
طوفان الأقصى وإعادة تشكيل الوعي
أكتوبر 5, 2026
الاحتلال يعتقل أطفالًا ويصعد انتهاكاته بالضفة
أكتوبر 5, 2026بقلم:د. أحمد شتيوي كاتب وطبيب أسنان
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله.. أما بعد: فعندما بدأت حرب غزة كنت أستمع إلى مستوى من الكره والحقد لم أعهده، وأشم رائحة خبيثة تخرج من أفواه بعض المتحدثين في الغرب.. وكنا في أول المعركة نرى الفجور، ونرى الصمت، فكانت المشاعر تغلي في رؤوسنا، ونقول: إلى هذا الحد؟! كل هذا الكره؟! وكل هذا الانحطاط؟!
والآن، وبعد مرور هذه السنوات، استقر في ذهني معنى كنت أتعجب منه، وفي الوقت نفسه أحمد الله عليه.. أحمده على نعمة الإسلام، وعلى نعمة إحسان الظن به سبحانه وتعالى. فلما اشتعلت الحرب، بدأت أصوات تخرج من الغرب تتكلم بشراسة عجيبة، وفي الوقت نفسه بثبات انفعالي وهدوء بارد تجاه ما يجري في غزة.. سمعنا من يقول:
“أبيدوا المكان، ولا بد من القضاء على هؤلاء (الإرهابيين)، ولا بأس إن استُحلت في سبيل ذلك أي دماء؛ أطفال، ونساء، ورضع، وحوامل، وشيوخ، وجرحى.. لا مشكلة في شيء من ذلك! لأن هذا كله مطلوب في سبيل هدف أكبر، وهو الحفاظ على (دولة إسرائيل)، حتى تقوم الدولة، وتبني هيكلها، وتجمع بقراتها، فتتحقق النبوءة ويخرج المسيح المخلّص”.
المسيح؟! الذي هو في عقيدة أصحاب هذه الدعوة رمز للسلام؟! فتأمل معي هذه المفارقة! من أجل أن تتحقق نبوءة المسيح، ويأتي ليحل السلام على الأرض، تُسفك كل هذه الدماء البريئة بغير وجه حق! دماء ليست دماء معتدين، ولا دماء مغتصبين لحق أحد، ومع ذلك لا بد من الخلاص منهم حتى يأتي رمز السلام! وهم المعتدَى عليهم، هذا إن تكلمنا عمن يقاوم منهم ويرفع سلاحه، فكيف بمن لا يملك قوة؟!
فإذا كان رمز السلام نفسه يرضى بكل هذه الدماء بغير حق حتى يأتي ويعم السلام، فبالطبع هذه عقيدة غير صحيحة، مبنية على أوهام ومغالطات متراكبة بعضها فوق بعض، حتى وصلت إلى هذا المستوى من الانحدار، والانحطاط الأخلاقي والعقدي الكبير.
وهنا لا بد أن تحضر الفكرة.. كيف ينظر هؤلاء إلى الله سبحانه وتعالى؟! بأي فكر، وبأي عقل يتفكرون في أسمائه؟! أليس الله سبحانه وتعالى هو أصل الرحمة، والحلم، واللطف، والخير، والجمال؟! وإذا كانت هذه الصفات السامية بكمالها له سبحانه، وأي شيء منها في حياتنا ماهي إلا هبة من الله أنزلها للبشر ليتعايشوا فيما بينهم، وأنزل منها إلى سائر المخلوقات حتى تستطيع أن تحيا على هذا الكوكب.. فإذا ظن البعض أن الله سبحانه يرضى بكل هذا الظلم وهذه البشاعة، حاشاه سبحانه.. فكيف يعبدونه؟! بل كيف يفهمون دينا أو جنة أو نار؟!
إنها نظرة مهلكة.. فمن استقر في نفسه وآمن أن هذا كله يرضاه الله، حتى يحدث أمر يعود بعد ذلك بالخير على البشرية، فهو أحد اثنين:
– أما الأول: فجاهل جهول، سيئ الظن بربه الذي خلقه.. ولا أدري كيف يشعر هذا بخير، وكيف تصفو عنده المعاني، وكيف يعرف قيمة الحياة التي يحياها هو نفسه، وكيف ينظر إلى ابن، أو ينظر إلى صديق إلا نظرة مادية أقل تحضراً من نظرة الحيوانات لبعضها وما هي إلا بقايا مشوهة فيه؟!
- وأما الآخر، فجهول أيضاً ولكنه فاجر، يؤمن أن الله قد خلق بشراً من نسل آدم، وآخرين من نسل آخر، فالخلاص الذي يراه هو خلاص صنف على حساب صنف، وكأنه خلاص لبشر من حيوان! ومع أن هذه الفكرة في فسادها لا تليق برحمة الله ولا بعدله، فهو سبحانه لم يخلق جنساً ليذل جنساً آخر.. بل حتى البهائم والحيوانات جعل الله لها أسساً من الرحمة فيما بينها، وأسساً من الرحمة فرضها على من ينتفع بها من البشر.
إن أصحاب هذا الظن بنوعيهم، ما دام قد استقر في نفوسهم، قد وسموا أنفسهم بأسوأ ما يوسم به إنسان: سوء الظن بالله الذي إليه المصير.
ولنتأمل هذا المشهد.. ابن يخاطب والده معترضاً بفطرته، تلك الفطرة التي هي فطرة كل إنسان سوي، نقّاها الله لترفض الظلم وتأباه، ولتقف مع المظلوم وترجو انتصاره.. يسأل أباه ويستنكر ما يحدث في غزة، فيرد عليه الأب بأن هذا هو الدين، وأننا يجب أن ندعم هؤلاء حتى تتحقق النبوءة ويأتي المسيح لينشر السلام.. فلنفتك إذا بالأجنة في أرحام أمهاتهم، ولنترك الجرحى يموتون تحت الأنقاض جوعا، ولنعلُ ونتكبر، ولنتهم بكل فجر كل من يعترض بمعاداة ساميتنا وسمونا، وربما بمعاداة الله نفسه!
وهذا ليس كل ما يقال.. يقول الله سبحانه وتعالى في سورة الفتح: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ ۖ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: 6]. صدق الله العظيم.
فإذا كان مجرد الظن بأن الله لن ينصر عباده المؤمنين قد استحق كل هذا الوصف، وكل هذا الغضب، فما بالكم بهذه الظنون التي نرى كم فتكت ببني آدم شرقاً وغرباً؟! كم من ملايين قُتلوا تحت هذه المسميات؟!
وإذا كان هذا حال من يسيء الظن بالله سبحانه وتعالى، فإني أريد أن أختم كلماتي هذه برسالتين:
– أما أولاهما، فلنفسي ولأمتي.. بأن الله ناصر عباده، وأن كل حق سيعود، ومن يعش سيشفي الله صدره، ومن رحل فقد ارتاح من عناء كان سيراه إلى أن يتحقق هذا النصر.. فمن رحل فقد عُجّلت له الراحة، ونحسبهم ولا نزكيهم على الله أن قد عُجّل لهم الثواب أيضاً. فنصر الله قادم، ولكن سننه لا تحابي أحداً، مع أن أقداره ممزوجة بلطفه: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: 100]؛ فهو عليم بما لا نفهم من أحداث، حكيم في تدبيرها.
– وأما الرسالة الأخرى، فلهؤلاء الذين يظنون أنهم يستدعون يوم القيامة بأهوائهم.. أقول لهم: خسئتم! فستحملون أوزاركم كاملة، وأوزار الذين تضلونهم بغير علم، كما قال سبحانه: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: 25]. ولن يأتي يوم القيامة إلا أن يشاء الله، في الوقت الذي يشاؤه الله سبحانه وتعالى وحده. وستزول هذه الشرازم التي وصفها الملثم بأنها “أوباش الأرض وحثالة الأمم”، وستعيش البشرية بعدهم أعماراً وأعماراً، وسيقوم هذا الدين ويشتد عود أهله، ويعيش الناس في ظلاله قروناً من الخير.. في سعة شرع الله، وسعة لطفه، وسعة رحمته، ويرى الناس صدق الله حين قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
وسيحدث هذا بأتباع محمد نبي الرحمة، قبل أن يأتي المهدي، وقبل أن ينزل المسيح.. فهذا الدين، أُنزل ليجعل من بني آدم خير أمة بعد آخر نبي.. فلسنا ننتظر مخلّصين، ولا أئمة معجزين، بل رجالاً مخلصين، على الله متوكلين.





