
طوفان الأقصى وصراع آخر الزمان
أكتوبر 4, 2026بقلم: د. جندل صلاح كاتب وداعية فلسطيني
إن من أخطر أخطاء العقل البشري المجرد أن ينظر إلى عدوه في ذروة قوته فيحسب أنه حقق النصر النهائي؛ لكن الحقيقة التدبرية هنا أن البناء القرآني والتجربة التاريخية يخبرانا أن كل الظالمين فشلوا في تحويل قوتهم وجبروتهم إلى نظام قابل للحياة.
وهذه حقيقة يقررها القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة بل حتى أصحاب العقول الباحثة عن الحق قد أدركتها من خلال قراءة التاريخ، فهذا ابن خلدون يقرر أن “الظلم مؤْذِن بخراب العمران”، وربط أفول الدولة بتحول القوة من أداة لحماية المجتمع إلى أداة لاستنزافه، وهذا ما نراه اليوم، فالجيوش في الكيان وفي أمريكا وحتى في أوروبا، أصبحت أداة استنزاف لاقتصادها ومجتمعاتها.
بينما جعل أرنولد توينبي قدرة الحضارة على الاستجابة للتحدي معياراً لحيويتها، ورأى أن انتقال القيادة من “حالة الإبداع” الذي يعمل بالكفاءة والإخلاص إلى “حالة السيطرة” التي تعتمد الإكراه هي من علامات التفكك الحضاري.
وهنا نقف عند حقيقة تحليلية يجب أن نلتفت لها بقوة لأنها معيار فرضه التاريخ: هل ما نشاهده اليوم من تعاظم في عمليات البطش والظلم تزيد المشكلات أمام الكيان أم تمهد الطريق أمامه؟
هذا السؤال يغير طريقة قراءة حرب فلسطين من أصلها؛ لأن النظر إليها بوصفها مواجهة بين الكيان والفلسطينيين وحدهم يحجب بنيتها الحقيقية، فمنذ أكتوبر 2023 لم تكن غزة إلا المركز الجغرافي لبؤرة هذه المواجهة التي اتسعت دوائرها السياسية والعسكرية والاقتصادية حتى شاركت فيها، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، قوى من عدة قارات: الولايات المتحدة بالسلاح والتمويل والحماية السياسية ثم بالعمل العسكري الإقليمي، بريطانيا وقوى غربية في البحر الأحمر، الحكومات العربية المتآمرة المحيطة بفلسطين، حتى بلغ تعداد الدول التي كان لها مشاركة عسكرية ضد أهل فلسطين (18 دولة)، فضلاً عن انتقال آثار الحرب إلى الملاحة والطاقة والأسواق والمحاكم الدولية والجامعات والشوارع الغربية.
وبهذا المعنى المحدد كانت حرباً عالمية فعلاً، وإن لم تكن “حرباً عالمية” بالمعنى الاصطلاحي للحربين الأولى والثانية؛ لأن محورها كان بقعة صغيرة من الأرض، بينما توزعت منظومة الإسناد والمواجهة والتمويل والسلاح والاقتصاد والرأي العام على مساحة النظام الدولي نفسه.
وهذه الحقيقة تقود إلى نتيجة أبعد: إذا احتاج الكيان، وهو صاحب التفوق العسكري الساحق على غزة، إلى منظومة دولية بهذا الحجم لكي يستمر في الحرب ويحمي نتائجها، فإن قوة الكيان لا يجوز قياسها بما يمتلكه الكيان وحده، كما لا يجوز في المقابل وصف ضعف الفلسطينيين بما يمتلكونه وحدهم.
لقد كشفت هذه المواجهة أن الصراع جزء من بنية قوة دولية؛ وهذا يعيد إلى الذهن قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 112]، وهذا ما يريدنا الله سبحانه وتعالى أن نفهمه، أننا نخوض مواجهة مع كيان يملك قوة تبدو ذاتية، بينما يكشف اختبار المواجهة مقدار اعتمادها على “حبل من الناس”؛ أي شبكة الحماية والإسناد الخارجي، ومن ثم يصبح السؤال الاستراتيجي عن مستقبل الكيان مرتبطاً ليس فقط بسلامة جيشه، بل بسلامة الحبل الدولي الذي يجعل تفوق هذا الجيش ممكناً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى التي أنتجتها غزة: فالمنظومة الحكومية الغربية ظلت أكثر قدرة على حماية الكيان من قدرة الكيان على حماية صورته داخل المجتمعات الغربية نفسها. ففي استطلاع عالمي لمركز (بَيو) سنة 2026 أصبحت النظرة السلبية إلى الكيان هي الغالبة في معظم الدول الست والثلاثين المشمولة، وبلغ وسيطها 67%، ووصلت إلى 73% في ألمانيا، و69% في بريطانيا، و68% في فرنسا، و60% حتى في الولايات المتحدة.
والأهم من الرقم أن الاتجاه ازداد سوءاً خلال سنة واحدة في عدد من الدول الغربية، وهذا يكشف انفصالاً ينبغي ألا يُقرأ بوصفه مجرد تغير في “الصورة الإعلامية”، بل بوصفه بداية خلل بين السياسة الرسمية والحاضنة الاجتماعية التي تمنح السياسة استمراريتها؛ فالدولة تستطيع أن تغامر بمخالفة الرأي العام الجماهيري فترة زمنية مؤقتة، لكنها لا تستطيع ضمان أن يبقى المجتمع الذي ينتخب حكومات المستقبل على الموقف نفسه إلى ما لا نهاية، ولا تستطيع المغامرة بتحطيم ما يسمى “العقد الاجتماعي” الذي تشكل الوسط السياسي على أساسه.
وقد لفت (توينبي) النظر في نظرية “التحدي والاستجابة” فالتحدي عنده لا يصنع الانهيار أو النهضة بذاته؛ إنما تكشف الاستجابة قدرة المجتمع على الإبداع أو عجزه عنه، وهذا يعني عملياً أن الإفراط في النزعة العسكرية أحد المسارات التي يمكن أن تصبح مدمرة للدولة بدل أن تحميها، ومن هذه الزاوية لا تكمن معضلة الكيان في أنه يستخدم القوة، فكل دولة تستخدم القوة، وإنما في أن القوة العسكرية أخذت تفشل في تحقيق النتيجة السياسية التي يفترض أن توجد من أجلها: فالقصف يدمر غزة ولا ينهي القضية، الاحتلال يسيطر على الأرض ولا ينتج القبول، الاستيطان يوسع المجال الجغرافي ولا يحقق الاستقرار، والتفوق العسكري يحمي الدولة ولكنه لا يحولها إلى جزء طبيعي مقبول من محيطها.
وهذا هو الموضع الذي تركز عليه السنن القرآنية؛ فالخلل لا يبدأ حين تفقد الدولة القدرة على البطش، وإنما حين يصبح البطش نفسه هو معول هدمها وتحطيمها، فالظلم لا يهدم العمران بضربة غيبية مفاجئة، بل لأنه يعطل العمران من داخله، ومن هنا يمكن فهم المفارقة التي يعيشها الكيان فقد يكون الكيان اليوم أقدر على التدمير مما كان عليه في مراحل سابقة، لكنه ليس قادراً على إنتاج المستقبل الذي يريد أن يعيش فيه، بل غير قادر على صناعة أسباب حياته الحاضرة، وهذه مسألة مختلفة تماماً عن ميزان السلاح.
وهنا يصبح قوله تعالى في سورة الإسراء شديد الدلالة: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 4]، ثم ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: 7] ما يهمنا في هذه الآية ليس رقم الإفساد ولا التقويم الزمني كما ذهب أو يذهب فضول البعض، فليس هذا المطلوب من الآية وسياقها، وإنما القانون السياسي الذي يقدمه البناء القرآني، القاعدة القرآنية هنا: أن العلو ليس مرادفاً للبقاء، بل إن لحظة العلو تحمل في داخلها أسباب الهزيمة والانهيار حين تقترن بالإفساد.
وعلى الجانب العربي كشفت الحرب مفارقة مقابلة لا تقل أهمية، فقد أمضت منظومة الحكم العربية عقوداً في نقل فلسطين من قضية أمة إلى ملف دبلوماسي، ثم انتقلت بعض الحكومات من إدارة الصراع إلى التطبيع مع الكيان؛ لكن النتيجة الاجتماعية جاءت معاكسة للمواقف الرسمية، ففي مؤشر الرأي العربي 2025 بقي 80% من المستطلعين يعتبرون القضية الفلسطينية قضية أمة جماعية، ورفض 87% الاعتراف بالكيان، ولم يقبل به سوى 6%.
ومعنى هذه الأرقام يتجاوز موقفاً من الكيان؛ فهي تكشف أن الدول (السايكسبيكية) نجحت في تقسيم القرار السياسي للأمة لكنها لم تنجح في إجهاض الوعي الجماهيري للمسلمين، ولقد استطاعت الحكومات أن توقع المعاهدات، لكنها لم تستطع أن تجعل الأمة توقع معها.
ومن هنا ينبغي فهم أزمة الحكومات العربية لا بوصفها ضعفاً دبلوماسياً فقط، بل بوصفها أزمة تمثيل تاريخية: ثمة مسافة متزايدة بين ما تعده قطاعات واسعة من الأمة قضية وجودية وبين الطريقة التي تدير بها حكوماتها هذه القضية، وبمعنى أكثر دقة أصبحت هذه الحكومات فعلياً منهارة وفي حكم الساقطة، لولا حماية القواعد العسكرية الأمريكية لها.
مما يجعلنا أمام مدراء مستعمرات فعلياً لا أمام حكومات، ولا يحتاج التحليل الجاد إلى تحويل وصف “الخيانة” إلى شتيمة؛ فالاختبار أشد صرامة: هل تؤدي السياسة الرسمية وظيفة حماية إرادة الأمة ومصالحها، أم تتحول عملياً إلى جزء من البنية التي تعطّل هذه الإرادة؟
ومن هنا ندرك أو نفهم أن وصف الخيانة ليس المقصود به الشتيمة، بل وصف للوظيفة التي أدتها الحكومات وما زالت تؤديها. وبالفعل ثبت أن كل حاكم بعينه هو عميل مباشر، هذا ما أثبتته خطوط الدعم اللوجستي التي انهالت على الكيان قبل أن يكتمل الأسبوع الثاني من بداية المواجهة.
لقد نجحت الحدود السياسية الاستعمارية الحديثة في تفتيت القرار العربي، لكنها لم تستطع حتى الآن القضاء على أصل الاجتماع المشاعري حول فلسطين، ولذلك فإن أهم ما كشفته غزة ربما لا يكون مقدار الغضب العربي، بل بقاء قابلية الأمة للاجتماع فالـ 80% الذين يعدون فلسطين قضية أمة لا يمثلون جيشاً ولا دولة موحدة، ولكنهم يمثلون المادة الاجتماعية التي يمكن إذا وجدت تصوراً وقيادة وتنظيماً ومشروعاً أن تتحول من وجدان مشترك ورأي عام منبثق عن وعي عام ثم إلى قوة سياسية.
وهنا يلتقي ابن خلدون مع المودودي وقطب والنبهاني: الجماعة لا تصبح قوة تاريخية لمجرد كثرتها، وإنما حين يتحول تصورها المشترك إلى إرادة، ثم تتحول الإرادة إلى تنظيم، ويتحول التنظيم إلى سلطان قادر على حمل الفكرة في الواقع.
وعند هذه النقطة تحديداً تصبح المقارنة بغزوة الأحزاب أعمق من التشابه العاطفي بين حصارين؛ فالقرآن الكريم لا يقدم لنا يوم الأحزاب قصة قوم كانوا ضعفاء ثم أنقذتهم معجزة، بل يقدم نموذجين متعارضين لقراءة ميزان القوة. فقد رأى المنافقون الجيش المحاصر للمدينة فقالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12]، ورأى المؤمنون الجيش نفسه فقالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: 22].
لم يكن الفرق في المعلومات التي امتلكها الفريقان، وإنما في الإطار الذي فسرا به المعلومات؛ الأول حوّل ميزان القوة القائم إلى قدر دائم، والثاني وضعه داخل سنن الابتلاء والتغير، ولذلك لم يمنعه يقينه من حفر الخندق، وإدارة التحالف، وحراسة الجبهة الداخلية، واستعمال السياسة والحيلة والحرب النفسية، لقد كان الإيمان هنا مصدراً للعقل الاستراتيجي لا بديلاً عنه.
ومن هنا فإن أخطر قراءة يمكن أن نقدمها لغزة هي أن نحول آلامها إلى وعد آلي بقرب النصر؛ فهذا يفسد الدين والسياسة معاً. ولكن الخطأ المقابل هو أن نقرأ عدد الطائرات والقنابل والتحالفات فنحوّل ميزان القوى الراهن إلى نهاية للتاريخ.
فالذي كشفته الحرب ليس انهيار الكيان، بل ظهور مجموعة من التناقضات في وقت واحد: اعتماد عسكري وسياسي عميق على الخارج، وعجز القوة الساحقة عن إنهاء القضية الفلسطينية، واتساع الفجوة بين حكومات غربية ورأي جماهيري كاسح أكثر نقداً للكيان، وفشل عقود من التطبيع في انتزاع فلسطين من وجدان غالبية عربية، وتحول الحرب المحلية إلى أزمة دولية مست الأمن والملاحة والقانون والتحالفات والرأي العام العالمي، وانهيار المنظومة الإعلامية التي صممت خصيصاً لتسويق الكيان طوال السبعين سنة الماضية.
فغزة كانت تحدياً للكيان، وكانت كذلك تحدياً لأهل فلسطين والعرب والمسلمين والنظام الدولي نفسه؛ ولذلك لن يحدد المستقبلَ مقدارُ الدمار وحده، بل أي الأطراف يستطيع أن يحول هذه الصدمة إلى استجابة تاريخية أعمق.
والحق أننا أمة عرفها التاريخ بأن الصدمات توقظها بقوة وتجعلها تقفز قفزات عسكرية وسياسية وحتى حضارية رهيبة ولافتة للنظر.
وهذه هي النقطة التي تقف عندها فلسطين اليوم، ليس لأن التحرير أصبح حتمياً غداً، ولا لأن الكيان فقد قوته، بل لأن حرب غزة كشفت أن قوة الكيان نفسها ليست مكتفية بذاتها، وأن التفوق العسكري لا يساوي القدرة على حسم التاريخ، وأن الأمة التي أريد تفكيك وعيها ما تزال تحمل فلسطين في مركز وجدانها، وأن العالم الذي منح الكيان عقوداً من التفوق السياسي لم يعد ينظر إليه بالطريقة نفسها.
والإيمان بالتحرير ليس بديلاً عن صناعة شروط التحرير؛ فإن كان الظلم مؤذناً بخراب العمران، فإن خراب عمران الظالم لا يبني عمران المظلوم تلقائياً. وإن كان العلو يحمل في داخله إمكانات الانكسار، فإن انكسار الخصم لا يصنع قوة الأمة من تلقاء نفسه.
وإن كانت فلسطين قد استعادت موقعها في ضمير العالم، فإن التعاطف العالمي لا يتحول وحده إلى قوة سياسية. وإن كانت الشعوب العربية والإسلامية ما تزال ترى فلسطين قضيتها، فإن وحدة الشعور لا تصبح وحدة تاريخية حتى تجد مشروعاً يحملها.
ولهذا فإن القضية التي ينبغي أن تشغل هذا الجيل ليست البحث عن موعد زوال الكيان، وإنما بناء شروط تحرير الأرض المباركة فلسطين. وأن تتحول العقيدة إلى تصور، والتصور إلى وعي، والوعي إلى إرادة، والإرادة إلى تنظيم، والتنظيم إلى قوة، والقوة إلى مشروع سياسي قادر على استثمار التحولات التي صنعها الصراع.
وعندها فقط يصبح التفاؤل موقفًا سياسياً مسؤولاً لا أمنية؛ فنحن لا نعلم متى ينقلب ميزان التاريخ، ولا نزعم أن حرب غزة أسقطت الكيان، لكننا نستطيع أن نقول إن هذه الحرب كشفت أن التفوق العسكري ليس خلوداً، وأن قوة الكيان ليست مكتفية بذاتها، وأن التطبيع الرسمي لم يُنتج تطبيعاً شعبياً، وأن فلسطين لم تمُت في الأمة، وأن “حبل الناس” الذي يحمي المشروع أصبح أكثر ظهوراً كلما اشتدت حاجته إليه.
إنها شروط تحول، لا نتيجة تحول، والفرق بينهما هو مسؤولية هذا الجيل، فإن بقي الغضب غضباً، والتعاطف تعاطفاً، والوحدة شعوراً، ضاعت اللحظة؛ أما إذا تحولت وحدة الوجدان إلى وحدة مشروع، والغضب إلى تنظيم، والعدد إلى قوة، والمال إلى استقلال، والعلم إلى قدرة، والتأييد العالمي إلى شبكة سياسية وتنظيمية، فإن التحدي الذي أراد له أصحابه أن يكسر الأمة قد يصبح بمنطق البناء القرآني والتجربة التاريخية الحافز الذي يعيد إليها قدرتها على الاستجابة.
وهنا فقط يكتمل معنى الأحزاب: لم يقل المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ بعد انصراف الأحزاب، قالوها والأحزاب أمامهم، ثم أكملوا حفر الخندق.





