
سجون مصر وثورة تونس
أغسطس 2, 2026بقلم: محمد إلهامي (رئيس التحرير) – عضو الأمانة العامة لهيئة أنصار النبي ﷺ
لم يجتمع على الأمة في تاريخها تحالفٌ من الأعداء ومن المنافقين كما هو حاصل في هذا الزمان، فلا تدري أيهما يكون الوصف الأكثر دقة، أن تقول: لبس العدو جلدنا واتخذ لساننا، أم أن تقول: دخل في بعضنا روح العدو وعقله، فهما واحدٌ في النفس والعقل والروح والشعور، وإن اختلف منهم اللون واللسان!
نحن تحت حكم أنظمة تبدو أنها منا، ولكنها العدو كله، لقد كانت هذه الأنظمة حاضرة دائما كممثل للغرب وحارس لمصالحه، منذ محمد علي باشا في مصر، وهي التجربة التي جرى تعميمها بعد الحرب العالمية الأولى في العالم العربي حتى صار عسيرا أن يُشار إلى نظام محلي باعتباره إفرازًا طبيعيًّا لمجتمعه أو تعبيرا حقيقيا عن أمته الإسلامية، وقد أسفرت النتائج خلال هذا القرن الماضي عن أن هذه الأنظمة قامت بدور أكثر كفاءة من الاحتلال المباشر في تحطيم المجتمع الإسلامي وتحديثه، وبكلفة أقل كثيرا من كلفة الاحتلال نفسه.
لقد كثر الكلام مني في هذا حتى ملَّني الناس، فعزمت أن أسكت فلا أتكلم، وأكتفي في هذا المقال بالتقاط بعض المقولات التي قالها هذا التحالف نفسه، وثقتها من كتبهم وتقاريرهم برقم الطبعة والصفحة، كي لا يكون عليَّ حرج، وليهلك من هلك عن بينة!.. وما أنقله هنا ليس إلا شذرات مختارة، وأما التفرغ لجمع هذا فيملأ مجلدات عديدة!
خذ هذه في باب دعم الغربيين لأنظمة الحكم المحلية العلمانية الطغيانية وتقويتها، وكيف أنه صار سياسة ثابتة:
- قال هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي وأحد أبرز الشخصيات السياسية الأمريكية، في مذكراته، عن وقوف الأمريكان وتهديدهم بالتدخل العسكري لإبقاء نظام الملك حسين في الأردن أثناء أحداث أيلول الأسود: “دورنا الأكثر جدوى يقوم على سرعة إرسال قواتنا إلى البحر المتوسط وبشكل قوي والقيام بمساندة قوية للملك. أرسلت توجيهات للوزارات، طالبتها إعداد مخططات عسكرية ودبلوماسية مفصلة للتمكن من مواجهة الأمور المتوقع حدوثها وهي تزويد القوات الأردنية بالعتاد، الهجوم الجوي أو البري الأمريكي لمساندة حسين، أو الموافقة الأمريكية على هجوم إسرائيلي جوي أو أرضي لمساندته”.
- ويقول نتنياهو في مذكراته: “تقابلنا للمرة الأولى، لقد أكدت له (الملك حسين) أن بقاء المملكة الأردنية الهاشمية بمثابة مصلحة حيوية لإسرائيل، ولو اقتضى الأمر، فسننزل بجيوشنا للحيلولة دون سقوطها”.
- ولا نعدم أن نجد مثل هذا الاعتراف في مذكرات القادة العرب أنفسهم، فهذا الملك حسين بن طلال ملك الأردن، يورد في مذكراته “مهنتي كملك” أنه في العديد من المواقف طلب المعونة الأمريكية والإنجليزية لتثبيت نظامه، ولم يبخلوا عليه بها، يقول: “لم ينسنا الإنجليز والأمريكان، فقد دعمونا ليس بالكلام وبالتصويت في الأمم المتحدة فحسب، بل بعثوا إلينا بالأسلحة والمعدات، فوصلت بكميات جسيمة إلى مينائنا في العقبة”.
ولأن القوم أهل زخرفة للقول وتلبيس وتدليس، فهم يُلبسون هذه المعاني الخيانية ألفاظا من نوعية دعم الأمن والاستقرار، مكافحة التطرف والإرهاب، تأمين المصالح الحيوية، ولا يقصدون بهذا كله إلا أمنهم هم ومصالحهم هم ومكافحة من يهدد نفوذهم، حتى لقد استقر في بيئة العلوم السياسية مصطلح “الدولة الفاشلة”، وهو في حقيقته يعني: الدولة الفاشلة في السيطرة على شعبها، وهي من ثم فاشلة في حماية المصالح الأجنبية! وخذ بعض أمثلة:
- قالت كونداليزا رايس التي شغلت منصبي مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية الأمريكية: “الدول الضعيفة والفاشلة تشكل تهديدا أمنيا خطيرا على الولايات المتحدة. فهي لا تستطيع السيطرة على حدودها، وقد تصبح الملاذ الآمن للإرهابيين، لذلك فإن إعادة بنائها يشكل مهمة ضخمة وهامة في آن”.
- يذكر هنري كيسنجر أيضا في كتابه “النظام العالمي” أنه “عندما لا تكون الدول محكومة بكليتها، يبدأ النظام الدولي أو الإقليمي نفسه بالتفكك. فضاءات خالية موحية باللا قانون تطغى على أجزاء من الخريطة. من شأن انهيار أي دولة أن تقلب أرضها إلى قاعدة للإرهاب”.
- وفي نهاية مذكراته، يتحدث الدبلوماسي الأمريكي الشهير، زلماي خليل زاده، عما يجب أن تكون عليه سياسة الأمريكان فيقول: “تشكل مشاكل الصراعات الإقليمية والنزاعات الطائفية وانهيار نظام الدولة في الشرق الأوسط أكبر التحديات الراهنة وأكثرها صعوبة، وأعتقد أن الحلول الجوهرية تتمثل في الترويج لميزان القوة الإقليمي وتقوية الدول المعتدلة والتقدمية… يتعين أن تكون الخطوة الأولى في هذا المضمار هي تقوية أصدقائنا وشركائنا في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى… تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى الاستمرار في جهودها الهادفة إلى محاربة الإرهاب. ولكن يتعين عليها التركيز أكثر على تعبئة القوى المحلية التي تقاوم الإرهاب والتطرف”.
كذلك يتضخم الحديث عن دور الأنظمة المحلية في تقارير الحالة الأمنية وتقارير مكافحة التمرد، والتمرد هنا هو التمرد الإسلامي طالما كانت البيئة المقصودة هي المجتمعات المسلمة، ومن أمثلة ذلك:
- جاء في دليل الحكومة الأمريكية لمكافحة التمرد: “خبرات مكافحة التمرد الأمريكية تستند على عدد من الافتراضات: منها أن الجهود الحاسمة لهزيمة التمرد نادرا ما تكون عسكرية (على الرغم من أن الأمن هو الشرط الأساسي للنجاح). لذا فإن الجهود الأمريكية يجب أن توجه إلى إنشاء هياكل حكومية محلية ووطنية تخدم السكان، لتحل تلك الهياكل بمرور الوقت محل الجهود التي يبذلها الشركاء الأجانب”، “إذا قررت حكومة الولايات المتحدة أن تشارك في مكافحة تمرد معين، فيجب على صانعي السياسات أن يسعوا إلى تحقيق توازن دقيق يستخدم أكثر أشكال التدخل ملاءمة بحيث يبدو أكثر هدوءا وأقل فجاجة وتطفلا، فضلا عن امتلاكه لاحتمالية كبيرة لتحقيق التأثير المطلوب. لابد من الحفاظ على سيادة الحكومة المتضررة، فزيادة التدخل إلى درجة عالية جدا قد تؤدي إلى نتائج عكسية (تاريخيا كانت بعض التدخلات الأمريكية الأكثر نجاحا هي التدخلات غير المباشرة والبسيطة). وبمجرد أن تلتزم الولايات المتحدة بالمساعدة، لابد من وضع استراتيجية لمكافحة التمرد من خلال أفضل أشكال التعاون مع الحكومة المتضررة وشركاء التحالف الآخرين، نظرا لأن إدماجهم المبكر يمكن أن يساعد في التخفيف من آثار الاختلافات على المستوى العملياتي في الأهداف والقدرات والثقافة”.
- وجاء في دليل الميدان للجيش الأمريكي لمكافحة التمرد: “في عمليات مكافحة التمرد تعمل القوات الأمريكية عادة مع قوات الأمن التابعة للسكان المحليين أو التابعة للدولة المضيفة… تجلب العديد من القوات العسكرية التابعة لدول أخرى الخلفيات الثقافية والخبرات التاريخية وغيرها من الإمكانيات التي يمكن أن تكون ذات أهمية خاصة لجهود مكافحة التمرد”، “نادرا ما تكون لدى وكالات الحكومة الأمريكية والمنظمات الدولية الموارد والإمكانيات اللازمة لأداء جميع مهام مكافحة التمرد، فالنجاح يحتاج إلى قادة متأقلمين على استعداد لأداء المهام المطلوبة بالموارد المتاحة عندهم، ويفهم هؤلاء القادة أن الأمن طويل المدى لا يمكن فرضه بالقوة العسكرية وحدها، فهو يتطلب التطبيق المتكامل والمتوازن للجهد من قبل جميع الشركاء بهدف دعم السكان المحليين وتحقيق الشرعية لحكومة الدولة المضيفة”، “المفتاح لإنجاز كل هذه المهام يتمثل في تطوير قوة أمن فعالة بالدولة المضيفة، وفي بعض الحالات قد تشترك القوات الأمريكية بفاعلية في قتال المتمردين، بينما تساعد في الوقت نفسه الدولة المضيفة على بناء قواتها الأمنية”.
- وجاء في دليل المخابرات المركزية الأمريكية لتحليل التمرد: “يمكن لمكافحة التمرد أن تستفيد من استخدام القوات المحلية الخاضعة لإشرافها، مثل الميليشيات، من أجل تعزيز القوات الحكومية، وبالأخص للجمع بين الاستخبارات وتوفير الدفاع الثابت. يجب أن تسلم القيادة الأجنبية لمكافحة التمرد مسؤولياتها في نهاية المطاف إلى القوات الوطنية”.
وتشير العديد من المصادر الأمنية الغربية إلى أن الأنظمة العربية قد بلغت أحيانا أن تكون هي الأستاذ الذي يتعلم منه الغربيون أساليب مكافحة “الإرهاب”، ومن ذلك ما كشف عنه هنري كرامبتون، من أبرز مسؤولي مكافحة الإرهاب الأمريكان، في كتابه “فن التجسس”، حيث يذكر أنه بعد أن جمع فريقا من الاختصاصيين ضم علماء نفس ومحللين ومجندين اكتشف أنه لا زال ينقصهم شيء، يقول: “احتجنا إلى خبرة أوسع وتجربة أكبر، وطلبت من جهاز عربي حليف أن يرسل لنا مدربا. امتعض بعضُ من في الجهاز الخفي بما يعكس غرورا في غير مكانه بالنسبة إلى قدراتنا الذاتية. وحاججتُ بأننا دربنا أجهزة ارتباط في كل أنحاء العالم، فلماذا لا نستفيد من بعض من دربناهم؟ تكرَّم حليفنا العربي علينا بالموافقة وأوفد واحدا من أكثر ضباط مكافحة الإرهاب خبرة لديه لتعليمنا ومساعدتنا في تطوير منهاجنا”.
وهذا فضلا عما صار معروفا ومؤكدا من أن الأنظمة العربية قامت بدور تعذيب المتهمين لحساب الأجهزة الأمنية الغربية، لا سيما أجهزة الأمن في مصر والأردن وسوريا والمغرب.
هل نحتاج الآن لنسأل أو نستغرب كيف أمسى هذا حالنا في بلادنا؟!





