
تحقيق يكشف قدرة روبوتات الذكاء الاصطناعي على إزالة الحجاب من صور النساء المسلمات
أكتوبر 3, 2026
آلاف المتظاهرين يحتجون في فيينا رفضاً لحظر الحجاب للفتيات المسلمات
أكتوبر 3, 2026بقلم: معتصم العمور – كاتب وباحث سوري
في شبابي كان حديث الساعة في الأخبار: حصار العراق، وبرنامج الأمم المتحدة “النفط مقابل الغذاء”، والذي مات بسببه الكثير من الأطفال والمرضى. سُئلت مادلين أولبرايت وزيرة خارجية الولايات المتحدة في مقابلة تلفزيونية عن ذلك عام ١٩٩٦م: “مات في (حصار) العراق نصف مليون طفل وهذا أكثر ممن مات في قنبلة هيروشيما، هل دفع هذا الثمن كان مبررًا؟” فأجابت وبكل برود: “نعم أعتقد أنه كان مبررًا”.
وبعد سبعة أكتوبر من عام ٢٠٢٣م سمعنا قادة الكيان يهددون علناً بفعل الأفاعيل في غزة من الأيام الأولى؛ مثل سفيرهم في بريطانيا الذي صرّح أن مصير غزة سيشبه مصير مدينة دريزدن الألمانية. ولسان حاله يقول: كما دمرتم أيها البريطانيون أنتم والأمريكان مدينة دريزدن وحرقتموها وقتلتم خمسة وعشرين ألف مدني من سكانها في حربكم ضد النازية، فلا تلومونا إذا فعلنا ما فعلتم.
ورغم أن أقوالهم وأفعلهم تؤكد نيتهم بإحداث تطهير عرقي وكل ذلك ببث مباشر يراه العالم في مخالفة صريحة لعشرات القوانين الدولية، لكن لم يستطع أو لم يرد القانون الدولي فعل شيء.
في حالة العراق كان القانون الدولي جائراً وفي حالة غزة كان نائماً والعامل المشترك واحد هو: أن القانون الدولي أداة في خدمة القوي لا لنصرة الضعيف وهو بالتأكيد ليس لإحقاق الحق.
في هذا المقال أجادل أن القانون الدولي لم يكن يوماً لنصرة الحق وهذا ليس بخطأ مطبعي يمكن تصويبه، بل هو أمر متأصل فيه. وحجتي في ذلك هو تاريخ نشأة القانون الدولي وقصة أبيه الهولندي هوغو غروتشس (Hugo Grotius توفي ١٦٤٥م) والتي أريد أن أقصها عليك عزيزي وأترك لك تقييم إن كان ذلك القانون من المعروف الذي يؤخذ به.
في عام ١٤٥٢م أرسل إمبراطور الروم (بيزنطة) رسالة يستنجد البابا لمساعدته لأن السلطان العثماني محمد الذي سيعرف لاحقًا بالفاتح قد أطبق الخناق على القسطنطينية. يرسل البابا يستنجد بملوك أوروبا في فرنسا وانكلترا وقشتالة (اسبانيا) والبرتغال. يعتذر ملكا بريطانيا وفرنسا لأن حرب المائة عام بينهما لمّا تنتهِ بعد. أما ملك قشتالة، فيرى محاربة مسلمي غرناطة مقدماً على محاربة مسلمي بني عثمان. وأما ملك البرتغال فيقول بما أن الهدف هو قتال المسلمين، سأقاتلهم في أفريقيا فهي أقرب لي، لكن يطلب من البابا أن يكتب له أفريقيا كي لا ينازعه الإسبان عليها. فكتب البابا نيكولاس الخامس مرسوماً بابوياً عام ١٤٥٢م أعطى ملك البرتغال احتكار أفريقيا، ومما جاء في المرسوم: “نمنحكم… الإذن الكامل بغزو وتفتيش وأسر وإخضاع المسلمين والوثنيين وغير المؤمنين أعداء المسيح أينما كانوا، وكذلك ممالكهم وإماراتهم وممتلكاتهم الأخرى… وتحويلهم إلى عبيد إلى الأبد”.
وفي عام ١٤٥٥م يصدر البابا مرسوماً آخر بجعل كل ما سيصل له البرتغالي في رحلاته الاستكشافية بناسها وأرضها حكراً خاصاً لملك البرتغال (سيشمل هذا آسيا حيث ستصل سفن البرتغاليين المحيط الهندي عام ١٤٨٨م). البابا في أوروبا هو الموقع عن الله، لذلك كان ما يعطيه هو بمثابة القانون الدولي الذي يسري على كل أهل الأرض، سواء وافق سكان الأرض على ذلك أم لم يوافقوا.
وعندما وصل كولومبوس لأمريكا عام ١٤٩٢م ظاناً أنه وصل لآسيا غضب ملك البرتغال، لأن البابا أعطاه آسيا لتكون له، فطالب الإسبان بالانسحاب كما طلب من البابا التدخل إحقاقاً للقانون الدولي. البابا لا يريد إغضاب إسبانيا التي أقرّت عينه بالاستيلاء على الأندلس، ولا يريد إغضاب البرتغال التي تُبلي بلاءً حسناً ضد مسلمي المغرب وأفريقيا. فأصدر مرسوماً عام ١٤٩٣م أعطى إسبانيا نفس حقوق الاحتكار التي أعطاها للبرتغال لكن في القسم الغربي من العالم. وهكذا يكون القانون الدولي عادلاً بحيث يقسّم معظم العالم بالتساوي بين البرتغال والإسبان يحتكرونه كيفما يشاؤون لحسن بلائهم ضد المسلمين.
رغم أن ملك البرتغال حاز نصف العالم لكنه رأى أن هذه القسمة ضيزى لأنه سيخرج خالي الوفاض من أمريكا، فتفاوض مع الإسبان، فتوصلوا في معاهدة توردسيلاس من عام ١٤٩٤م لاتفاق أعطى البرتغال موطئ قدم في أمريكا، والتي ستصبح فيما بعد البرازيل، كما هو موضح في الخارطة. وهكذا أصبح كل ما يحوزه البرتغالي والإسباني في آسيا وأفريقيا وأمريكا من أرض وخيرات وبشر من حقهما وبالقانون.

لكن مارتن لوثر الذي خرج عام ١٥١٧م بدعوته سيسبب أزمة للقانون الدولي. حيث رفض سلطة البابا، بل اعتبره المسيح الدجال (Antichrist) ورأى أن الكنيسة الكاثوليكية يسيطر عليها الشيطان. وخلال القرن السادس عشر ستتشكل في أوروبا دول بروتستانتية عديدة كهولندا وانكلترا، وهذه الدول لن تعترف بسلطان البابا ولا قوانينه. أو بمعنى آخر القانون الدولي تعطل ليس لأن الصين أو العثمانيين أو سكان أمريكا الأصليين اعترضوا، بل لأن الأوروبيين اختلفوا. لكن على الساحة الدولية لم يتغير شيء في القرن السادس عشر، البرتغال هي القوة الأوروبية الفاعلة في آسيا وأفريقيا، وإسبانيا هي القوة الفاعلة في أمريكا.
هذا سيتغير في القرن السابع عشر، حيث ستبدأ السفن الهولندية التابعة لشركة الهند الشرقية الهولندية بالدخول للمحيط الهندي، وسرعان ما ستشتبك مع السفن البرتغالية. وفي عام ١٦٠٣م وقرب سواحل سنغافورة استطاعت الشركة الهولندية الاستيلاء على سفينة تجارية برتغالية ثمينة جدًا تحوي النفائس من بورسلان وحرير وكميات كبيرة من المسك. بيعت حمولة السفينة في أمستردام بمبلغ قدره ٤٠٠٠ كغ ذهب (أكثر من نصف مليار دولار بسعر اليوم). كان هذا مكسباً كبيراً لهولندا وللشركة ومستثمريها وضربة قاصمة للبرتغال. لم تسكت البرتغال وطالبت بإرجاع السفينة وحمولتها لأن المصادرة غير قانونية حيث تمت على البحار البرتغالية (آمنت البرتغال إيماناً واحتساباً أن شواطئ سنغافورة هي ملك لها)! الهولنديون بداية لم يكترثوا، لكن كما هو الحال اليوم، وضعك على الساحة الدولية يكون أفضل إذا كان القانون معك. فبحثوا عمن يفتي لهم فأوكلوا المهمة لهوغو غروتشس محامي الشركة وهو من العقول النيرة الهولندية دخل الجامعة في عمر ١١ عاما، وبرع في القانون والسياسة واللاهوت.
بما أن الدين لم يعد يشكل عاملاً يجتمع عليه الكاثوليك والبروتستانت، وحتى البروتستانتيون صاروا مذاهب، لذلك كان لا بد من معيار آخر للقانون غير الدين يجمع عليه الجميع، فوجدوه فيما يسمى القانون الطبيعي. وهذا القانون أخذه الأوروبيون من الرومان. الفيلسوف الروماني شيشرون (توفي ٤٣ ق.م.) يقول إن هناك قانونا في الطبيعة نعرفه بالعقل وهو نفسه في روما كما في أثينا ولكل الأمم ولكل الأزمنة ومؤلف هذا القانون هو الله، ووظيفة المشرّع هي استخراج تلك القوانين (ليس الله كما تعرفه الديانات الموحدة، فشيشرون والرومان كانوا وثنيين. الله هنا هو ديوس Deus الذي وصل له بعض الفلاسفة اليونان من كونه مسبب كل الأسباب).
ثم جاء في القرن الثالث عشر واحد من كبار رجال الكنيسة الكاثوليكية واسمه توماس الأكويني الذي اطلع على فلسفة ابن رشد وكان لها تأثير كبير على أفكاره. حدد الإكويني خمسة ميول طبيعية للإنسان، الميل للخير والميل لحفظ النفس، والميل للجنس الآخر وإنجاب الذرية، والميل للحق، والميل للعيش مع الناس. وبناءً على تلك الميول تُبنى القوانين الطبيعية وحينها لا تكون قوانين قهرية، بل قوانين منسجمة مع طبيعتنا، لذلك يقول الإكويني إنّ أي قانون وضعه الإنسان لا يكون عادلًا إلا إذا انسجم مع القانون الطبيعي وأي قانون لا يتوافق معه لا واجب أخلاقياً في الانصياع له، وكل قوانين الله منسجمة مع هذا القانون الطبيعي. إذًا القانون الطبيعي ليس قانونا مكتوبا بالمعنى الحرفي، بل يستنبط بالعقل.
وعلى هذا القانون اعتمد غروتشس حيث قال إن: “الطبيعة هي الأصل الأصيل للقانون”، وبالنسبة له إرادة الله في كتابه هي قانون، لكن الطبيعة خلق الله وتعبير عن إرادته أيضًا. وكأن منطقه يقول أيًا كان مصدر التشريع سواء كانت كلمة الله الموجودة في الكتاب المقدس أم الطبيعة فالأمر سواء لأن كليهما مصدره الله. وهذا تأصيل فلسفي ومخرج عقلي لوضع القوانين بعيدًا عن كلام الله وجعل التشريع أمراً خاصاً بالإنسان الذي يستخدم عقله لاستخلاص القوانين من الطبيعة التي هي خلق الله، وهكذا يمكن للمسيحيين أن يتفقوا على قوانين دون الرجوع للدين الذي هم حوله مختلفون.
يا غروتشس أخرج لنا فتوى قانونية باستخدام عقلك وبالاعتماد على القانون الطبيعي بحيث تجعل لرب عملك “الشركة الهولندية” الشرعية في مصادرة السفينة البرتغالية. يقول: “لكل أمة الحق في أن تتاجر مع أي أمة أخرى”. ثم يشبه البحار بالهواء الذي نتنفسه فيقول: “الهواء غير قابل للاحتلال ويستخدمه كل البشر وكذا البحر مشترك بين الجميع، فلا حدود له بحيث لا يمكن أن يصبح ملكًا لأحد، ولأنه مهيأ لاستخدام الجميع للملاحة أو صيد الأسماك”.
تخيل يا رعاك الله، المسلمون والهنود والصينيون تاجروا لألف عام بحرية في البحار ولم يخطر ببال أحدهم أن يحتكر البحر لنفسه، فقط الأوروبيون بعقليتهم المختلة فعلوا ذلك، ثم جاء غروتشس وقال لهم، لا، البحر لا يملكه أحد ويمكن للجميع أن يتاجر فيه، وكأنه اكتشف شيئًا جديدًا! الشيء الوحيد الذي فعله هو أنه حل مشكلة صنعها الأوروبيون لأنفسهم.
ولأن الأعمال بالنيات، فالنية لم تكن إحقاق الحق، بل مخرجاً للشركة وهولندا للتجارة في آسيا ووسيلة قانونية تبرر الاستيلاء على السفينة الثمينة. ورغم ذلك احتُفي به في أوروبا خاصة في الدول البروتستانتية لأنه نزع الشرعية القانونية لاحتكار الإسبان والبرتغال للبحار، ولأجل ذلك تعد الموسوعة البريطانية غروتشس أباً للقانون الدولي. أو بمعنى آخر حرية الملاحة البحرية في القانون الدولي أصلها أن البروتستانتيين الهولنديين ومن بعدهم الإنكليز يريدون استعمار العالم كما يفعل البرتغال والإسبان الكاثوليك!
ألا يحق لنا كمسلمين أن نتساءل ما لنا وللبابا وتقسيمه العالم تبعاً لمن يُقتّل أكثر من المسلمين؟ وما لنا ومال الصراع الكاثوليكي والبروتستانتي واختلافاتهم الدينية؟ وإذا كان البديل الذي لجؤوا إليه بعد عدم قدرتهم على إيجاد مرجعية هو القانون الطبيعي ذو الخلفية الرومانية والكنسية، فلماذا يكون هذا ملزماً للمسلمين؟ وإذا اعتمد محامي شركة استعمارية أوروبية على قانون وُلِد ضمن سياق أوروبي ولتحقيق مصالح جهات نافذة في أوروبا ولم يكن القصد منه أبداً جلب العدالة للعالم، فبأي حق يصبح ذاك القانون دولياً؟
حتى القرن السادس عشر كانت معظم مدن المحيط الهندي التجارية في أفريقيا والهند وإندونيسيا وماليزيا والفلبين.. تُحكم بالإسلام، وحتى مدن الصين التجارية كان بها تجمعات كبيرة للمسلمين. طوال ألف عام حافظت الشريعة على بحار مفتوحة وعدالة تجارية وسلام، أصبح معه المحيط الهندي أكبر منطقة تجارية حرة في العالم. وبمقارنة موضوعية كانت الشريعة أكثر كفاءة وفاعلية بتحقيق السلام والعدالة وتنشيط التجارة في مجال جغرافي واسع يشمل الكثير من الأعراق والأديان من قانون الأوروبيين الدولي.
هذه باختصار قصة نشأة القانون الدولي، فما رأيك عزيزي، أَمعروفٌ يُتّبع؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(اعتمد هذا المقال على كتاب “كيف تقدم الغرب ولماذا لم يسلك المسلمون ذلك الدرب”. معتصم العمور. دار المعارف الشنقيطية. ٢٠٢٦)





