
فاتورة.. قادتني إلى الإسلام!
أكتوبر 30, 2026
مقال رأي أمريكي: المسلمون أصبحوا “الكلمة المحرمة الجديدة” في الخطاب السياسي المتطرف
نوفمبر 1, 2026
دانيال مابوتو – أحد المسلمين الجدد من دولة موزمبيق
اسمي دانيال مابوتو، وأعمل فنيًا لإصلاح أجهزة الراديو في مدينة مابوتو في موزمبيق. لم أختَر هذه المهنة لأنني كنت أحب الإلكترونيات منذ طفولتي، وإنما لأنني اكتشفت في سن مبكرة أنني أملك صبرًا لا يملكه كثيرون. الجهاز الذي يراه صاحبه قطعة خردة، كنت أراه مجموعة من الأسلاك والدوائر التي تخفي عطلًا في مكان ما. وكلما طال بحثي عنه، ازداد إصراري على العثور عليه.
كان لدي محل صغير في شارع جانبي، أضع أمامه طاولة خشبية وكرسيين، وأقضي معظم ساعات النهار بين أجهزة الراديو القديمة ومكبرات الصوت وأجهزة التسجيل. لم يكن العمل يدرّ عليّ مالًا كثيرًا، لكنه كان يمنحني شيئًا أحببته: الهدوء.
لم أكن شخصًا كثير الكلام، وربما لهذا كان الناس يتركون عندي أجهزتهم ويغادرون دون أن يسألوا كثيرًا. لكنني كنت أمتلك عادة غريبة؛ عندما أصلح جهازًا قديمًا، كنت أحب أن أستمع إليه قبل أن أسلمه لصاحبه. ليس لأنني أحتاج إلى اختبار الصوت فقط، وإنما لأنني كنت أستمتع بذلك العالم الصغير الذي يخرج فجأة من صندوق صامت.
في أحد أيام أغسطس، جاءتني امرأة مسنة تحمل جهاز راديو قديمًا ملفوفًا بقطعة قماش. وضعته أمامي وقالت إنه كان لزوجها الراحل، وإنها تريد تشغيله مرة واحدة فقط. سألتها: ”هل تريدين إصلاحه للاستخدام؟“ فقالت: لا. أريد أن أسمع شيئًا مسجلًا عليه“.
فتحت الجهاز وفحصته، فاكتشفت أن الراديو نفسه لا يحتوي على تسجيل. كان جهازًا قديمًا يجمع بين الراديو ومسجل الأشرطة، وكان في داخله شريط صغير عالق. قلت لها إنني سأحاول إخراجه دون إتلافه، فأومأت برأسها وقالت: ”افعل ما تستطيع. لا يهم إن لم يعمل الجهاز، لكن أريد الشريط“.
استغرق الأمر مني أكثر من ساعة. وعندما أخرجت الشريط أخيرًا، وجدته متآكلًا قليلًا، لكنني تمكنت من تنظيفه وإدخاله في جهاز آخر. خرج صوت رجل ضعيف من السماعة. كان يتحدث ببطء، ويتوقف بين الجمل، ثم يكرر بعض الكلمات. لم أفهم كل شيء في البداية، لأن التسجيل كان قديمًا ومشوشًا.
التفتُّ إلى المرأة وقلت: ”هل هذا صوت زوجك؟“
قالت: ”نعم“.
جلست بجانبي. كان الرجل يتحدث عن حياته، وعن أشياء عادية جدًا؛ عمله، سفره، أبنائه، وبعض المواقف التي حدثت معه. ثم قال في نهاية التسجيل جملة جعلت المرأة تضع يدها على فمها وتبكي. لم أسألها عن الجملة. أغلقت الجهاز وقلت لها إنني أستطيع نسخ التسجيل إلى هاتفها إذا أرادت. شكرتني وغادرت.
لكنني بقيت أفكر في شيء لم أفهمه. لماذا يحتفظ الإنسان بصوته على شريط إذا كان يعرف أن أحدًا سيستمع إليه بعد موته؟ ربما لأنه يريد أن يترك شيئًا منه.
في المساء، أغلقت المحل وعدت إلى المنزل. كان السؤال لا يزال في رأسي: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يختفي؟ لم يكن سؤالًا فلسفيًا بالنسبة إليّ في ذلك الوقت. كان مجرد سؤال يور حول فكرة الموت وما بعده!
في اليوم التالي عادت المرأة، ومعها ابنتها. قالت إنهما تريدان مني نسخ التسجيل كاملًا. وافقت، لكنني طلبت منهما أن تعودا في المساء لأنني كنت مشغولًا. وبينما كنت أبحث عن جهاز مناسب لنسخ التسجيل، وجدت شيئًا صغيرًا داخل غطاء الجهاز لم أنتبه إليه من قبل: ورقة مطوية بعناية.
فتحتها. كانت مكتوبة بلغة لم أتعرف إليها. في أعلى الورقة ظهرت عبارة باللغة العربية تقريبًا، وتحتها سطور أخرى بخط يدوي قديم. لم أفهم معناها، لكنني استطعت التعرف إلى الحروف لأنني رأيتها من قبل في بعض الكتب.
عندما عادت المرأة، سألتها عن الورقة. قالت إنها لا تعرف شيئًا عنها، وإن زوجها كان قد احتفظ بها داخل الجهاز منذ سنوات طويلة. قلت: ”هل كان يعرف العربية؟“ فقالت: ”لا أعرف“. ثم أخذت الورقة، قلبتها بين يديها، وقالت: ”ربما كانت تخص شخصًا آخر“. وضعتها أمامي وقالت: ”إذا استطعت معرفة ما فيها، أخبرني“.
في تلك الليلة التقطت صورة للورقة بهاتفي، وبدأت أبحث عن الكلمات التي استطعت قراءتها. كنت فقط أريد أن أعرف ماذا كُتب على الورقة التي ظلت مخبأة داخل جهاز قديم لسنوات!
اكتشفت أن العبارة تتعلق بالله، لكنني لم أفهم السياق كاملًا. بحثت أكثر، ثم وقعت أمامي مقاطع من القرآن. قرأت بعضها. كان أسلوبها مختلفًا عن النصوص الدينية التي اعتدت عليها. لم يكن الكلام موجهًا فقط إلى مجموعة محددة من الناس، بل كان يتحدث عن الإنسان، والخلق، والرحمة، والموت، والحساب، والكون.
أغلقت الهاتف، ثم فتحته من جديد. هذه المرة لم أكن أبحث عن ترجمة كلمة، بل بدأت أبحث عن القرآن نفسه. استمر ذلك عدة أيام. كلما أصلحت جهازًا، كنت أعود إلى هاتفي وأقرأ شيئًا جديدًا. لم أخبر أحدًا بما أفعل، لأنني لم أكن أعرف إلى أين سيقودني هذا الأمر.
ثم بدأت المشكلة!
كنت أجد أفكارًا في القرآن تختلف عن أشياء كنت أؤمن بها، وخصوصًا ما يتعلق بالله. كنت معتادًا على تصور الدين باعتباره مجموعة من الطقوس التي يؤديها الإنسان، لكنني بدأت أجد أن الإسلام يبدأ من سؤال أبسط وأعمق: من هو الله الذي يعبده الإنسان؟
كان السؤال يلاحقني.
وفي أحد الأيام وجدت في التسجيل القديم جملة أخرى لم ألاحظها في المرة الأولى. كان الرجل يتحدث عن الموت، ثم قال إن الإنسان لا يملك أن يختار متى وأين ينتهي عمره، لكنه يستطيع أن يختار ماذا يفعل قبل أن ينتهي.. هذه المرة شعرت بشيء مختلف.
الرجل مات، والمرأة كانت تستمع إلى صوته لأنها لا تريد أن تفقد آخر شيء بقي منه، وأنا كنت أصلح أجهزة الناس كل يوم وأعيد إليها أصواتًا توقفتْ منذ سنوات.
لكن ماذا عني؟! ماذا سأترك أنا عندما ينتهي كل شيء؟! بدأ السؤال يتحول من فضول إلى قلق حقيقي!
في مساء أحد الأيام، لم أستطع مواصلة العمل. أغلقت المحل مبكرًا، وعدت إلى البيت، وجلست أمام الهاتف. بحثت عن جهة يمكنني أن أسألها عن الإسلام دون أن أضطر إلى الدخول في نقاش مع أشخاص أعرفهم.. وصلت إلى ”مشروع بصيرة“، وعرفت من صفحتهم على الفيس بوك، أنه مشروع متخصص في دعوة غير المسلمين إلى الإسلام من غير الناطقين بالعربية. كتبتُ لهم رسالة قصيرة: ”وجدت ورقة باللغة العربية داخل جهاز قديم، وبدأت بسببها أقرأ عن الإسلام. لديّ أسئلة كثيرة ولا أعرف من أين أبدأ“.
جاءني الرد من أحد المحاورين. لم يطلب مني أن أروي له قصة حياتي، ولم يبدأ بإرسال عشرات الروابط. سألني ببساطة: ”ما أول سؤال تريد أن تجد له جوابًا؟“ نظرت إلى الشاشة طويلًا، ثم كتبت: لماذا يقول الإسلام إن الله واحد؟“ وبدأنا من هناك.
تحدثنا عن التوحيد، لكن الحوار لم يكن يشبه المحاضرات. كنت أطرح فكرة، وهو يناقشها. أقول إنني لا أفهم، فيعيد شرحها من زاوية أخرى. أسأل عن المسيحية، وعن معنى النبوة، وعن القرآن، وعن سبب نزوله، ثم نعود إلى السؤال الأول.
في مرحلة معينة قلت له: ”أشعر أنني بدأت من ورقة صغيرة وانتهيت أمام أسئلة أكبر من حياتي كلها“. قال: ”أحيانًا لا تكون المشكلة في حجم السؤال، وإنما في أننا قضينا سنوات نتجنب طرحه“. كانت الجملة دقيقة إلى درجة أزعجتني.
قلت له: ”هل تعتقد أن الإنسان يحتاج إلى الدين حتى يعرف أن حياته لها معنى؟“
قال: ”ليس السؤال هل يستطيع الإنسان أن يصنع لنفسه معنى، بل هل المعنى الذي يصنعه الإنسان بنفسه يبقى صحيحًا إذا لم يكن هناك خالق للحياة أصلًا“! سكتُّ.. كان هذا هو السؤال الذي كنت أتجنبه!
إذا لم يكن هناك خالق، فلماذا يجب أن يكون للموت أي معنى؟ ولماذا تكون الرحمة أفضل من القسوة؟ ولماذا يكون وجودي أكثر من مجرد فترة قصيرة بين عدمين؟
تحدثنا طويلًا عن هذه النقطة، ثم انتقل الحوار إلى القرآن نفسه. أخبرني المحاور أنني لا ينبغي أن أبني إيماني على تأثير عاطفي لورقة عثرت عليها داخل جهاز قديم، وأن عليّ أن أنظر إلى الإسلام باعتباره رسالة كاملة وأبحث في أصلها ومحتواها.
أعجبني ذلك. قلت له: ”إذن الورقة ليست دليلًا على أن الإسلام صحيح؟“ قال: ”لا. الورقة مجرد سبب قدري دفعك إلى البحث. أما الحقيقة فتحتاج إلى أن تبحث عنها بنفسك، تعامل معها على أنها رسالة لك“. كانت تلك أكثر إجابة احتجتها في تلك اللحظة.
حاولت أن أقرأ القرآن وأبحث عن تفسير الآيات في تلك الليلة، لكنني هذه المرة لم أقرأ بحثًا عن شيء غامض أو مثير. قرأته وأنا أسأل نفسي: هل أستطيع أن أصدق أن هذا الكلام من عند الله؟
مع مرور الساعات بدأت أفهم أن السؤال لم يعد عن الورقة، ولم يعد عن الرجل الذي مات، ولم يعد حتى عن خوفي من الموت. كان السؤال عن خالق هذا الكون!.
في آخر الليل قلت للمحاور: ”أريد أن أسألك شيئًا، لكنني أخشى أن يكون قراري متسرعًا“. قال: ”اسأل“. قلت: ”إذا اقتنعت أن الإسلام حق، هل أحتاج إلى تعلم كل شيء عن الإسلام قبل أن أصبح مسلمًا؟“ قال: ”لا أحد يعرف كل شيء قبل أن يبدأ الطريق. المطلوب أن تؤمن بما اقتنعت بحقيقته، ثم تتعلم ما تجهله وأنت على الطريق“.
اطمأن قلبي لرده! ثم قلت: ”أعتقد أنني وصلت إلى ذلك“.
شرح لي معنى الشهادتين وأنها هي بوابة الطريق، ولم يطلب مني أن أردد شيئًا قبل أن أفهم معناه. قرأتهما مرة، ثم مرة أخرى، وبعد ذلك نطقت بهما.
لم تكن هناك عائلة حولي، ولا أصدقاء، ولا مشهد احتفالي. كنت جالسًا وحدي في غرفتي، والهاتف أمامي، والورقة القديمة بجانبي. لكنني لم أشعر بالوحدة. بعد أن انتهيت، فتحت صورة الورقة مرة أخرى. كانت العبارة التي لم أفهمها قبل أسابيع تتحدث عن الله بطريقة لم أكن أفهمها حين رأيتها لأول مرة. ابتسمت! لم تعد الورقة هي الشيء المهم. أغلقت الهاتف، ووضعت الصورة في مجلد خاص، ثم أطفأت النور.
في صباح اليوم التالي، عادت المرأة إلى المحل لتستلم التسجيل. أعطيتها هاتفها بعد أن نقلت إليه الملف كاملًا. وقبل أن تغادر، أخرجت الورقة من جيبي وقلت لها: ”أعتقد أنني عرفت الآن ما هذه“. نظرتْ إليّ باستغراب.
قلت: ”إنها كلمات عن الله خالق هذا الكون!“. سألتني: ”هل عرفت من كتبها؟“ قلت: ”لا“. ثم ترددت لحظة، وأضفت: ”لكنها كانت سببًا جعلني أبحث عن شيء لم أكن أبحث عنه“. لم تفهم تمامًا ما أقصد. وربما لم يكن عليها أن تفهم. أخذت الورقة، ووضعتها مع أغراض زوجها، ثم شكرتني وغادرت.
ومنذ ذلك اليوم، كلما تسلمّتُ جهازاً قديماً لا يعمل، لا أفكر فقط في الأسلاك والدوائر والقطع التالفة. أتذكر أن بعض الأشياء قد تبقى صامتة سنوات طويلة، ثم يأتي يوم تُعاد فيه الحياة إلى صوتها. أما أنا، فقد كنت أظن أنني أصلح أجهزة الناس. ثم اكتشفت أنني، من دون أن أدري، كنت أبحث عن شيء يصلحني أنا من الداخل، ويصلح علاقتي أنا بالحياة.
ولم تكن الورقة هي التي هدَتني، هي فقط جعلتني أفتح الباب الذي ظللت سنوات طويلة أمرّ بجواره دون أن أفكر في فتحه. كانت الورقة رسالة لي من الله وسبباً لهدايتي إلى الإسلام. سبحان الله الذي فتح قلبي للإسلام من بين كل هؤلاء الناس! هذه والله نعمة ما بعدها نعمة! نعمة إذا وضعت في كفة، والدنيا في الكفة الأخرى، لرجحت كفة نعمة الإسلام!
فاللهم لك الحمد على نعمتك وجميل عطائك.





