
العدد الواحد والخمسون
أغسطس 1, 2026
ها أنذا أسكت، فاسمعوا من كلامهم!
أغسطس 2, 2026بقلم: د. محمد الصغير – رئيس هيئة أنصار النبي ﷺ
شهد هذا الصيف زيادة في درجات الحرارة، نتج عنها مئات من حالات الوفاة في أوروبا، وأصبحت وسائل التكييف والتهوية غير مجدية في تلطيف الجو وتخفيف موجات الحر، ودائما ما تنقلني هذه الحالة إلا حال المقابر الخرسانية في أقبية السجون المصرية، وذلك لأني نزيل سابق وشاهد عيان.
فأذكر في عام 1995 عندما كنت في زنزانة 24 في الدور الرابع في سجن استقبال طرة، والدور الأخير حظه من وهج الشمس أوفر، كان من المعتقلين من يتسلق حائط الزنزانة ليصل إلى الفتحة التي أسفل السقف، ليسترق نسمة هواء عابرة، وبعضهم يتطوع بالتهوية بالمنشفة لإخوانه !
وخرجنا ذات يوم إلى جلسة المحاكمة، ومرّت بنا سيارة الترحيلات على سجن العقرب “شديد الحراسة” لأخذ أحد المعتقلين، وكنا قبل الثامنة صباحا فخرج للسيارة وثيابه مبللة من العرق. فعلمنا أننا في عافية بالمقارنة مع حاله !
انتشرت هذه الأيام حملة إعلامية يقودها حقوقيون وإعلاميون تحت شعار #عايز_اتنفس تعبيراً عن حالة التضييق التي يعاني منها المعتقلون، حيث الحبس الانفرادي ومنع الزيارة والتريض، وانعدام الرعاية الصحية، حتى أصبح خبر وفاة المعتقلين أمراً معتاداً ومن الأخبار الثابتة.
والذي يريد أن يرى صورة حية لما عليه السجون العربية، من العزل التام عن كل مظاهر الحياة، فليستمع إلى برنامج “شاهد على العصر” مع أحمد المرزوقي، وما حدث لهم في سجن “تزمامارت” الرهيب في وسط صحراء المغرب، أو يستدعي الصور والمقاطع الحديثة للمعتقلين في سجن “صيدنايا”، وكيف كان الأطفال في الزنازين مع أمهاتهم. وتيقنوا أن صورة صيدنايا ليست حالة خاصة بسوريا، وإنما متكررة في أغلب البلاد العربية.
والصورة الآن في سجون مصر، خرجت عن إطار الاعتقال إلى الخطف والإخفاء القسري، لاسيما بعد انتهاء مدة محكومية بعض الرموز، مثل: د. عبد المنعم أبو الفتوح، والشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل، والسوابق تقول إنه في مثل هذه الحالة فإنهم يخترعون لهم تهماً جديدة، ويسعون إلى “تدويرهم” فيها.
شدة القسوة في التعامل مع المعتقلين، وعدم توفر الغذاء أو الدواء، جعلت المطالبة تأتي في أدنى صورها، فانحسرت المطالبة بدلاً من شَربة الماء إلى البحث عن نسمة هواء، ورأينا الأمر ذاته في تونس، حيث جاءت الأخبار بأن الأستاذ راشد الغنوشي تعرض للإغماء نظراً لشدة الحر، وذلك بعد أن تجدد حبسه في واقعة مضحكة مبكية، حيث أصدرت محكمة الاستئناف في تونس حُكماً بالسجن 3 سنوات على رئيس حركة النهضة والرئيس السابق للبرلمان، في قضية تتعلق بحصوله على “الجائزة الدولية لنشر المبادئ الغاندية للسلام والتسامح” وتبرعه بقيمتها للهلال الأحمر التونسي.
هذا العبث بحرية الناس وممارسة القتل البطيء عليهم، يجعل فضح هذه الممارسات من آكد الواجبات، وإيصال أصوات المظلومين هي أقل ما يُقدم لمن فقدوا حريتهم، وهم ينشدون الحرية لأوطانهم التي تحولت تحت وطأة المستبدين إلى سجن كبير، تخنقه أسوار الفقر، وأسلاك المرض وكلاليب العِوز.
وتضاعفت الأزمة على أسر المعتقلين الذين فقدوا العائل، وانتقلت مسؤولياته إلى أسرته، التي أصبحت هي الآن في مأزق الإنفاق عليه ورعايته، لذا فهم أولى الناس بالعناية والرعاية، وتقديم كل وسائل العون لهم من كرائم الأموال، ويقدمون على غيرهم من أصناف المستحقين للزكاة.
وخلال هذه الأزمات الخانقة رأينا الشعب التونسي يخرج إلى الشارع من جديد، مطالباً بإسقاط النظام الذي أفقر البلاد والعباد، واعتمد على منظومة الفساد والاستبداد، وأصبح شعار التوانسة: “جاك الدور يا دكتاتور”..
فهل تفعلها تونس ثانية، وتتصدر الجولة الثانية من الربيع العربي وتحتفظ بشرف الأولية؟
نسأل الله أن يكشف الغمة عن الأمة، ويفرج كرب المعتقلين.





