
هذا ما وعدنا الله ورسوله ﷺ: عندما يبدأ السقوط من العلو
أكتوبر 4, 2026
الظانون ظن السوء كيف ينظر الصهاينة لرب العالمين
أكتوبر 5, 2026بقلم:الشيخ شكري مجولي عضو مجلس أمناء هيئة أنصار النبي ﷺ
تُمثّل عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر من المنظور الاستراتيجي والأكاديمي نقطة تحوّل تجاوزت أبعادها الجغرافية والعسكرية المباشرة لتُحدث زلزالا معرفياً وإدراكياً على المستويات المحلية، والإقليمية، والدولية.
لم يكن الحدث مجرد جولة جديدة من جولات الصراع المسلح، بل شكّل حالة “انقطاع معرفي” فكّكت السرديات الاستعمارية المستقرة منذ عقود، وأعادت صياغة وعي الشعوب والمؤسسات تجاه القضية الفلسطينية برمتها، عبر تفكيك المقولات المؤسِّسة للخطاب الصهيوني الغربي، وإحياء الفضاء القيمي والسياسي العربي والإسلامي، فضلاً عن رصد التحولات البنيوية في الرأي العام العالمي والتجمعات الأكاديمية والطلابية الغربية.
تفكيك السرديّة الاستعماريّة والمنظومة الأمنيّة
لقد استندت الرؤية الغربية والشرقية للكيان الصهيوني طوال العقود الماضية إلى منظومة تفوق قيمي وعسكري وتكنولوجي مُطلق، وهو ما أطاحت به الطوفان.
أولاً: انهيار عقيدة الردع والتفوق التكنولوجي لسنوات طويلة، روّجت المنظومة الاستعمارية لأسطورة “الجيش الذي لا يُقهر” وقدرات الفحص الاستخباراتي المتفوقة والتحصينات التكنولوجية المعقدة (مثل الجدار الذكي ونظام القبة الحديدية). أثبت طوفان الأقصى أن الفجوة التكنولوجية العسكرية الهائلة يمكن تحييدها بإرادة استراتيجية وتخطيط محكم وأدوات محلية الصنع، هذا التحييد أعاد للوعي الجمعي العربي والإسلامي والدولي حقيقة أن القوى الاستعمارية مهما بلغت قوتها المادية تظل قابلة للانكسار والاندحار.
عولمة القضية الفلسطينية والتحولات في الفضاء الغربي
من أبرز تجليات إعادة تشكيل الوعي المعاصر، هو انتقال التعاطف والتأييد إلى عمق المجتمعات الغربية، وخاصةً في المراكز المعرفية والأكاديمية.
أولا: الانتفاضة الأكاديمية والطلابية في الجامعات الغربية
شكلت الاعتصامات والمخيمات الاحتجاجية في كبرى الجامعات الأمريكية والأوربية ظاهرة سوسيولوجية غير مسبوقة. عبّر هذا الحراك عن ولادة جيل غربي جديد يتمتع بوعي نقدي متحرر من العقد التاريخية الموروثة والسرديات الصهيونية المفروضة. رفض هؤلاء الطلاب استثمار جامعاتهم في منظومة الاحتلال والشركات الداعمة له، وحوّلوا الحرم الجامعي إلى منبر عالمي ينادي بحرية فلسطين من النهر إلى البحر، مما يمثل تحولاً جوهرياً في هذه المؤسسات التي تُعنى تقليدياً بصناعة قادة الفكر والسياسة في الغرب.
واجه الطلاب مباشرة إدارات جامعاتهم، متحدين الضغوط السياسية والتمويلية لشركات السلاح واللوبيات الداعمة للاحتلال.
- شعار “سحب الاستثمارات (Divestment) : تجاوز الحراك مجرد التظاهر العاطفي إلى تبني مطالب اقتصادية وسياسية واضحة وممنهجة. ركزت المطالب على كشف الميزانيات السرية للجامعات، وسحب الاستثمارات من الشركات المتواطئة في تصنيع السلاح للاحتلال أو تلك العاملة في المستوطنات غير القانونية، مماثلاً بذلك الحراك التاريخي ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) في جنوب إفريقيا خلال الثمانينيات.
- التحول المعرفي وسقوط السردية الموروثة: تفكيك ثنائية الضحية والجلاد: إذ نجح الحراك في إحداث قطيعة مع “عقدة الذنب التاريخية” الموروثة في الغرب؛ إذ تمكن الطلاب من الفصل بين انتقاد السياسات الاستعمارية وبين تهمة “معاداة السامية” الجاهزة. وتحول الوعي الطلابي نحو رؤية القضية الفلسطينية من منظور “العدالة العرقية ومناهضة الاستعمار”، وربطها بقضايا التحرر العالمي وحقوق الشعوب الأصلية.
- الاستجابة القمعية وتعرية الديمقراطية الليبرالية: كشفت مواجهة السلطات الأمنية للمخيمات الطلابية -بالاعتقال الممنهج وفصل الأساتذة واستدعاء قوات مكافحة الشغب- زيف الادعاءات الغربية حول “حرية التعبير” والأكاديمية، مما عمّق الوعي النقدي لدى الطلاب تجاه النظام الليبرالي الرسمي.
ثانيا: الثبات وإثارة الوعي الديني العالمي
لقد أدهش الثبات الأسطوري للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، رغم حرب الإبادة والحصار والتجويع، فدفع هذا المشهد غير المسلمين في العالم إلى التساؤل عن سر هذه القوة النفسية والصلابة الروحية؛ مما قاد حركة واسعة لقراءة القرآن الكريم وفهم العقيدة الإسلامية، فأسهم ذلك مباشرة في تفتيت صور “الإسلاموفوبيا” النمطية التي نسجتها الآلة الإعلامية الغربية على مدار عقود.
نتائج طوفان الأقصى
إن الأحداث الكبرى لا تُقاس بالنتائج المادية العسكرية المباشرة فحسب، بل بالآثار الفكرية والثقافية التي تتركها في عقول الأجيال. ويمكن تلخيص أبرز نتائج الطوفان الأقصى في النقاط الآتية:
1- الانهيار الحتمي لأساطير التفوق المطلق للمنظومات الاستعمارية أمام قوة الحق وإرادة الشعوب.
2- عودة القضية الفلسطينية كقضية تحرر عالمية أولى تخترق الحدود واللغات والثقافات.
3- فشل المخططات الرامية لكيّ وعي الإنسان العربي والإسلامي عبر مشاريع التطبيع القسري.
4- نشوء جيل غربي شاب ممتلك لأدوات النقد المعرفي وقادر على التمييز بين حقيقة الاحتلال والدعاية السياسية.





