺ، حين أتاه خباب بن الأرت -بعد جلسة تعذيب- يسأله أن يدعو الله لهم: ”والله لَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخشى إلا الله، والذئبَ على غنمه”3.
وفي هذا الحديث نستنتج: أنَّ الخوف نوعان:
- نوعٌ طبيعي، وهو الخوف الذي لا يستهدف كرامة الإنسان أو حقوقه استهدافًا مباشرًا، كخوف الإنسان من الذئب على غنمه.
– والنوع الثاني: هو الخوف الذي يتعدَّى على كرامة الإنسان وحقوقه؛ من ظالمٍ وطاغيةٍ يريد كسر الناس وإذلالهم. وفي هذا التصوير النبوي إشارة إلى أن المجتمع الذي يقيمه الإسلام يزيل الخوف الذي يفرضه الإنسان على أخيه الإنسان ظلمًا وعدوانًا، حتى لا يبقى إلا الخوف من الله، والخوف الفطري من أخطار الطبيعة، كالذئب على الغنم.
وليت الأمر كان يتوقف بعد ذلك عند مجرد ”الشعور بالخوف”! فكما قلنا، فإن من خصائص المشاعر الإنسانية خاصية ”الشمول”. فإذا ساد الخوف والرعب الذي ينشره الطغيان في الناس، بدأ هذا الشعور يؤثر في المعتقدات والمبادئ والأخلاق، ثم سرعان ما يمتد إلى تفكيك أواصر المجتمع وعُراه. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص: 4]؛ بطغيانه وسطوته!
يروي أحمد منصور في كتاب”قصة سقوط بغداد”: “لأن العراقيين كانوا يُلاحَقون أمنيًّا من كثير من الأجهزة، من أهمها الجهاز الأمني لـ(حزب البعث)، الذي جعل من كل المنتمين للحزب -وهم سبعة ملايين، حسبما يذكر البعثيون- جواسيس على باقي الشعب. كما أن هناك عشرات الأجهزة، غير الأمن العام، كانت تلاحق كل طبقات المجتمع، وتكتب عنهم التقارير، وتعد الملفات الأمنية. لذا، فقد كان كثير من الأفراد، لاسيما الذين كانوا يُعتقلون بشكل دائم أو يتعرضون لمضايقات من النظام، حريصين على الحصول على ملفاتهم الأمنية، ليس فقط لمعرفة ما كان يُكتب عنهم فيها، ولكن أيضًا لمعرفة من هم الواشون بهم، والذين كانوا عادةً إما جيرانهم، أو الأطباء الذين يعالجونهم، أو أقاربهم الذين يأكلون ويشربون وينامون معهم. والأهم من ذلك ألا يكون لهم ملف أمني لدى أي نظام جديد يحكم العراق. وقد سمعت من القصص في هذا المجال ما يشيب له الإنسان، حيث كان الرجل يفقد ثقته حتى بزوجته، وابنه، أو أبيه، أو أعز أصدقائه”4.
فإذا انهارت الثقة، لم يعد المجتمع مجتمعًا، بل أفرادًا متجاورين يخاف بعضهم بعضًا، ويحسب كل واحد منهم أن أقرب الناس إليه قد يكون عينًا عليه. وهنا يبلغ الخوف غايته؛ إذ لا يكتفي بتقييد الأجساد، بل يستولي على القلوب، ويقطع أوثق الروابط بين البشر.
إنَّ الله تعالى قد امتنَّ على الناس بألَّا يبقى في الأرض طغيانٌ، ولا يستمرَّ فيها استبدادٌ، وأنه دائمًا ما يدفع الحقَّ بالباطل، والمؤمنين بالكافرين. قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 251].
وإن شئت، فاقرأ القصة التي ذُكرت قبل هذه الآية؛ لتفهم معناها، ويستقرَّ في نفسك، وتحمدَ الله.
وإنَّ الخوف والرعب الذي يبثه الطغيان، مثلما يؤثر في العوام، فإنه قد يؤثر كذلك في بعض المنخرطين في أعمالٍ تهدف إلى إزالة الطغيان، فيُصابون بأمراضٍ قد لا يشعرون بها، ثم تظل معهم زمنًا حتى تصير جزءًا من تكوينهم ومنهجهم.
فمن هذه الأمراض: الحذر الهستيري الزائد، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلية، والتسامح بعدم إظهار أي ردِّ فعلٍ إذا انتُهِكت محارم الله، وبعض أنواع التقية التي قد تدفعه -عافانا الله وإياكم- إلى إنكار معلومٍ من الدين بالضرورة، وعدم التحرك إلا في المساحات التي يتيحها الظالم، والاستسلام لقانونه.. إلى غير ذلك مما يحزن القلب، ويبكي العين.
وقد أشار إلى هذا المعنى الشيخ عبد الله عزام -تقبله الله- إذ قال:
“إن الصبر الطويل على ظلم الجاهلية، وكبت الأنفاسٍ الحارةٍ من أن تخرج من الأعماق، والزفرات من أن تفرج عن الصدور، أقول: إن الصبر الطويل قد يظنه البعض مقيِّدًا للدعوات، ولا يعلمون أنه قاتلٌ للنفوس، خاصة إذا صاحبه هلعٌ شديد، وحذرٌ بالغٌ يصل إلى حد الهوس، وجبنٌ خالعٌ يؤدي إلى الموت البطيء التدريجي. إن الغيرة قد تُكبت أولًا، ثم تذوي، ثم تضمحل، ثم تموت. فإذا ماتت تحول الإنسان إلى جثةٍ هامدةٍ لا تنكر منكرًا، ولا تعرف معروفًا، أو كما جاء في الحديث: إنه لم يتمعَّر وجهه غضبًا لله. إن الصبر الطويل على المنكرات وأنت غارق في سريّتك القاتلة يؤدي إلى الاستئناس يومياً بالجاهلية الطاغية. وأخيراً يؤدي إلى الألفة التي تمسخ الفطرة وتعكس النظرة: “كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً”. إن الألفة التي تقتل الحس الإسلامي في القلب هو الداء الذي يصيب كثيراً من الدعاة الصامتين، بل أكثر من ذلك يؤدي إلى اختلاف الدعاة وتمزق العاملين”5.
وأضيف: أنه بعد كل ذلك يتحول هذا الإنسان إلى مراقبٍ لنفسه، فلا يحتاج جاسوسًا أو عينًا ليتجسس عليه؛ فهو بسبب تسلط الخوف على قلبه، و”شموله” لكيانه، أصبح يراقب نفسه ذاتيًّا.
إنها نفس فكرة السجن! وليس أيَّ سجن، إنه سجن”البانوبتيكون”!٦
وفكرة سجن البانوبتيكون هي: أنه سجنٌ على شكل دائرة، وفي وسطه برجٌ مضيء، يُسلَّط منه الضوء على السجناء؛ بحيث يراقبهم الحارس على مدار الساعة. و”جهنمية” هذا السجن أن هذا الضوء المتركز على السجناء يجعلهم دائمًا في حالٍ من الحذر والخوف والترقب، فيراقبون أنفسهم بأنفسهم، في حين أن حارس السجن قد لا يكون موجودًا أصلًا! إنه تأثير السلطة الخفي.. حين ينتقل الحارس من البرج المضيء إلى عقل السجين! وهكذا يكون حال هذا المصلح إذا تمكن منه الرعب، وتشربه مع مرور الزمن، فيصير وكأنه”سجين” حقًّا، ومقيدٌ بـ”أغلال الخوف”!
اعلم أن أعظم أسلحة الطغيان هو”الخوف”، وأن القتل والسجن والتعذيب كلها وسائلُ لخلق هذا الشعور في نفوس الناس عامةً، ثم في نفوس المنبعثين للإصلاح خاصةً.
وإن المنبعث للإصلاح ينبغي دائمًا أن يعمل على تقوية نفسه بالإيمان واليقين، وقراءةِ سير السابقين من الأنبياء والمرسلين والمصلحين؛ فإنها تبعث في نفسه اليقين، والقوة، والصلابة. وهذا هو السلاح الوحيد الذي لا يسمح بتقييد النفس بأغلال الخوف.
وإن من أخطر المناهج هي تلك المناهج التي تؤصل لهذا الهلع والخوف الشديد باسم ”الحذر”. وهذا، في الحقيقة خطأٌ كبير؛ فإن الله تعالى أمر بأخذ الحذر، لكنه لم يجعل الحذر سببًا في النكوص عن باب الجهاد ومدافعة الظالمين، بل قال تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا﴾ [النساء: 71]، ولم يقل: اقعدوا مع القاعدين.
فالحذر هو الحيطة والحكمة أثناء الجهاد والعمل، لا إيقاف الجهاد والعمل!
اعلموا أن النبي ﷺ مكث ثلاث سنوات يدعو سرًّا، ولكنه بعدها خرج على جبل الصفا يقول لقومه: ”إني نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديد”.
وبنو العباس ظلوا ثلاثين عامًا يُعِدُّون للثورة، ومع ذلك لم تزد نار حنقهم إلا توقدًا، ولم يزد لهيب نقمتهم إلا توهجًا، فخرجوا -بعد ثلاثين عامًا- ولسان حالهم يقول:
لا تُقيلَنَّ عبدَ شمسٍ عثارًا ** واقطعَنَّ كلَّ رِقْلَةٍ وأواسِ!
إياك والخوف.. إياك والأسر.. إياك والأغلال





