
حملة تطعيم تستهدف 928 ألف سوداني ضد الكوليرا
سبتمبر 3, 2026
منهجان في البحث والنتيجة واحدة: هل كان الحاكم المسلم حاكماً مُطْلقاً؟
سبتمبر 3, 2026قرع الطبول (3)
استلاب واستبدال أسلوب حياة الأمة
مؤمن سحنون – كاتب تونسي
برغم المحاولات المتعددة والمتنوعة التي واجهتها الأمة وشعوبها في إطار مسار التدافع مع أعدائها، إلا أن الغرب أدرك أخطر حلقة في هذا المسار والنقطة الفارقة التي يستطيع من خلالها إرساء الهيمنة على المسلمين وعلى ثرواتهم وكل حياتهم، وقد كانت تلك الحلقة كما بيّنا هي تغيير النظم، إعادة ترتيب عالم أفكار المسلمين وإعادة توزيع نشاطاتهم الاجتماعية بتفريغها من أسلوبهم الأصلي وإدخالهم عبر مراحل داخل أسلوب حياة اجتماعي آخر غريب عن وجهتهم الحضارية، أسلوب يضمن بقاء التبعية للغرب واستقرارها، بل والتطبيع معها وتحولها لوضع له شرعية تنفق طاقات المجتمع وتستنزف في سبيل بقائه.
قيمة النموذج أو أسلوب الحياة عند الأمم بعامة
نقصد بأسلوب أو منهج أو نموذج الحياة أنه “هو مجموعة الأسس والقوانين والتشريعات، التي تُنظِّم الجوانب المختلفة لحياة المجتمع الإنساني، الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية، والأحوال الشخصية، والتربوية، والثقافية.. أي: إنّ منهج الحياة ينظم شؤون الناس في كل أمرٍ خاصٍ أو عامٍ من حياتهم1 وإنّ أي منهجٍ يُسَنّ، لا يوضَع إلا لينفَّذ على الناس، ولِيُحمَلوا على تنفيذه، بقوة القانون وسطوة السلطة التي وضعته!
ينبثق بالتالي من هذا المنهج نمط مجتمعي يدير النشاطات الاجتماعية للأفراد والمجموعات، ويوزعها وفق محدداته.
يمكننا أن نستنتج مما سبق أن النموذج هو الحاكم لوجهة أي أمة، هو الذي يحدد رؤيتها للحياة وغايتها منها وأهدافها الكبرى، وهو الذي يؤطر أولويات الناس فيها، بل هو الذي يصنع رغباتهم وانفعالاتهم، والأخطر من كل هذا أنه هو الذي يعطي تعريفاً لهوية ذلك المجتمع الحقيقية في الواقع بحسب طريقة تعامل أفراده وجماعاته ضمن النموذج مع واقعهم.
قيمة نموذج وأسلوب الحياة في الإسلام للأمة
غير أن أسلوب الحياة في الإسلام متجاوز للتعريف أعلاه، فهو لا ينحصر في الإطار القيمي المجرد والذي تنبثق منه الممارسات فقط، بل إنه الجامع للمهام الحيوية والاجتماعية للأفراد والمجتمعات بطريقة تغطي كل نشاطاتهم وحاجياتهم وتغنيهم عن أي استيراد نظمي من الخارج إلا في ما تحتاجه الأمة، ولا يتعارض مع الوجهة الحضارية الخاصة بها.
وإذا كان كل أسلوب حياة اجتماعي عند أي أمة منطلقه القيم المستخلصة من المسار التاريخي والحضاري والمركزيات التي اختارت تلك الأمة إعلاءها، فإنه بالنسبة للمسلمين ينطلق من مركزية الإسلام الذي اختاره الله وشرفهم به، الإسلام بوصفه جوهرًا حضاريًا، إنه الجوهر الذي صنع من المسلمين أمة لها حياتها الاجتماعية الخاصة، وصنع أسلوب الحياة الذي انتظمت جميع نشاطات المسلمين حوله؛ فالحياة الاجتماعية تتمحور حول المنظومة القيمية التي جاء بها الوحي، وينبني عليها بقية النموذج الذي يميز أمة المسلمين على غيرها من الأمم.
إن هذه المركزية هي التي تزود الهوية الفردية والجماعية بالحياة، وتعطيها فاعلية وتجعلها شديدة التأثير في الواقع، وتشحن الفرد بالمعنى والغاية من وجوده، وهي التي تزوده بالدافعية لتحقيق ذلك المعنى كفرد أو كمجتمع في مجريات واقع الحياة، إن حياة المسلمين وفق أسلوبهم الخاص بهم هي التي تحرر إرادتهم وتقيهم من الارتهان الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي لغيرهم، بل والارتهان التقني والصناعي، وهي التي عاش بها المسلمون داخل منظومة اجتماعية منيعة لها شخصيتها الحضارية المميزة بين الأمم.
مراحل استلاب واستبدال أسلوب حياة الأمة
لقد استُلب واستُبدل أسلوب حياة المسلمين ونموذجهم الذاتي خلال مراحل تاريخية، وبتضافر عدة عوامل داخلية وخارجية، حتى استفاقت الشعوب المسلمة ذات يوم لتجد نفسها داخل تقسيمات استعمارية مشيدة الحدود، يحكم كل تقسيم نموذج مستنسخ من الدولة القومية الغربية، أو ما يعرف بـ”الدولة الإله”، فقد استلب أسلوب حياتهم منهم في غفلة تاريخية أنتجت واقعًا جديدًا من الاحتلال المركب، لكنه احتلال لا ترى أغلاله ولا قيوده، لأن هذا النموذج الجديد الذي وجدت الأجيال المعاصرة نفسها فيه منذ الولادة هو الذي صنع عالم أفكارهم، ولأنهم وقع تعليمهم وتربيتهم على تمجيد هذا النموذج وتقديسه، أما كيف وصلنا إلى هذه الحال فسنلمح له في العناصر التالية، على أن نتوسع في تفصيل كل عنصر في المقالات القادمة بإذن الله.
غير أن الاستحضار التاريخي الذي سنستصحبه أثناء تفكيكنا لعملية استلاب واستبدال النظم في الأمة، خلال كامل هذه المحاولة البحثية، ليس غايته السرد التاريخي لكل الأحداث، بقدر ما أنه رصد للتغيرات التي طرأت على النموذج الاجتماعي للمسلمين قبل وخلال وبعد الاستعمار، لكن قبل هذا نتعرض إلى بدايات التغيير الذي حدث للنموذج.
البدايات الأولى
كانت لحظة تحول الحكم في الإسلام من الخلافة إلى المُلك منذ العهد الأموي لحظة مؤثرة في النموذج الخاص بالمسلمين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “فكون النبي ﷺ استاء للملك بعد خلافة النبوة دليل على أنه متضمن ترك بعض الدين الواجب”2، لكن برغم ذلك التحول الكبير، بقيت الأمة تمارس حياتها الاجتماعية وفروض كفاياتها، وبقي لها طابعها الاجتماعي الخاص، لأن الأمر الذي لم ينَله التغيير حتى تلك اللحظة هو النظم، النظم التي بقيت حتى أواخر العصر العباسي قائمة، وبقيت الجماعات الوسيطة المنطلقة من فروض كفايات الإسلام ناشطة تؤدي أهم المهام الحيوية في المجتمع، ويرغم فساد الحكم في بعض الفترات الزمنية إلا أن المنظومة الاجتماعية الذاتية تواصلت، لتمركزها حول مبدأ استدامة شبكات المهام الحيوية، لذلك توسعت الأمة في أدنى العالم وأقصاه، وواصلت إنتاج العلماء وإبداع العلوم في كافة المجالات، وكان لها الريادة في كل المجالات في كل العالم.
لكن التهديد والتغيير الأخطر للنظم في هذه المرحلة بدأ مع الهجمة المغولية، ذلك أن المغول كسروا خلال غزوهم للأمة عددًا كبيرًا من حواضر ومدن المسلمين، ولأن نظم الإسلام تنبني أصلًا على واقع حضري، تمارس فيه المهام الحيوية والنشاطات الاجتماعية، ويتجلى من خلال تلك الممارسة أسلوب الحياة ونموذج الإسلام، فقد أدى كسر الحواضر إلى إضعاف النظم، وبقائها في الحواضر التي لم تطلها يد التخريب المغولي.
مرحلة ما قبل الاستعمار
لقد تأثر أسلوب الحياة بالإسلام عقب الهجمة المغولية -لعوامل سيقع تفصيلها لاحقًا بإذن الله- لكنه لم يخضع للاستبدال الكامل، وبقي يؤدي في حواضر الأمة وبقية مساحاتها دوره وإن كان على التشوه الذي طرأ عليه، لكن زاد على هذا الأثر تطورات خطيرة منها الركود الذي شهدته الأمة تزامنًا مع التطور الصناعي في الغرب، لتولد لأول مرة في تاريخ المسلمين ظاهرة الانبهار بالآخر، ويتسلل من خلال هذا الانبهار شعور مُلح بضرورة استيراد النظم الغربية، ومن هنا بدأت بوادر القابلية للاستعمار، ومعها بوادر الاستبدال.
مرحلة الاستعمار والتحديث المباشر
مهدت مرحلة ما قبل الاستعمار وصناعة القابلية له، إلى جرأة الدول الغربية على الاحتلال المباشر لأراضي الأمة، ونزلت الجيوش الغربية بثقلها داخل أراضي المسلمين، وبدأت مرحلة مكوث المحتل الأجنبي في ديار المسلمين، وتسلمه قيادتها وإدارتها، ليقع إعادة ترتيب عالم أفكار المسلمين مباشرة بإشراف عدوهم الأصلي، وليبني عدوهم بنفسه النظم الجديدة على ما كان من قابلية للاستعمار.
تمت هذه العملية ببطء وحذر شديدين، حتى أن المسلمين لم يشعروا بتغير النظم صبيحة خروج المحتل الأجنبي من البلاد، لتبدأ مرحلة جديدة من الاحتلال المحلي بالوكالة للاحتلال الأجنبي، وسجن جديد للمسلمين داخل أسلوب حياة صنعه لهم عدوهم.
فترة استقرار النموذج الغربي وهيمنته على الأمة
مع بداية مرحلة الاحتلال المحلي للأمة، تحول شكلها إلى محميات عسكرية، يعيش كل سكان محمية داخل نموذج من الدولة القومية الغربية، تشرف المنظومة فيها على إدارة السكان وثروات البلاد تحت محددات ونظم وضعها الغرب، بحيث تستنزف حياة الأفراد داخل عالم أفكار هجين عن رسالتهم الأصلية، وتستنزف ثروات البلدان لصالح المحتل الأجنبي وشركاته المنتشرة، ويسهر المحتل المحلي على المحافظة على وضع الارتهان هذا بكل الوسائل السلطوية المتاحة، سواء الناعمة أو الصلبة.
ـــــــــــــــــــــــــ
1 محمد بسام يوسف، مقال: مصدر الظلم في المناهج البشرية ومشروعاتها، موقع إلكتروني: المركز السوري للعلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية www. scirsr.org
2 مجموع الفتاوى ج35 ص24.





