
ها أنذا أسكت، فاسمعوا من كلامهم!
أغسطس 2, 2026
أغلال الخوف
أغسطس 3, 2026بقلم: عماد إبراهيم – مدير مشروع بصيرة الدعوي
لم تعرف الأمة الإسلامية في تاريخها الحديث تجربة أثارت من الجدل، واستأثرت بهذا القدر من الاهتمام الفكري والسياسي والإعلامي، كما عرفت تجربة “الحركة الإسلامية”. فمنذ بدايات القرن الرابع عشر الهجري، ومع سقوط الخلافة العثمانية، ثم هيمنة الاستعمار الغربي على معظم بلاد المسلمين، بدأت تتشكل حركات إصلاحية متعددة المشارب، حملت همَّ إعادة الإسلام إلى موقع القيادة في حياة الأمة، واستعادة دوره في توجيه المجتمع والدولة والحضارة.
وقد اختلفت هذه الحركات في منطلقاتها، ووسائلها، وأولوياتها، ومدارسها الفكرية، لكنها التقت -في الجملة- عند هدف جامع، يتمثل في إعادة بناء الإنسان المسلم، وإصلاح المجتمع، وإقامة الحياة على هدي الإسلام.
ولا يخفى على كل منصف أن الحركات الإسلامية التي نشأت خلال العقود الماضية تركت بصماتٍ واضحة في واقع الأمة، ولا يزال أثر عددٍ منها حاضرًا إلى يومنا هذا. فقد أسهمت في إثراء الساحة الإسلامية بالأفكار والرؤى، وقدمت العديد من النماذج المعاصرة من المؤسسات الدعوية والخدمية والاجتماعية والسياسية، واستطاعت أن تزاحم كثيرًا المشروعات المنافسة.
غير أن سنن الله الجارية في المجتمعات لا تستثني أحدًا؛ فمع مرور الزمن أصاب كثيرًا من تلك الحركات شيءٌ من الجمود، واتسعت الفجوة بين جيل المؤسسين الذين امتلكوا روح المبادرة والتجديد، وبين الأجيال اللاحقة التي غلب عليها الميل إلى المحافظة والتقليد. ويعود ذلك إلى عدم التمييز بين المنهج بوصفه إطارًا مرجعيًا ثابتًا، وبين الوسائل والصيغ التطبيقية التي تظل قابلة للمراجعة والتطوير. فالمنهج أصلٌ راسخ، أما مخرجاته العملية فتتطلب تجديدًا مستمرًا يواكب تغيرات الزمان والمكان، وإعادة قراءة التجربة قراءةً منهجية متجردة، بعيدة عن منطق التقديس الذي لا يرى الأخطاء، أو منطق الشيطنة الذي لا يرى الفضائل.
ولعل من أكثر الأسئلة حضورًا في هذا السياق سؤالٌ جوهري يتكرر في كل مرحلة تاريخية: هل استطاعت الحركة الإسلامية أن تحقق ما كانت تأمله؟ وإذا كانت الإجابة بالنفي أو بالنقص، فأين يكمن الخلل؟
هل تكمن في الفكرة نفسها؟ أم في الإنسان الذي حملها؟ أم في الواقع الذي حاول تنزيلها؟ أم في الظروف الدولية والإقليمية التي أحاطت بها؟ أم أن الإشكال يكمن في الفجوة الدائمة بين المثال النظري، والواقع الإنساني الذي لا يبلغ الكمال؟
إن هذا السؤال لا يتعلق بالحركات الإسلامية وحدها، بل هو سؤال يواجه كل مشروع إصلاحي في التاريخ؛ إذ لا توجد فكرة عظيمة إلا وتواجه مقاومة الواقع، ولا يوجد مشروع حضاري إلا ويصطدم بحدود الإمكانات البشرية والسياسية والاجتماعية.
غير أن المشروع الإسلامي يتميز عن غيره بأنه يستند إلى مرجعية ربانية ثابتة، بينما تتحرك وسائله واجتهاداته داخل عالم متغير، تحكمه السنن الإلهية، وتعترضه معوقات الواقع، وتؤثر فيه عوامل القوة والضعف، والنصر والهزيمة، والتمكين والابتلاء.
ومن هنا تنشأ الحاجة إلى التمييز بين كمال المنهج وقصور التطبيق؛ فالإسلام بوصفه وحيًا منزلاً معصوم، أما الحركة الإسلامية فهي جهد بشري، يصيب ويخطئ، ويقترب من الكمال ولا يبلغه.
وقد نبَّه القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة حين ربط النتائج بالأسباب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]. وقال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].
فالتمكين ليس وعدًا مطلقًا لكل من رفع شعار الإسلام، وإنما هو ثمرة تحقق شروطه، كما أن الابتلاء سنة ماضية في طريق الدعوات جميعًا.
إن القراءة المنصفة لتجارب الحركة الإسلامية تقتضي التحرر من ثنائية التمجيد المطلق والإدانة المطلقة، والنظر إليها باعتبارها تجربة بشرية اجتهدت في خدمة الإسلام، فأحسنت في مواضع، وأخطأت في أخرى، وأصابت بعض أهدافها، وعجزت عن تحقيق أهداف أخرى، شأنها في ذلك شأن كل مشروع حضاري كبير.
ولذلك فإن الحديث عن “الحركة الإسلامية بين المأمول والمتاح” ليس حديثًا عن أزمة عابرة، ولا عن إخفاق سياسي محدود، وإنما هو حديث عن العلاقة بين الفكرة والواقع، وبين المثال والتاريخ، وبين النص والاجتهاد، وبين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل.
ومن هنا تأتي أهمية هذا المقال، التي تحاول أن تقارب هذه الإشكالية من منظور شرعي وفكري، مستحضرةً النصوص المؤسسة، والسنن التاريخية، وتجارب الحركات الإسلامية، وصولًا إلى رؤية أكثر توازنًا في فهم المأمول، وإدراك المتاح، وكيف يمكن تضييق الفجوة بينهما.
أولًا: ماذا نعني بالحركة الإسلامية؟
قبل الحديث عن طموحات الحركة الإسلامية أو تقييم إنجازاتها، لابد من تحديد المقصود بهذا المصطلح؛ إذ إن كثيرًا من الأحكام التي أطلقت على “الحركة الإسلامية” جاءت نتيجة الخلط بين المفهوم العام، وبعض النماذج الخاصة.
فالحركة الإسلامية ليست تنظيمًا واحدًا، ولا مدرسة فكرية واحدة، ولا تجربة سياسية واحدة، وإنما هي عنوان واسع يضم طيفًا متنوعًا من المؤسسات والجماعات والتنظيمات والمدارس الإصلاحية التي تتخذ من الإسلام مرجعية عليا في الإصلاح والتغيير، ولهذا نجد داخل هذا الإطار مدارس دعوية، وحركات تربوية، ومؤسسات تعليمية، وجمعيات خيرية، ومشروعات اجتماعية، وأحزابًا سياسية، وهيئات علمية، بل قد توجد اتجاهات تختلف جذريًا في الوسائل، مع اتفاقها في المرجعية العامة، ومن الخطأ المنهجي أن تُختزل الحركة الإسلامية في تجربة سياسية بعينها، أو في تنظيم معين، أو في مرحلة تاريخية محددة؛ لأن ذلك يؤدي إلى تعميم أحكام جزئية على واقع شديد التعقيد.
وقد شهد العصر الحديث مدارس متعددة في العمل الإسلامي؛ فمنها من جعل التربية الفردية منطلق الإصلاح، ومنها من أولى العمل الاجتماعي الأولوية، ومنها من ركز على مقاومة الاستعمار، ومنها من انشغل بإقامة الدولة، ومنها من جمع بين هذه المسارات بنسب متفاوتة. وهذا التنوع لا ينبغي أن يُنظر إليه بوصفه ظاهرة سلبية في ذاته، فتنوع الاجتهادات سنة جرت بين علماء الأمة منذ القرون الأولى، ما دامت الأصول الجامعة محفوظة، وما دام الاختلاف منضبطًا بضوابط الشرع والسنن الإلهية.
غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاجتهاد إلى يقين لا يحتمل المراجعة، أو تتحول الوسيلة إلى غاية، أو يصبح التنظيم مقدمًا على المقصد، أو تُختزل الأمة في جماعة، والإسلام في تجربة تنظيمية. وقد كان علماء الإسلام يفرقون دائمًا بين النص والاجتهاد؛ فالدين معصوم، أما الاجتهاد فبشري فلا. ومن هنا قال الإمام الشافعي: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”. وهي قاعدة عظيمة في إدارة الاختلاف والاجتهاد.
إن الحركات الإسلامية ليست الإسلام نفسه، وإنما هي محاولة بشرية لفهم الإسلام وتنزيله على الواقع، ولذلك فإن نجاحها لا يزيد الإسلام كمالًا، كما أن إخفاقها لا ينقص من كمال الشريعة شيئًا.
وهذه الحقيقة تُعد من أهم المفاتيح المنهجية لفهم التجربة؛ إذ إن كثيرًا من الناس خلطوا بين نقد بعض الممارسات وبين نقد الإسلام ذاته، كما خلط آخرون بين الدفاع عن الإسلام والدفاع عن كل اجتهادات العاملين له، والخلط بين الأمرين أضر بالفكرة أكثر مما نفعها. ولهذا كان السلف الصالح يؤكدون على أن الرجال يُعرفون بالحق، ولا يُعرف الحق بالرجال، وأن الميزان هو الوحي، لا الأشخاص ولا التنظيمات.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم الحركات الإسلامية ينبغي أن يكون تقييمًا موضوعيًا، ينطلق من ثلاثة معايير متكاملة:
- سلامة المرجعية.
- صحة المنهج.
- كفاءة التطبيق.
فقد تكون الفكرة صحيحة، لكن التطبيق ضعيفًا أو منحرفًا، وقد تكون الوسائل قاصرة، مع سلامة المقاصد، وقد تكون العوامل الخارجية سببًا في تعثر مشروع كان يمكن أن يحقق نجاحًا أكبر لو توافرت له بيئة مختلفة. وهذا ما يقودنا إلى السؤال التالي، وهو محور المقال الرئيس: ما الذي كانت الحركات الإسلامية تأمله؟ وهل كانت تلك الآمال منسجمة مع سنن التغيير وإمكانات الواقع، أم أن الفجوة بين المأمول والمتاح بدأت منذ لحظة تصور المشروع نفسه؟
فإذا كان من الضروري تحديد المقصود بالحركة الإسلامية قبل الحكم عليها، فإن من الضروري كذلك تحديد المقصود بـ “المأمول”؛ إذ لا يمكن قياس النجاح أو الإخفاق إلا بعد معرفة الغاية المقصودة.
والمأمول في الفكر الإسلامي ليس مجرد برنامج سياسي، ولا مشروعًا انتخابيًا، ولا تصورًا اقتصاديًا فحسب، وإنما هو مشروع حضاري شامل، ينطلق من رؤية الإسلام الشمولية للإنسان والكون والحياة، ويهدف إلى إعادة الإنسان إلى مقام العبودية لله تعالى، ثم إقامة العمران على مقتضى هذه العبودية.
ومن هنا فإن أول خطأ منهجي وقع فيه كثير من الباحثين هو اختزال المشروع الإسلامي في قضية الوصول إلى السلطة، بينما السلطة في التصور الإسلامي ليست إلا وسيلة من وسائل إقامة الدين وتحقيق مصالح العباد، وليست غاية مستقلة. فالقرآن الكريم عندما تحدث عن التمكين لم يجعله هدفًا في ذاته، وإنما ربطه بوظائف محددة، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]. فالتمكين هنا ليس امتلاك أدوات القوة مجردة، وإنما توظيفها لتحقيق مقاصد الشريعة وإصلاح الإنسان والمجتمع.
ولهذا فإن المشروع الإسلامي -في جوهره- مشروع إصلاح قبل أن يكون مشروع حكم، ومشروع بناء قبل أن يكون مشروع صراع، ومشروع هداية قبل أن يكون مشروع سيادة. وقد لخَّص النبي ﷺ هذا المقصد حين قال: “إنما بُعثتُ لأتمم صالح الأخلاق”1.
فإقامة الدين تبدأ بإقامة الإنسان، لأن الحضارات لا تُبنى بالنظم وحدها، وإنما تبنى بالرجال الذين يحملون هذه النظم.
إن الإسلام لا يعرف الفصل بين إصلاح الفرد وإصلاح المجتمع، ولا بين العبادة والعمران، ولا بين الأخلاق والسياسة. ولهذا جاءت رسالة الإسلام شاملة لجميع دوائر الحياة. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]. فالمشروع الإسلامي ليس مشروع مسجد فقط، ولا مشروع دولة فقط، وإنما مشروع أمة. ولذلك نجد أن القرآن حين تحدث عن الاستخلاف لم يربطه بطقوس تعبدية مجردة، وإنما ربطه بالإيمان والعمل الصالح. قال سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55]. فالعمل الصالح هنا يشمل كل ما يصلح به أمر الدين والدنيا.
ولهذا فإن الحضارة الإسلامية الأولى لم تقم على الفقه وحده، ولا على السياسة وحدها، وإنما قامت على منظومة متكاملة أنتجت العلماء والقادة والتجار والقضاة والمهندسين والأطباء، في إطار مرجعية واحدة. ومن هنا يصبح من الخطأ اختزال المشروع الإسلامي في الجانب السياسي وحده؛ لأن السياسة ليست إلا جزءًا من البناء الحضاري، وليست البناء كله.
– بين المثال الشرعي والواقع البشري
غير أن ثمة قضية بالغة الأهمية، كثيرًا ما غابت عن بعض الخطابات الإسلامية، وهي أن الإسلام قدَّم المثال الأعلى الذي ينبغي السعي إليه، لكنه في الوقت نفسه قرر أن الواقع الإنساني لن يبلغ الكمال. فالقرآن لم يعد المؤمنين بمجتمع لا خطأ فيه، ولا بدولة لا فساد فيها، ولا بقيادة لا تقع في الاجتهاد الخاطئ. بل إن القرآن نفسه قصَّ علينا أخطاء بعض المؤمنين في غزوة أحد، وأخطاء بعض الصحابة في مواقف متعددة، ليقرر أن العصمة للوحي وحده. قال تعالى بعد غزوة أحد: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165].
فهذه الآية تقرر قاعدة عظيمة، وهي أن المشروع الحق قد يتعرض للهزيمة إذا أخطأ أهله في تنزيله على الواقع. ولم يكن ذلك طعنًا في المنهج، وإنما تنبيهًا إلى أن السنن الإلهية لا تحابي أحدًا.
وهذه قاعدة ينبغي أن تستحضرها كل حركة إصلاحية؛ لأن مجرد سلامة النية لا تكفي لتحقيق النتائج، كما أن عدالة القضية لا تغني عن حسن الإدارة، ولا عن الإعداد العلمي والسياسي والاقتصادي والعسكري وغيرها من أدوات الحكم..
وللحديث بقية في العدد القادم إن شاء الله تعالى.





