
فاروق جديد في نابلس
سبتمبر 2, 2026
الاحتلال يصادر 370 دونمًا لتوسيع مستوطنة «مشمار يهودا»
سبتمبر 2, 2026بقلم : محمد إلهامي (رئيس التحرير) – عضو الأمانة العامة لهيئة أنصار النبي ﷺ
لن أخوض الآن في جواب هذا السؤال، ولن أدخل في الجدل بين المانعين والمجيزين، بل سأذكر نبذة تاريخية ربما تنفع المتكلمين فيه..
من المعروف أن النبي وصحابته والتابعين في القرون الأولى المفضلة لم يحتفلوا بمولد النبي ﷺ، ولا يؤثر عنهم فيه لا عبادة ولا عادة مخصوصة، وإنما بدأت عادة الاحتفال بالمولد النبوي في الأزمان التي فترت فيها الأمة وتوقف فيها الجهاد واتسعت الهوة بين الخلفاء وبين الرعية.
وكما قال ابن تيمية فإن النفوس خُلقت لتعمل لا لتترك، وما من شيء من المنكر نهى الله عنه إلا ووجَّه إلى معروفٍ يُغني عنه، ولذلك فإنه ينبغي على المصلحين الاعتناء بالأمر بالمعروف وألا يقصروا همّهم في النهي عن المنكر.
وهذه الكلمة النفيسة الذهبية “النفوس خُلقت لتعمل لا لتترك” تنطوي فيها قواعد عظيمة في علوم النفس والاجتماع، وما يهمنا منها الآن: أن الأمة التي تفتر عن الجهاد، سرعان ما تتسرب طاقاتها إلى غيره، وذلك مذكور في كتاب الله، وهو قوله تعالى: ﴿فَهَلۡ عَسَیۡتُمۡ إِن تَوَلَّیۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوۤا۟ أَرۡحَامَكُمۡ﴾ [محمد: 22]، ومذكور في قوله ﷺ: “وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم”.
فإذا انصرفت نفوس الناس وطاقتهم عن الجهاد وإقامة الدين والتمكين له، ذهبت إلى شؤون الدنيا، فتنافسوها وربما تقاتلوا عليها.
وباب الجهاد يُغلق بسبب انحراف الحُكّام، كما يُغلق لأن الجهاد صار عملا مخصوصا ومحصورا بفئة بعينها، وهي طائفة العسكر. وإذا كان الحُكَّام هم طائفة العسكر وكانوا منحرفين، فقد اجتمع الشران ليصير شرًّا مستطيرا!
وها هنا يقع من التفاعلات في الناس ما يُنبت ظاهرة الاحتفالات بالموالد والأعياد، فإن النفوس تحب الاحتفال ومعانيه من اللهو واللعب، وإن الحُكَّام يحبون أن يلهو الناس وينشغلون عنهم بأعيادهم، ولهذا فربما شاركوا في هذه الأعياد واخترعوها وبالغوا في الاحتفال بها.
ولو فهمتَ هذا فلن تتعجب حين تعلم أن كثيرا من احتفالات الموالد والأعياد المستحدثة إنما نشأت في الدول التي كانت تفتر عن الجهاد، وينحرف فيها الحكام، مثل الدولة العبيدية (الفاطمية). ومثلما هو واقع في دُوَلنا المعاصرة التي اخترع كل منها لنفسه أعيادًا للاستقلال والتحرير والنصر والعَلَم والثورة.. وما هي من هذا كله في شيء! على أن دُوَل الأولين كانت إسلامية فكانت أعيادها ترتبط بالنبي وأهل بيته، أما دولنا المعاصرين فدول مُتَعَلْمِنة تحتفل بما يخص الأرض والحدود والتراب!
ومن طبائع هذه الأحوال، وتفاعلاتها الفطرية، أن ينهض أهل الخير والعلم والفضل، لتصحيح هذه الأوضاع، غير أنهم يسلكون في تصحيحها سبلا؛ فمنهم من يرى أن مناسبة كالمولد النبوي فرصة ثمينة لتذكير الناس بالنبي وسيرته وأخلاقه، يريد بذلك أن يصرفهم عما في احتفالهم من البدع والمنكرات، إلى ما يمكن أن يوجد فيه من النفع والعلم والوعظ ومسالك البر. وتكون فرصةً لإعادة تصحيح ما أحدثوه من البُعد عن النبي ونهجه وسنته! فيجعلونها مناسبة لقراءة الكتب والأحاديث في سيرته وشمائله وخصائصه، وإنشاد الشعر في مدحه وبيان فضله.
فلهذا استقر شأن الاحتفال بالمولد النبوي عبر القرون الإسلامية، شارك فيه الأئمة والعلماء الكبار، وجرت عليه العادة حتى اندرج الأمر في “عمل المسلمين” أو “ما جرى عليه العمل” أو “العُرف” أو نحو ذلك من الألفاظ التي يعبر بها الفقهاء والأصوليون عن تقبل المسلمين لهذا العمل.
وحين تثار مسألة: هل هذا من البدعة؟ يرى الكثيرون، وربما الأكثرون، أنه من البدعة الحسنة طالما أنه يخلو من المنكرات!
ولما جاء الاستعمار إلى بلادنا أضيف على هذه المسألة بابٌ آخر..
فإن الاستعمار الحديث، الذي يمكن أن نؤرخ له بالحملة الفرنسية على مصر (1897م)، حمل سياسة جديدة في التعامل مع الشعوب، ومن بين هذه السياسة المخادعة والمراوغة وادعاء تحرير الشعوب وتحضيرها، ومن لوازم هذا: إعلان التصالح مع أديان الشعوب وثقافاتها، ولهذا فلا تعجب إن رأيتَ هذا الموقف:
كان مشايخ الأزهر قد عطلوا الاحتفال بالمولد النبوي، ومعنى هذا التعطيل في ذلك الوقت أنه نوع من المقاومة السلبية والسلمية، فهو مثلما نفهم اليوم من معنى “الإضراب، العصيان المدني، إلغاء الاحتفالات، إعلان الحداد، تنكيس الأعلام… إلخ! ولكن نابليون لما علم بهذا طفق يستدعي مشايخ الأزهر ليستفسر منهم عن سبب تعطيلهم، فتعللوا بالحال وقلة المال، فأبى هذا وأنفق من أموال الفرنسيين لإقامة المولد وتعليق الزينات، وحضره بنفسه بل وأوقف جنوده يضربون الطبول ويؤدون التحية العسكرية للنبي ﷺ!! والتفاصيل تطول!
فها هنا ترى كيف كانت المقاومة للمحتل في الامتناع عن الاحتفال بالمولد، وكان الاحتفال به من أدوات الاحتلال السياسية لإثبات استقرار الأمور وانتفاء العداوة بين المحتل وبين الدين!
بعد زمن آخر سترى رجلا مثل عباس باشا الأول، وهو الوحيد من أسرة محمد علي الذي كان فيه ميل للدين وحب للعرب والمسلمين، وكانت له وقفات في نصرة أهله، فقد هرَّب بعض الوهابيين من سجن جده، وكان يجلس إلى شيخ الأزهر ليستمع إليه في الجامع، وكان يبغض الأجانب ويحرص على أن يواظب أولاده على الصلاة، وأمور أخرى لا يتسع لها المقام.. هذا الباشا هو نفسه الذي قرر أن يزيد في أيام الاحتفال بمولد السيد البدوي! وما ذلك إلا لأنه يرى هذا من نصرة الدين ومقاومة الأجانب الكافرين!!
وفي أزمنة الاحتلال سترى أن جمهرة المصلحين والمجاهدين كانوا حريصين على مناسبات مثل الاحتفال بالمولد النبوي، وغيرها من المناسبات، وما ذلك إلا لأنها فرصتهم لجمع الناس ووعظهم والكلام معهم، ومقاومة ما تغرسه فيهم دولة الاحتلال من التغريب والعلمنة.. سترى ذلك في مصر والشام وبلاد المغرب وتركيا.. لقد كان يُراد أن تتعلق هذه الأمة بشخصيات أخرى، لقد اخترعت أعياد أخرى تتعلق بمولد أو وفاة أو تنصيب أمثال محمد علي باشا وأتاتورك والملك فلان والسلطان فلان.. فكان أهل الدين في هذه الأنحاء يرون في مناسبة الاحتفال بالمولد فرصة لا تفوَّت في تذكير الأمة بهويتها ودينها ورسولها الذي هو زعيمها الأعظم ومؤسس مجدها الديني والدنيوي!
وكل واحد من هؤلاء المصلحين والمجاهدين قام بحسب ما استطاع من مقاومة البدع والمنكرات في الموالد، فبعضهم كان يزاحم المنكرات بغيرها من المعروف، وبعضهم كان يعتزل المنكرات ويقيم احتفالاته على نمط آخر، وبعضهم يخلط هذا بذاك، ولكلٍ منهم في هذه الأمور نظرة وطريقة تتعلق بما هو مقبول وما هو مرفوض، ولكل منهم طريقة في علاج المرفوض: هل يكون بالإنكار والمجاهرة أم بالتدرج في نزعه أم بمزاحمته أو باعتزاله وإقامة غيره!
وكذلك كانت الموالد فرصة لاستثمار اجتماع الناس، وكم وُضِعت فيها بذور جمع الأموال لمقاومة المحتل والطاغية، أو لاجتماع القوم المطلوبين المطاردين، واختلطت مشارب المصلحين والمجاهدين بما تيسر لهم من وسائل وظروف، ومن هذه الوسائل والظروف الطرق الصوفية السائدة والمنتشرة في البلدان.
خلاصة الكلام والمقصد أن الاحتفال بالمولد النبوي صار عملا لا يمكن وصفه بقول واحد ضربة لازب، بل مثلما كانت بعض مظاهره تمكينا للاحتلال والطغيان وإلهاء للناس وإبعادًا لهم عن السياسة والجهاد، كانت مظاهره الأخرى من وسائل الإصلاح وفرصة لمقاومة التغريب والتعلق بالأصول والجذور، وتذكيرا بالمجد التليد!
وإذا أردنا أن نقيم خطًّا بين المصالح والمفاسد في مثل هذه الأمور.. فسيكون على هذا النحو:
إن النبي ﷺ هو قدوة المسلمين، هكذا يراه المسلمون جميعا، غير أن معنى القدوة هذا يجري تحريفه على يد المحتلين والطغاة المجرمين، وهذا هو الأمر الذي يجب تصحيحه، وإذا حصل التصحيح فقد استقامت به الأمور.
لقد كان النبي ﷺ قدوة للمسلمين، ولكنه لم يكن فحسب قدوة لهم في أخلاقه الشريفة السامية: الصدق والأمانة والعفو واللين والرفق ونحوها، بل هو قدوة لهم في إقامة الدين وتأسيس الدولة والتمكين للدين في هذا الأرض وتحويله من كلام نظري مسطور في الكتب إلى واقع عملي شاخص في حياة الناس!
وذلك هو الفارق الذي يُفرق بين غرض المصلحين وغرض المفسدين، وإن التقى عملهم على الاحتفال بالمولد النبوي..
المحتل والطاغية يريد مولدا يتمايل فيه الناس ويطربون، يأكلون ويشربون ويرقصون، فإذا تحدثوا عن النبي فلا بأس أن يقتصر عملهم على وصف جماله وعيونه وشعره وثيابه، فإذا زادوا فليتحدثوا في معجزاته وخوارقه، فإذا زادوا في الاقتداء فليتحدثوا في صدقه وأمانته ونبله ورحمته ورفقه!!.. فهذا كله مما لا يبتئس المحتل والطاغية أن يسمعه الناس!
أما المجاهد والمصلح فهو يريد مولدا يتذكر فيه الناس كيف أن النبي هو القائد المجاهد، الزعيم المؤسس، الذي أقام الدين في الدنيا، وهو صاحب الشريعة الحاكمة، الرئيس الذي حمل السيف وجاهد في سبيل الله حتى تحول المسلمون معه من دعوة إلى دولة، ومن دولة إلى قوة إقليمية، ثم ترك صحابته من بعده ليحولوها من قوة إقليمية إلى قوة دولية، ثم إلى القوة العظمى العالمية!
محمد ﷺ، في الموالد التي يرضى عنها المحتلون والطغاة، شخصية الدرويش.. أي: الزاهد الرقيق الرفيق، ذي الثياب البيضاء والنور المشع من الجبين، المتبسم الهادئ الوادع اللين، صاحب المعجزات والخوارق والفضائل، الذي تسرح حوله الطيور ويسلم عليه الحجر ويئن له الجذع وينشق له القمر!!
هذا وإن كان حقا، إلا أن نصف الصورة وحدها، النصف الذي لا يمثل خطرا عليهم..
أما محمد ﷺ في الموالد التي يريدها المصلحون والمجاهدون فهو –مع ذلك، وفوق ذلك- المجاهد الذي يقيم الدين ويشيد الدولة وينفذ الشريعة، ولا يرضى بالظلم، ولا يسكت على الضيم، ولا يقبل سيادة إلا لله، ولا ولاء إلا للمؤمنين..
وهذا الصراع نفسه بين هذين السبيليْن هو مما نفهم به واقعنا وحالنا الآن..
الطاغية الذي يحارب دين النبي ويطارد أهله بالقتل والسجن والتعذيب الشديد، يحتفل بالمولد النبوي.. لكن على طريقته! يريد من المسلمين أن يفهموا من الدين ما يكون توطيدا لحكمه، أو بعبارة أكثر صراحة: يريد أن يستخدم ذكرى النبي وسيلة لمصلحته!
وهذا يفسر لك: لماذا تنحو الموالد المقامة الآن إلى أن تكثر فيها البدع والضلالات، ولماذا تقتصر على حديث الخوارق والمعجزات وأوصاف النبي الخَلْقِية دون غيرها من صفاته الخُلُقية وسنته العملية؟!
إن الأمة الحبيسة المقهورة المكبلة بأيدي هؤلاء الطغاة عاجزة أن تعبر عن حبها لنبيها في ذكراه إلا بقدر ما يسمح به الطاغية الذي يكبلها، ومن هذه الأمة مِن علماء السوء مَن غَرَّه أولئك الطغاة السفاحون فانحاز إليهم فهو وسيلتهم في تزوير حقيقة النبي، وحرف الناس عن فهم حقيقته!
كنت قبل أيام في معرض اسطنبول للكتاب العربي، وأجلس يوميا على الانترنت.. إن مؤلفات السيرة تزداد غزارة، وفوق المؤلفات ما يجتهد فيه المسلمون من المواقع والتطبيقات ونحوها، ولكن: أين الفاعلية؟!
تلك أمة محبوسة، والحبس يدفع طاقتها إلى ما هو متاح لها، التأليف وإنشاء المواقع والتطبيقات والبرامج العلمية، وإذا كان ثمة انحراف فإن الطاقة تنصرف إلى ما ليس مفيدا ولا نافعا، بل إلى ما هو مضر مثلما نراه من مشاهد الرقص والطرب والتمايل والاكتفاء بالأشعار في مدح النبي ﷺ!
فالحق أن هذا هو التفسير الأهم لما يحدث في المولد من البدعيات!!
إنه ما من رجل تعظمه أمته وترتبط به كما تعظم أمة محمدٍ محمدًا، فما من قائد ولا زعيم ولا مؤسس دولة، بل ولا حتى نبيٍّ آخر، قد عاش في وجدان أمته تلك القرون المتطاولة، وكانت أمته على هذه الحفاوة به وبذكراه مثلما هي أمة محمد مع نبيها المعظم المكرم ﷺ. ولكن المحتلين والطغاة لما عجزوا عن نزع محمد من صدور أمته، اجتهدوا جهدهم في تزييف حقيقته، فرفعوا من ارتضوا أن يكون حظهم من النبي ﷺ الرقص والأكل والطرب، وطاردوا من أرادوا الاقتداء بالنبي ﷺ حقا وحقيقة!
فليس الحق أن نتجادل ونتعارك حول ما إن كان الاحتفال بالمولد بدعة أم لا؟ وهل هو من البدعة الحسنة أم لا؟.. الحق أن نتجادل: كيف نكافح تزييف صورة النبي في عقول المسلمين؟ وكيف تكون ذكراه مواطن قوة ونهضة وذكرى نافعة لأمة مستضعفة؟ وكيف نصرف طاقة الأمة في أفعال حقيقية بدل كونهم محبوسين في كثرة “الكلام” عن النبي ﷺ؟!





