
وما هو بالهزل
مارس 4, 2026
النبي القائد ﷺ
مارس 5, 2026بقلم: د. حسين عبد العال – رئيس هيئة أمة واحدة
تهانينا لعموم المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، لشهودهم شهر الخير والبر والبركة والرحمة، شهر القرآن العظيم، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: 185].
هَلَّ علينا شهر رمضان هذا العام 1447هـ باختلاف كبير بين البلدان في بداية صومه، و يا للأسف، فمع فرحتنا بقدوم شهر رمضان المبارك، أحزننا عدم اجتماع كلمة المسلمين بتوحيد مطلع الشهر الكريم مع سهولة ذلك ويسره في زمننا هذا، وكم نتمنى أن يرزقنا الله تعالى الوحدة الإسلامية الحقيقية، بجميع مظاهرها من وحدة الصيام وغيره.
وقد مضى من رمضان الكثير وأوشكنا أن نودع رمضان، وصدق ربنا حين قال: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184]، وها هي قد أقبلت العشر الأواخر علينا بخيرها وعظيم فضلها، وما أحوجنا إلى اغتنامها، ومعرفة قدرها.
رسول الله ﷺ في العشر الأواخر
كان النبي ﷺ وهو القدوة والأسوة، وهو الذي يعرف قدر الزمان والمكان، فقد كان يعرف قدر العشر الأواخر من رمضان حق معرفتها، ويعرف أنها ذات فضل عظيم على الفرد وعلى المجتمع، ويعلم أنها خير ليالي العام، لذلك كان يحرض على اعتكافها كاملة في المسجد لا يخرج إلا للضرورة، وكان يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها-قَالَتْ: “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ”.
وعنها أيضًا -رضي الله عنها- قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ.
فانظر لقولها “أحيا ليله”، وكأنه كان يحيي الليل كله، وكذلك “أيقظ أهله”، فكان يهتم بأهله ويدعوهم لإحياء هذه الليالي المباركة.
وانظر لقولها: “يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره”، مما يبين حرصه ﷺ على اغتنام كل ثانية في الأيام العشر، ورغم اجتهاده الدائم في العبادة، إلا أنه يضاعف الاجتهاد في الأيام العشر رجاء ثوابها واغتنام أجرها.
سُنة الاعتكاف
الاعتكاف في المسجد سنة نبوية مؤكدة عنه ﷺ، فقد كان يعتكف كل عام في العشر الأواخر من رمضان، وفي العام الذي تُوفي فيه ﷺ اعتكف العشرين الآخرة.
عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ “كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ”.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: “كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانٍ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا”.
والاعتكاف هو الانقطاع في المسجد، بأن يضرب المرء له خباءً في المسجد يجلس فيه، ويكون هذا أكثر عونًا له على ذكر الله تعالى، وعلى الاجتهاد في العبادة، وقد تحدث العلماء كثيرًا في تحديد الاعتكاف، وفضله، وتأكيد سنيته، ومتى يبدأ، وجواز الخروج منه وعدم الجواز، وذلك كله مبسوط في كتب الفقه، عند جميع الأئمة، يقول الإمام ابن قدامة -رحمه الله-: “مسألة: قال أبو القاسم رحمه الله: “والاعتكاف سُنة، إلا أن يكون نذرًا، فيلزم الوفاء به” لا خلاف في هذه الجملة بحمد الله. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف سُنة لا يجب على الناس فرضاً، إلا أن يوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذراً، فيجب عليه. ومما يدل على أنه سنة، فعل النبي ﷺ ومداومته عليه، تقرباً إلى الله تعالى، وطلبا لثوابه، واعتكاف أزواجه معه وبعده، ويدل على أنه غير واجب أن أصحابه لم يعتكفوا، ولا أمرهم النبي ﷺ به إلا من أراده. وقال عليه السلام: “من أراد أن يعتكف، فليعتكف العشر الأواخر”. ولو كان واجباً لما علقه بالإرادة. وأما إذا نذره، فيلزمه؛ لقول النبي ﷺ: “من نذر أن يطيع الله فليطعه”. رواه البخاري. وعن عمر، أنه قال: “يا رسول الله، إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. فقال النبي ﷺ: “أوف بنذرك”. رواه البخاري، ومسلم.
فصل: وإن نوى اعتكاف مدة لم تلزمه، فإن شرع فيها فله إتمامها، وله الخروج منها متى شاء. وبهذا قال الشافعي. وقال مالك: تلزمه بالنية مع الدخول فيه، فإن قطعه لزمه قضاؤه. وقال ابن عبد البر: لا يختلف في ذلك الفقهاء، ويلزمه القضاء عند جميع العلماء. وقال: وإن لم يدخل فيه فالقضاء مستحب”.
وهناك كثير كلام من الفقهاء في مسائل الاعتكاف.
ولأن الاعتكاف سنة مهجورة في زماننا، لذا أحببنا التنبيه عليها، وحث المسلمين على فعلها اقتداء برسول الله ﷺ، واجتهاداً في الطاعات في هذا الشهر الفضيل الكريم.
ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر
هي ليلة عظيمة القدر، بل هي ليلة القدر، ويعظمها ربنا سبحانه بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 2- 5]، والحديث عن ليلة القدر وفضلها لا تكفيه الساعات ولا المجلدات، فهي ليلة السعد لمن يكرمه الله بها، من سعد فيها لا يشقى أبدًا، ولذلك اهتم النبي ﷺ بها وحث المسلمين على تحريها، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: “تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ، مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ”.
معنى هذا أن يجتهد المرء العشر كلها رجاء أن يدرك ليلة القدر، وليس فقط يختار بعض الليالي لأنه يفوته خير عظيم.
متى ليلة القدر عامنا هذا؟
يتحدث كثير من الناس عن ليلة القدر في هذا العام، بل وعن الليالي الوترية ما هي مع اختلاف المسلمين في مطلع الشهر، وهل أحسبها على التاريخ الهجري السعودي أم المصري؟ ومشكلات كبيرة في ذلك، والحق وإن اختلف المسلمون في تحديد أول رمضان فإن الأمر في ليلة القدر سهل ويسير، وذلك أننا قلنا من يريد إدراك ليلة القدر فعليه أن يجتهد العشر كلها، وترها وشفعها، وهل كثير على من يبتغي ليلة القدر أن يجتهد لها عشر ليال، واجتهاد العشر كلها يجعل المرء يقينًا يصيب ليلة القدر أيًا كانت، بل المرء لا يدري متى هي في الليالي الوترية، معنى هذا سيجتهد الليالي الخمس الوترية، فليحرص على الاجتهاد في الخمس الأخرى الزوجية، والتي هي وترية عند غيره، وذلك كله من باب الاحتياط في تحري ليلة القدر، ولذلك كان النبي ﷺ يحثنا على اغتنام العشر كلها.
ولكن لنعلم أن كل من صام على تقويم بلده فالوِتر عنده على ما صام عليه لا غيره، ومسألة لكل بلد رؤيته مسألة ثابتة في الشرع والدين من زمن النبي ﷺ، وإن كنا نتمنى أن يتوحد المسلمون في صومهم على رأي جمهور العلماء، بأنه إذا رُئِيَ الهلال في بلد لزم الصوم على كل بلد يشترك معها في جزء من الليل، وندعو الله أن يوحد أمتنا على الحق المبين وأن يجمع شملها إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أعظم عبادة العشر وليلة القدر
ويتساءل الناس ما أعظم عبادة في العشر؟ والصواب ألا يقال أعظم عبادة في العشر، فالعبادات كلها عظيمة وكل عبادة في وقتها هي أعظم عبادة، وعلى المؤمن أن يراوح بين أنواع العبادات فذلك أنشط لقلبه، فينتقل من قراءة القرآن للصلاة ومنها للذكر وهكذا.
غير أن أعظم عبادة ما وجد المرء فيها قلبه، فحضور القلب هو الأهم مع كل عبادة، فإذا وجدت قلبك في الذكر فداوم حتى تفتر وانتقل لغيرها من العبادات، والمهم ألا تترك كثير لحظات بدون عبادة.
عبادة الدعاء
الدعاء عبادة لله من أجل العبادات، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]، فسمى الله الدعاء عبادة، ففيه الخضوع لله تعالى، والانكسار بين يديه سبحانه، ولذلك ذكره الله تعالى وسط آيات الصوم، لحث الناس على عبادته بالدعاء في هذه الأيام المباركة، ولذلك فهو من أهم العبادات دائمًا، ومن أهمها خاصة في شهر رمضان، وفي العشر الأواخر أكثر، ثم التأكيد عليه في ليلة القدر، فعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: “قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي”.
فها هو ﷺ يحثها على الدعاء، بل والدعاء بجوامع الكلم، وجوامع الدعاء.
تقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.





