
مليشيات الدعم السريع تدفع مئات السودانيين للنزوح من الفاشر
سبتمبر 21, 2026
توماس أرنولد – المستشرق البريطاني الشهير*
كانت الكنائس المسيحية التي وصفت بأنها قد دخلت في نطاق تأثير الحكم الإسلامي عبارة عن الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية والطوائف الخارجة عن الدين التي تفرعت عنها. ولكن بانتهاء القرن الحادي عشر الميلادي انضم إلى أهالي الشام وفلسطين من المسيحيين عنصر جديد يتألَّف من هذه الجموع الهائلة من الصليبيين الذين كانوا يدينون بشعائر الأمم اللاتينية، واستقروا في مملكة بيت المقدس وسائر الولايات التي أسسها الصليبيون، وظلت تعيش مهددة قرابة قرنين من الزمن.
وفي غضون هذه الفترة كانت تحدث من حين لآخر تحولات إلى الإسلام من بين هؤلاء المهاجرين الغرباء؛ ففي الحرب الصليبية الأولى مثلاً، انشق على الطائفة الرئيسية جماعة من الألمان واللومبارديين بزعامة فارس مشهور يدعى Rainaud وحاصرهم السلطان أرسلان السلجوقي في إحدى القلاع، وتظاهر هو وخاصة أتباعه بالقيام بهجوم على محاصريهم في الخارج، فتركوا رفاقهم التاعسين وانتقلوا إلى الأتراك حيث اعتنقوا الإسلام بينهم.
ويمثل لنا تاريخ الحرب الصليبية الثالثة، تلك الحرب المشئومة، حادثة على جانب عظيم من الأهمية وهي شبيهة بتلك الحادثة. والقصة كما ذكرها أودو الدويلي Odo of Deuil أحد رهبان القديس دينيس Denis الذي كان يشغل وظيفة قسيس خاص للويس السابع، وصحبه في هذه الحرب الصليبية، فكتب في وصفها نبذة هذا نصها:
بينما كان الصليبيون يحاولون شق طريقهم براً عن طريق آسيا الصغرى إلى بيت المقدس، مُنوا بهزيمة فادحة على أيدي الترك في ممرات فريجيا Phrygia الجبلية (١١٤٨ م) وبلغوا مدينة أتاليا Attalia الساحلية بشق الأنفس. وهنا، تمكن جميع الذين استطاعوا أن يرضوا المطالب الفادحة، التي كان يفرضها عليهم تجار الإغريق، من الإبحار إلى أنطاكية. بينما خلفوا وراءهم المرضى والجرحى تحت رحمة من الخونة من حلفائهم الإغريق الذين أخذوا مبلغ خمسمائة مارك من لويس، على شريطة أن يمدوا الحجيج بقوة من الحرس، وأن يعنوا بالمرضى حتى يصبحوا من القوة بحيث يمكن إرسالهم ليلحقوا بسائر زملاءهم. ولكن لم يكد الجيش يغادر المكان حتى أخبر الإغريق الترك بموقف الحجيج الأعزل، ورقبوا في صمت ما أصاب هؤلاء التاعسين من المجاعة والمرض وسهام العدو التي جرت عليهم الدمار والخراب وهم في طريقهم إلى معسكرهم. وحاولت جماعة تبلغ ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف أن تلوذ بالفرار بدافع من اليأس؛ ولكن الترك الذين كانوا قد بلغوا المعسكر وهجموا عليه ليتابعوا انتصارهم، أحدقوا بهم ومزقوهم شر ممزق. وكان يكون موقف من نجا من الموت منهم قد بلغ حد اليأس، لو أن منظر شقائهم لم يذب قلوب المسلمين ويستدر شفقتهم. فواسوا المرضى وأغاثوا الفقير والجائع الذي أشرف على الهلاك، وبذلوا لهم العطاء في كرم وسخاء. بل لقد اشترى بعضهم النقود الفرنسية، التي ابتزها الإغريق من الحجاج بالقوة أو الخداع، ووزعوها بسخاء بين المعوزين منهم. فكان البون شاسعاً بين المعاملة الرحيمة التي لقيها الحجاج من الكفار وبين ما عانوه من قسوة إخوانهم المسيحيين من الإغريق الذين فرضوا عليهم السخرة، وضربوهم، وابتزوا منهم ما تُرك لهم من متاع قليل، حتى إن كثيراً منهم دخلوا في دين منقذيهم بمحض إرادتهم. وكما يقول المؤرخ القديم: “لقد جفوا إخوانهم في الدين الذين كانوا قساة عليهم، ووجدوا الأمان بين الكفار الذين كانوا رحماء عليهم، ولقد بلغنا أن ما يربو على ثلاثة آلاف قد انضموا بعد أن قهقروا إلى صفوف الأتراك. آه، إنها لرحمة أقصى من الغدر! لقد منحوهم الخبز ولكنهم سلبوهم عقيدتهم، ولو أن من المؤكد أنهم لم يكرهوا أحداً من بينهم على نبذ دينه، وإنما اكتفوا بما قاموا لهم من خدمات”.
وإن زيادة اختلاط المسيحيين بالمسلمين وتقدير الصليبيين لفضائل خصومهم تقديراً أخذ ينمو على مر الزمن، وهي ظاهرة تميز المتأخرين من مؤرخي الحروب الصليبية عن السابقين منهم تمييزاً واضحاً جلياً، ثم كان من كثرة تقليد الفرنجة المقيمين في الأراضي المقدسة للشرقيين في عاداتهم وأساليب حياتهم أن ذلك كله لم يخفق في إيجاد تأثير متبادل في الأفكار الدينية.
ومن أظهر ألوان هذا التأثير، ذلك المسلك السمح الذي سلكه كثير من الفرسان المسيحيين نحو العقيدة الإسلامية؛ وهو اتجاه فكري كان أشد ما تشكو منه الكنيسة. ولما زار أسامة بن منقذ -وكان أحد أمراء الشام في القرن الثاني عشر- بيت المقدس في فترة من فترات الهدنة، خصص له فرسان المعبد-الذين كانوا قد احتلوا المسجد الأقصى- زاوية صغيرة ملحقة به ليقيم فيها الصلاة، واستاءوا استياء شديداً من تدخل أحد الصليبيين، واتجه هذه الوجهة الجديدة في سبيل الحرية الدينية.
وكان يكون مثيراً للدهشة حقاً لو لم تكن المسائل الدينية مثار جدل في المناسبات الكثيرة، حيث كان يلتقي الصليبيون بالمسلمين لقاء ودياً أثناء المهادنات الكثيرة، لا سيما إذا عرفنا أن الدين نفسه هو الذي أتى بالصليبيين إلى الأراضي المقدسة وحملهم على شن هذه الحروب الدائمة. بل إن علماء اللاهوت المسيحي، حين أدى اختلاطهم بالمسلمين اختلاطاً شخصياً إلى تكوين رأى أكثر إنصافاً عن ديانة المسلمين، وزعزع الارتباط بأساليب التفكير الحديثة أفكار الناس، وأثار ألوان الزندقة، فليس بغريب أن ينجذب كثيرون إلى حظيرة الإسلام.
وكان عدد المرتدين (عن المسيحية) في القرن الثاني عشر الميلادي كثيراً كثرة نلاحظها في سجلات الصليبيين القانونية التي يطلق عليها “مجالس قضاء بيت المقدس Assises of Jerusalem والتي لم تقبل بموجبها كفالتهم في حالات معينة.
وقد لا يكون من الممتع أن نعرف من هم هؤلاء المسلمون الذين توفروا على كسب هؤلاء الذين تحولوا إلى الإسلام، ولكن يظهر أنهم لم يخلفوا سجلاً بأعمالهم. على أننا نعلم أن صلاح الدين العظيم نفسه، كان على رأسهم، وهو الذي وصفه كاتب سيرته بأنه قدم محاسن الإسلام بين يدي ضيفه المسيحي، وحثه على اعتناقه.
ويظهر أن أخلاق صلاح الدين وحياته التي انطوت على البطولة قد أحدثت في أذهان المسيحيين في عصره تأثيراً سحرياً خاصاً، حتى أن نفراً من الفرسان المسيحيين قد بلغ من قوة انجذابهم إليه أن هجروا ديانتهم المسيحية وهجروا قومهم وانضموا إلى المسلمين، وكذلك كانت الحال، عندما طرح النصرانية مثلاً فارس إنجليزي من فرسان المعبد؛ يدعى روبرت أوف سانت ألبانس Robert of St. Albans في سنة ١١٨٥ م، واعتنق الإسلام ثم تزوج بإحدى حَفيدات صلاح الدين.
وبعد عامين غزا صلاح الدين فلسطين وهزم الجيش المسيحي هزيمة منكرة في واقعة حطين، وكان جوىGuy ملك بيت المقدس بين الأسرى، وحدث في مساء المعركة أن ترك الملك ستة من فرسانه قد حلت فيهم روح شريرة، وفروا إلى معسكر صلاح الدين حيث أسلموا بمحض إرادتهم.
ويظهر أن صلاح الدين كان قد تفاهم في الوقت نفسه مع ريموند الثالث Raymond III، كونت طرابلس الشام، على أن يوعز إلى أتباعه بترك العقيدة المسيحية والتحول إلى جانب المسلمين، ولكن موت هذا الكونت المفاجئ قد وقف بصورة فعالة في سبيل هذه الخطة.
وقد حفز سقوط بيت المقدس والانتصارات التي أحرزها صلاح الدين في الأراضي المقدسة أهل أوروبا للقيام بالحرب الصليبية الثالثة، التي كان أهم أحداثها حصار عكا (١١٨٩ – ١١٩١م). وإن ما تعرض له الجيش المسيحي من آلام مروعة، من جوع ومرض، قد دفع الكثيرين منهم إلى الفرار والتماس ما يخلصهم من ألم الجوع في معسكر المسلمين. ومن هؤلاء الفارين كثيرون قد رجعوا مرة أخرى بعد فترة من الزمن إلى جيش الصليبيين، ومنهم كثيرون آثروا أن يسهموا بنصيب مع المسلمين، فالتحق فريق منهم بخدمة أعدائهم السابقين، ولكنهم ظلوا على ولائهم للدين المسيحي، وقد علمنا أنهم كانوا راضين كل الرضى عن سادتهم الجدد، على حين اعتنق آخرون الإسلام وأصبحوا قوماً صالحين.
وكذلك سجَّل المؤرخ الذي رافق ريتشارد الأول في هذه الحرب الصليبية، تحوُّل هؤلاء الفارين إلى الإسلام فقال: “وفريق من رجالنا الذين لا نستطيع أن نتحدث عن مصيرهم أو نسمع عنهم دون أن يحز في نفوسنا ألم مرير قد استسلموا لقسوة المجاعة المرة، فتجشموا في سبيل إنقاذ أبدانهم هلاكاً أبدياً لأرواحهم. إذ أنه بعد انقضاء الجزء الأكبر من هذه المحنة تراهم يهجرون بني جلدتهم ويفرون إلى الأتراك فلم يترددوا في أن يصبحوا في زمرة المرتدين، ولكي يطيلوا أعمارهم الموقوتة زمناً قصيراً اشتروا موتاً أبدياً بهذا الكفر الفظيع. أيتها المساومة الملعونة! أيتها الفعلة المخزية التي لا يكفر عنها أي عقاب! أيها الرجل الأحمق الذي يشبه البهائم البله! إنك إن فررت من الموت المحتوم الذي لا مفر من أن يأتي عاجلاً فلن تفر من الموت الأبدي”.
ومنذ ذلك الحين لا نعدم أخباراً عن المرتدين عن المسيحية، فيما كتبه هؤلاء الذين رحلوا إلى الأراضي المقدسة وغيرها من بلاد المشرق. وإن صيغة القسم التي عرضها على القديس لويس أولئك المسلمون الذين أسروه حين طولب بأن يتعهد بأداء ما فرض عليه من الفدية (١٢٥٠ م) كانت من إملاء بعض المسلمين الذين كانوا قسيسين من قبل ثم اعتنقوا الإسلام. وبينما كانت عملية الفداء لا تزال جارية، جاء مرتد آخر، وكان فرنسياً ولد ببروفنز وقدم هدية إلى الملك، وكان هذا الفرنسي قد صحب يوحنا ملك بيت المقدس في حملته على دمياط سنة ١٢١٩ م، وبقي في مصر وتزوج بامرأة مسلمة وصار سيداً يشار إليه بالبنان في تلك البلاد.
وكان خطر الدخول في الإسلام، وهو ما كان يُستهدف له حجاج الأراضي المقدسة، قد شاع أمره في ذلك العصر بصورة واضحة، حتى إن أموري دى لاروش Amaury de la Roche رئيس فرسان المعبد التمس من البابا ونوابه في فرنسا وصقلية في “مذكرة” دونها حوالي سنة ١٢٦٦، أن يمنعوا الفقراء والشيوخ والعاجزين عن حمل السلاح من عبور البحر إلى فلسطين، لأن أمثال هؤلاء الأشخاص كانوا يتعرضون إما للقتل أو الأسر، أو لأن يفتنهم العرب عن دينهم.
ويتحدث لودولف دى سوشم Ludolf de Suchem تنقل في الأراضي المقدسة من سنة ١٣٣٦ إلى سنة ١٣٤١ عن ثلاثة من المرتدين وجدهم في حبرون، وكانوا قد قدموا من أبرشية مندن Minden ودخلوا في خدمة فارس من فرسان وستفاليا، كان السلطان وغيره من أمراء المسلمين يكرمونه ويحترمونه .
ولا شك أن هذه الأخبار المبعثرة، تحمل الدليل على أن تحول المسيحيين إلى الإسلام الذي لم يصلنا عنه أي خبر كان على نطاق أوسع؛ فمن ذلك ما يقال من أن خمسة وعشرين ألفاً من المرتدين عن المسيحية كانوا في مدينة القاهرة حول نهاية القرن الخامس عشر، ولا بد أنه كان هنالك أيضاً كثيرون من هؤلاء المرتدين في مدن الأراضي المقدسة بعد زوال الإمارات اللاتينية في الشرق.
ولكن يظهر أن المسلمين الذين أرخوا هذه الفترة، قد بلغ من شدة انهماكهم في تسجيل مآثر الأمراء وتقلبات الدول أنهم لم يوجهوا عنايتهم إلى التغير الديني الذي طرأ على حياة الأفراد المغمورين، وبقدر ما هدانا إليه البحث فقد كانت ملاحظتهم في تتبع أخبار دخول المسيحيين في الإسلام قليلة كقلة ملاحظتهم في دخول أبناء دينهم في المسيحية. فنحن مضطرون، نتيجة لذلك، أن نعتمد في الوقوف على كل من هذين النوعين من الأحداث، على الكُتاب المسيحيين، الذين نجد أنهم في الوقت الذي أمدونا فيه بأخبار مفصلة تنم على عطف المنتصرين، يحملون شهادة تنطوي على عدم الرضا عن وجود أمثلة من الداخلين في الإسلام، ويصورون بواعث الذين ارتدوا عن دينهم ودخلوا في الإسلام في أحط صورة ممكنة. وربما لم يتسرب إلى ذهن كاتب من هؤلاء الكتاب أن دخول أي مسيحي في الإسلام، عن اقتناع صادق، كان أمراً ممكناً. ولو فرضنا أن مثل هذه الفكرة قد تسربت إلى أذهانهم، لكان من الصعب أن يجازفوا بتعريض أنفسهم لفظاعة العقاب الكهنوتي، بعرضه عرضاً صريحاً .
ومن الأمثلة التي تدل على أن تدوين ما يتعلق بمثل هذا التحول إلى الإسلام كان نادراً، هذه القصة التي أمدنا بها الفيورر همندورف Fürer von Haimendorf الذي كان في القاهرة سنة ١٥٦٥ عن إسلام عالم ألماني، تلقى دراسته بجامعة ليبزج Leipzig قال:
“ولكن بينما كنا نمضي هذا الوقت في القاهرة حدث أن رجلاً يدعى يوستوس ستيفن الألماني، الذي ينتسب إلى هامليننا Hamelensis والذي كان يقيم معنا في بيت واحد، قد أنكر الديانة المسيحية، وقدم نفسه لاعتناق الديانة الإسلامية وإجراء الختان. وكان رجلاً عالماً يقول لنا دائماً إنه درس طويلاً في وتبرج وليبزج، ولكنه لما سُئل عن ذلك الأمر قال إنه الآن يملك روحاً خاصة، ليس في مقدوره أن يفعل أو يفكر بدون وحي منها. ولقد أثار جحود هذا الرجل تفكيرنا كثيراً، والحق أنه دفعنا إلى الفرار. وفي هذا اليوم نفسه طِيف كذلك برجل يهودي في المدينة كان قد اعتنق الإسلام قبل ذلك بأيام قليلة، في موكب من مواكب النصر. وقد أخبرنا بعض الانكشارية أن هذا العمل ذاته سوف يحدث لستيفن نفسه”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
* توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام: تاريخ نشر الدعوة الإسلامية، ترجمة: حسن إبراهيم حسن وآخران، (القاهرة: مكتبة النهضة العربية، 1971م)، ص108 وما بعدها.





