
استلاب واستبدال أسلوب حياة الأمة
سبتمبر 3, 2026
معتصم العمور – كاتب وباحث سوري
قرأت كتاب أستاذي محمد إلهامي (سبيل الرشاد) وقد ذهلت من تطابق الكثير من أفكارنا رغم انتهاج العبد الفقير والأستاذ إلهامي مسارين مختلفين في البحث.. منهجي الذي أصلّت له في كتابي “كيف تقدم الغرب ولماذا لم يسلك المسلمون ذلك الدرب. دراسة تاريخية مقارنة من منظور إسلامي” اعتمد اعتماداً رئيساً على التاريخ الغربي وبمصادره. وأحب أن أعرض في هذه المقالة وجهين من أوجه التطابق مع الأستاذ إلهامي.
الوجه الأول: هو أن الحاكم المسلم كانت صلاحياته دائماً مقيدة وبشدة بالشريعة. حيث ذكر إلهامي خلاصته من أن “أشد حكام التاريخ الإسلامي استبداداً كانت صلاحياته أقل كثيرا من أكثر حكام الديمقراطية المعاصرة”.
ربما يعتقد سامع تلك العبارة أن في الأمر مبالغة، لكن هذا ما وصلت له من دراسة التاريخ الإنجليزي خاصة، وأعرض نماذج موثقة عن صحة خلاصة إلهامي.
كان الحاكم الإنجليزي حتى القرن الثالث عشر حاكماً مطلقاً متعسفاً له صلاحيات واسعة على أرضه، ومن نماذج تعسفه أنه عند موت أحد النبلاء كان الملك يفرض على الورثة إتاوة (relief). ارتبط مبلغ الإتاوة كثيرًا بمزاج الملك أو حاجته للمال أو موقفه من صاحب الأرض. وإذا مات النبيل وترك وراءه أرملة أو أطفالا قُصّر كان للملك الحق في تزويج الأرملة وتعيين وصي على الأطفال، وتَشكّل مزاد للزواج من الأرامل تحت رعاية الملك، حيث تنافس النبلاء بين بعضهم لتزوج الأرملة والظفر بأرض زوجها، وكان الملك يعطي حق الزواج لمن يعرض المبلغ الأكبر. كما كان للملك الحق بمصادرة أراضي رعيته لأسباب تافهة مثل خلاف حول تملك صقر أو عدم استضافة أحد أتباع الملك أو حتى اعتباطيًا.
وخاض الملوك الإنجليز حروباً لتوسيع ملكهم (في فرنسا خاصة)، وعند فراغ خزائنهم فرضوا على النبلاء الضرائب التي كانت تفقرهم ولا تعود عليهم بأي نفع وتأتي اعتباطيًا وقد تدفع أكثر من مرة في العام.
كما جعل الملوك الإنجليز مناطق شاسعة خاصة بهم لاستجمامهم وصيدهم تسري عليها قوانين خاصة سميت قوانين الغابة، تشمل غابات ومناطق جرداء وقرى وكل أرض قرر الملك أنها لاستمتاعه، حتى بلغت تلك الأرض ثلث مساحة إنجلترا! وإذا ما اصطاد فقير غزالاً ليطعم عياله لحمًا لم يذُقه من شهور في تلك الأرض فإنه قد ارتكب إثمًا عظيمًا يحاسب عليه بفقد البصر.
أضف لذلك أن المستبد المسلم كان يمكن مقاضاته، تذهب للقاضي وتشتكي. هذه الصلاحية لم تتوفر في إنجلترا حتى القرن الثامن عشر وبإجراءات معقدة ومكلفة لم يقدر عليها سوى القلة القليلة من الناس. وقارن هذا مع القاضي أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة حيث يتندم على موقف فعله في القضاء، حيث كان ينظر في قضية رفعها يهودي على أمير المؤمنين وأقوى رجال زمانه هارون الرشيد. لما دخل هارون عند القاضي قال لليهودي: “قم واجلس حيث يجلس خصمك”، ندم أبو يوسف أنه لم يقُل للخليفة “قم واجلس حيث يجلس خصمك” عملاً بمبدأ العدل!
وفي الوقت الذي كان اليهودي يحاكم الخليفة في دار الإسلام كان الملك الإنجليزي يعد اليهود ملكه الشخصي يستطيع نزع ما يشاء من المال منهم. يذكر المصدر قصة يهودي كان يُقلع له سن عن كل يوم تأخر ولم يدفع ما عليه. حتى الفقراء اليهود كان على كل رجل وامرأة وطفل دفع ٢ جنيه (٦٥ جرام ذهب) وإلا الويل والثبور. وحتى أمر الدين تدخل فيه الملك فجعل المناصب الكنسيّة العليا لأصحابه وأصدقائه كما صادر في مرات أصولها.
وعند مقارنة ذلك بدار الإسلام فلم يملك الحاكم المسلم أي من تلك الصلاحيات المطلقة، سلطته كانت مقيدة بالشريعة التي وضعت تشريعات واضحة فيما يتعلق بالميراث والزواج والتصرف بالأوقاف ومعاملة أهل الذمة.. ولا شك عندي أن بعض حكام المسلمين كان فاسداً ولو سنحت لهم الفرصة لفعلوا فعل ملوك إنجلترا، لكن العلماء والشريعة والقضاة وما استقر في قلوب المؤمنين من تعظيم للدين منعهم من فعل ذلك.
كان هناك تدافع في إنجلترا بين كبار النبلاء (لا يتجاوز عددهم ٥٠ شخصاً) مع الملك للحد من سلطته المطلقة، تمخض هذا الأمر عام ١٢١٥م بتوقيع الملك مضطراً الميثاق العظيم (Magna Carta) بعد أن نزل الملك الفرنسي بجيشه على الشواطئ الإنجليزية. وأهم ما نصت عليه الوثيقة هو خضوع الملك للقانون. وأن لا حق له أن يفرض ضرائب إلا بموافقة كبار النبلاء، وهذه لن ينالها الملك إلا من مجلس استشاري سيسمى لاحقًا البرلمان. وأن الطاعة للملك مشروطة باتباعه للقانون. ولو قمنا هنا باستبدال القانون بالشريعة، فإن الوثيقة توصلت لجزء مما توصلت له الشريعة المحمدية قبل ستة قرون!
مع وجود فروقات جوهرية، أولاً البرلمان الإنجليزي لم ينشئ لغاية نبيلة، غاية إنشائه هو حاجة الملك للمال وتضارب مصالح النخبة الاقتصادية التي كانت حتى القرن التاسع عشر لا تمثل في أحسن تقدير ٢٪ من السكان مع الملك.
ثانياً: وهذا يأخذنا للوجه الثاني الذي وافق فيه بحثي ما وصل له إلهامي من كون الأمير المسلم لا يملك سلطة تشريعية ولا يحق له سن قوانين تخالف الشريعة لتحقيق مصالحه. وعلى النقيض من ذلك البرلمان الإنجليزي كانت له سلطة تشريعية بفرض القوانين. تخيل نوع القوانين التي ستفرضها نخبة اقتصادية تريد تحقيق مصلحتها! ونحن لا نتكلم عن قوانين سُنّت في العصور الوسطى، بل قوانين أُقرت في برلمان عصر التنوير في القرن الثامن عشر وبعده.
مثلاً في الفترة بين عامي ١٦٨٨ إلى ١٨٢٠م ارتفع عدد الجرائم في إنجلترا التي كانت عقوبتها الإعدام من ٥٠ إلى ما بين ٢٠٠ و٢٥٠ جريمة، وكانت هذه الجرائم في الغالب جرائم ضد الممتلكات كسرقة شلن أو منديل أو قص شجيرة زينة. ويمكن أن يساق المرء إلى المشنقة حتى في سن الحادية عشرة. ثم استبدلت الكثير من عمليات الإعدام عام ١٧١٧م لتصير العمل بالسخرة في المستوطنات لمدة سبعة سنوات. والسبب الرئيس لجرائم السرقة هو “الفقر المدقع والبؤس” الذي كان يعيش تحت وطئه معظم الناس وارتفاع الأسعار، حيث لم تغطِ الأجور ثمن الخبز.
طالت قسوة ذلك القانون امرأة حامل وجائعة سرقت سلة بها صابون فتم إرسالها إلى أمريكا عام ١٧٧١م للعمل في السخرة. يا لها من قسمة ضيزى، البرلمان الذي يمثل الأغنياء يشرع بإعدام فقير سرق قميصًا يكسي به عورته، ثم يرحمه بإرساله ليعمل كعبد لسبعة أعوام بالمتوسط في مزرعة قطن في أمريكا لأحد الأثرياء ليحصد له قطنًا يكفي لصنع آلاف القمصان!
كان هناك تلاقح بين النخب المالية الإنجليزية والفكرية؛ فهم من مشكاة واحدة. خذ مثلاً واحداً من أعظم مفكري التنوير الإنجليزي-الهولندي برنارد مانديفيل (ت: ١٧٣٣م) والذي تدين له الكثير من النظريات الاقتصادية بالفضل، يقول في تعليقه على عمليات قتل اللصوص التي كانت تجري بكثرة في إنجلترا التي قد يقتل فيها طفل لأنه سرق ليأكل: إنه من المؤكد أن السارقين ربما ارتكبوا السرقة بدافع الحاجة “ما يمكنهم الحصول عليه بأمانة لا يكفي لسد الرمق”. ومع ذلك فإن “سلام المجتمع” كان يتطلب أن شنق المذنبين. أجل، “ربما كانت الأدلة غير واضحة أو غير كافية” وكان هناك خطر أن يُقتل شخص بريء، ولكن مهما كان ذلك “فظيعًا”، فإن الهدف يجب أن يتحقق وهو “ألا يفلت مذنب واحد من العقاب”. سيكون أمرًا خطيرًا إذا ما فضّل القضاة الذين يتسمون بالورع “ضميرهم” على “مصلحة الأمة”.
وإذا قارنا ذلك بحال الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة فإنا سنجد الأمر مختلف تماماً. الطبيب البريطاني ألكسندر راسل الذي عاش في حلب في منتصف القرن الثامن عشر لسنوات يقول إنه خلال عشرين عاماً لم يُعدَم سوى ٦ أشخاص، هذا يعني 0.3 حالة إعدام لكل مئة ألف نسمة سنويًا (سكان حلب تقريباً مئة ألف آنذاك).
أما في لندن بين عامي ١٧٤٥م و١٧٥٤م بلغ متوسط الإعدامات ٣٧ حالة سنويًا، ومع عدد سكان يبلغ نحو ٧٠٠ ألف نسمة، ينتج عن ذلك ٥,٣ حالة إعدام لكل مئة ألف نسمة سنويًا، أي معدل الإعدام في لندن أكبر من نظيره في حلب بـ١٧ ضعفًا. كما يقول إن الجريمة عامةً نادرة في حلب والسرقات تكاد تنعدم وجريمة النشالة (pickpocket) غير معروفة.
يخطئ الكثير من المسلمين اذا اعتبروا أن الظالمين من أمراء دول الإسلام قبل القرن التاسع عشر كانوا مثل بشار الأسد أو القذافي. كانوا حالة فريدة في العالم.. سلطان يحكم مقيد بطوق الشريعة. والشريعة جمعت الرحمة للناس والحزم مع الفساق بحيث تحول المجتمع -وعند مقارنته بإنجلترا- لمجتمع قلّت فيه الجريمة. كان للحاكم الإنجليزي سلطة تشريعية مكنته من فرض أي قانون يحقق مصلحته ضارباً بعرض الحائط الأخلاق والعدالة وهذا صحيح لليوم (كمثال صرح واحد من أثرى رجال العالم الميلياردير ورن بافيت أنه يدفع ١٧,٤٪ من دخله ضرائب بينما يدفع موظفوه ٣٦٪. وعامةً يمكن القول إن تشريعات الضرائب في الدولة الحديثة متساهلة مع كبار الأثرياء شديدة على متوسطي الدخل والفقراء وعلى عكس شريعة الإسلام).
لذلك خلصت في بحثي للنتيجة التالية:
“لو كنتَ عاميًا، أو امرأة أو تنتمي لأقلية دينية أو أجيرًا وخُيّرت في القرن السابع عشر أو الثامن عشر (وحتى جزء كبير من القرن التاسع عشر) مكانًا للعيش، فاختر الدولة العثمانية ولا تختر (الدول الغربية)، لأن صاحب السيادة فيها سواء كان الملك أو البرلمان كان همه تحقيق مصالحه ولو اقتضى ذلك معاملة عامة الناس حرفيًا كالعبيد“.





