
العدد الثاني والخمسون
سبتمبر 1, 2026
هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة؟
سبتمبر 2, 2026بقلم: الشيخ محمد الصغير – رئيس هيئة أنصار النبيﷺ
موقف واحد يصنع الفارق ويكتب التاريخ، ورأينا من سجل اسمه في أنصع الصفحات بموقف واحد، وربما طغى هذا الموقف على بقية أعماله فلم تنل حظها من صيت الشهرة أو رفعة الذكر، وبلغة العصر فإن صاحب هذا الفعل قد حقق المعدل، وفي تاريخنا الإسلامي تعددت هذه الصور في جميع مراحله ومفاصله.
ومن أوائل من اشتهر بموقف واحد في بدايات الإسلام الصحابي الجليل الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، ذلك الفتى الذي أسلم في السادسة عشرة من عمره، وجعل بيته ملاذاً لاجتماع رسول الله ﷺ بأصحابه وتعليمهم فيه، في وقت يسوده شدة التضييق والترقب، حتى أصبح مصطلح دار الأرقم يساوى في أذهان المسلمين معنى المدرسة ومحاضن العلم، وسُميت به المدارس وفصول التعليم على مر العصور وفي شتى الأقطار، ويعد فعل الأرقم “الإيواء” في قوانين المناوئين من الجرائم الكبيرة في القديم والحديث، ومما ساعد الفتى الجسور على فعله، قرب بيته من جبل الصفا الذي اعتاد الناس المرور عنده أو الانتظار بقربه، كما أنه من بني مخزوم -رهط أبي جهل- أكثر بطون قريش معاداة لرسول الله ﷺ وحرباً لدعوته، لذا لن يكون موضع شك أو تهمة، وهاجر الأرقم مع رسول الله ﷺ إلى المدينة وشهد المشاهد والغزوات، وعُمِّر حتى تجاوز الثمانين، ومات في زمن معاوية بن أبي سفيان سنة ثلاث وخمسين للهجرة، لكن بقي ذكره مرتبطاً بعمله الأول في مكة المكرمة.
والأمر نفسه تكرر مع الصحابي الجليل خالد بن زيد بن كليب الخزرجي، المعروف بكنيته أبو أيوب الأنصاري، الذي استقبل النبي ﷺ في بيته، عندما هاجر إلى يثرب فطابت ونورت به حياً وميتاً ﷺ.
كان أبو أيوب من السابقين إلى الإسلام من الأنصار، وممن بايعوا النبي ﷺ في مكة وشهد بيعة العقبة، وعُمِّر أيضاً حتى خرج مع أول جيش غزا القسطنطينية في عهد معاوية بن أبي سفيان ودفن عند أسوارها، ومكانه فيها الآن مشهور مشهود، بل سُميت المنطقة باسمه “السلطان أيوب”، وكانت عادة السلاطين الأتراك أن يبدأوا حكمهم من مسجده، بتلاوة القرآن في رحابه، لكن ارتبط أبو أيوب الأنصاري في أذهان المسلمين وأقلام المؤرخين بالحدث العظيم، والتكريم الجليل الذي اختصه الله به باستضافة رسول الله ﷺ، وتروي كتب السير في ذلك:
“هاجَرَ النَّبي ﷺ إلى المدينةِ المنوَّرةِ، ونَزَل في أوَّلِ قُدومِه في دِيارِ أخوالِه بَني النَّجَّارِ في دارِ أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ رَضيَ اللهُ عنه، فأحْسَنَ ضِيافتَه وأكْرَمَ وِفادتَه”.
وفي هذا يَرْوي أبو أيُّوبَ الأنصاريُّ أنَّ النَّبي ﷺ “نَزلَ ضَيْفًا في بيتِه حِين هاجَرَ إلى أنْ يَتَّخِذَ لِنَفسِه دارًا يَسكُنُها، فَنَزلَ عليه الصلاة والسلام في “السُّفْلِ”، والمرادُ به: الطَّابقُ الأرضيُّ مِنَ البيتِ، وأقامَ أبو أيُّوبَ وأهْلُه في الطَّابقِ العُلويِّ منه، فَانْتَبَه أبو أيُّوبَ ليلةً، واستيقَظَ مِن نَومِه، فقال في نَفسِه، أو قال لمَن معه مِن أهْلِه مُستنكِرًا: “نَمْشِي فوقَ رأسِ رسول اللهﷺ؟!” يُريدُ أنَّ النبي ﷺ كان هو الأَولى -لمَقامِه ومَنزلتِه- أنْ يُقِيمَ في العُلوِّ، وهُم يَنزِلون في السُّفلِ، تَعظيما لِقدْرِه ﷺ، فَتنَحَّى أبو أيُّوبَ وأهلُ بَيتِه، وابْتَعَدوا عن وسَطِ السَّقفِ الَّذي يُقيمُ النَّبي ﷺ تحْتَه، وأكْمَلوا باقيَ لَيلتِهم وباتُوا في جانبٍ مِن جَوانبِ البيتِ.
ولَمَّا قامُوا حَكَى أبو أيُّوبَ لِلنَّبي ﷺ ما جَرى بالأمسِ، فقال له ﷺ: “السُّفْلُ أرفَقُ”، والمعنى: أنَّه يُفضِّلَ أنْ يَبيتَ في سُفلِ البيتِ، لأنَّه أسهَلُ وأيسَرُ له ولهُم؛ فأمَّا كَوْنُه أيسَرَ له: لكيْ لا يَحتاجَ إلى الصُّعودِ إلى العلوِّ وما في تَكرارِ ذلك مِن المشقَّةِ، وأمَّا كَونُه أيسَرَ لهم: فإنَّ النَّبي ﷺ ربَّما يَأتيهِ الصَّحابةُ ومَن يَزُورُه، فلوْ كان في الأعلى فسَيَمُّرون على أبي أيُّوبَ وأهلِه صُعودًا ونُزولًا، وقدْ يُسبِّبُ ذلك حَرَجًا لهم، فقال أبو أَيُّوبَ: “لا أَعْلُو سقيفةً أنتَ تحتَها”، فلمَّا رأى النَّبي ﷺ عَزْمَه على ألَّا يَسكُنَ الطَّابقَ العُلْويَّ، تحوَّلَ النَّبي ﷺ في العُلْوِ وأبو أَيُّوبَ رَضيَ اللهُ عنه في السُّفْلِ.”
ولا يعدم التاريخ المعاصر صوراً من ذلك التفرد المميز، ولعل من آخرها وأجلّها ما جرى قبل أيام في قرية “تل” بمدينة نابلس في الضفّة الغربية، حيث اعتدى محتلون مستوطنون على أراضي أسرة رمضان الفلسطينية، ومن الطبيعي أن يتصدى أبناء الأسرة لردّ العدوان، وفيهم الشيخ فاروق رمضان الذي ترك التدريس في الجامعة واشتهر بدعوته في المساجد، والاهتمام بتربية الناشئة وتعهُّد الجيل الجديد، كما كان مثلا في العمل الاجتماعي ومساعدة الآخرين، حتى لقبوه “أبو الكل”.
تصدى الشيخ فاروق لهمجية المعتدين، ومع تماديهم استطاع أن يأخذ السلاح من أيديهم، ويدافع به عن عِرضه وأرضه، وأثخن فيهم قبل أن يُطلق عليه الرصاص هو وأبناء عمومته، لكنه ظل فيه الرمق حتى نُقل للمستشفى، وكان سؤاله لمن حوله قبل أن يفارق الحياة: هل أصبتهم؟ فقيل له: وفيت وكفيت وعلمت فحفرت، وأعدت للأمة يوماً من أيامها، وصورة من صور بطولاتها، فنَم قرير العين أيها الفاروق، وعندها أسلم الروح إلى بارئها راضياً مرضياً.
إن جملة الدروس والعبر في قصة فاروق نابلس، جديرة بالدراسة والبحث، وتقديم النموذج لأبناء الأمة لاسيما الشباب الذين يبحثون عن القدوة الصالحة، في الوقت الذي دأب فيه الإعلام الموجه على تشويه صورة المشايخ والمتدينين، واستنساخ مسخ مشوه من دعاة السلاطين، ومشايخ المخافر الذين يسبّحون بحمد كل فاجر، ويزيّنون عمل كل ظالم، ويقولون للناس: لا تَزْرِمُوه، ولو رأيتموه يزني أو يشرب الخمر!
الشيخ فاروق رمضان جاهد بالسنن -فعلاً- على الوجه النبوي المرضي، تحقيقاً لقول رسول الله ﷺ: “ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً”1.
وممتثلاً لأمر الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ﴾ [الأنفال: 60]، وعقّب عليها رسول الله ﷺ بقوله: “ألا إن القوة الرمي”. ثلاثاً2.
إن أمتنا أريد تجهيلها بمصادر القوة، وكيفية استخدامها والتعامل معها، وكان الشيخ فاروق بإعادة تموضعه وحسن تعامله مثلاً أعلى يُحتذَى.
إن قصة فاروق رمضان انتهت حيث بدأت، بدأت بالشهامة وخُتمت بالشهادة، ولو بقي إلى عمر الثمانين وفعل الأفاعيل، فما كان التاريخ ليزاحم موقفه الأول وتصرفه الأنبل، فقد أصبح الشيخ فاروق فاروقاً في الأمة بمشهد واحد، ونسأل الله أن يرفعه به في عليين مع الشهداء والصديقين، ويجعله مع المرضيين من صحابة النبي الكريم.





