
حماية (المدنيين) بين الإسلام والقانون الدولي (2)
ديسمبر 13, 2025
عظمة أبي بكر الصديق
ديسمبر 15, 2025أ.د خير الدين خوجة الكوسوفي
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في البلقان
تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً، والصلاة والسلام على البشير الهادي أرسله الله سراجاً منيراً، وعلى آله وأصحابه نجوم الهدى الذين رضي الله عنهم وطهرهم تطهيراً، وبعد:
فقد سار الركبان بذكر مؤلفات واجتهادات وفتاوى الإمام المجدد العلامة يوسف القرضاوي رحمه الله، ومن بين هؤلاء مسلمو وعلماء البلقان. فقد تشرف بقراءة ومطالعة وترجمة كتبه علماء البوسنة والألبان. ومن بين مؤلفات الإمام العلامة مصنفه الفريد: كيف نتعامل مع القرآن.
لقد أنزل الله عز وجل القرآن الكريم ليكون للناس هدى ونوراً، منهجاً ودستوراً، نتقرب إليه سبحانه بتلاوة كتابه وحفظه، وتدبره وتفسيره، والعمل به والدعوة إليه. وقد فهم الجيل الأول القرآن على فطرته وسليقته دون حاجة إلى معرفة للقواعد اللغوية العربية أو العلوم المعنية بحسن وضبط فهم القرآن الكريم؛ كعلم أسباب النزول والمحكم والمتشابه والمكي والمدني والأحرف السبعة وأول ما نزل وآخر ما نزل والعام والخاص والمطلق والمقيد..إلخ. هذه هي حقيقة وشأن الجيل الأول الذين عاصروا نزول القرآن الكريم، فهم عرب خُلّصٌ وأقحاح والقرآن نزل بسليقتهم ومعهودهم اللغوي العربي المبين لا عوج فيها، ولا يُفهم هذا الكتاب الإلهي المنزل إلا وفق قواعد وأساليب هذه اللغة كما أكد الإمام الشاطبي في (الموافقات). وقد أكد الله عز وجل هذه الحقيقة قائلاً: ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِیلُ رَبِّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ * نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِینُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِینَ * بِلِسَانٍ عَرَبِیࣲّ مُّبِینࣲ﴾ [الشعراء: 192-195].
ومع اتساع رقعة الفتوحات الإسلامية في القرون الأولى ودخول الأعاجم في الإسلام بدأ الخطأ واللحن يتسرب شيئاً فشيئاً على ألسنة الناس؛ مما تسبب في ظهور انحرافات القراءة والفهم للنص القرآني، فانتبه العلماء لهذه الظاهرة السلبية واستدركوا بوضع هذه الأصول والعلوم لفهم القرآن الكريم حق الفهم، وحمايته من سوء الفهم حتى لا يقع الناس في المغالطات العقدية والأخلاقية والفكرية، وأصبحت هذه العلوم بمثابة العواصم من الوقوع في القواصم والمهلكات والمضللات، والميزان الدقيق الذي توزن به أفهام الناس ويُعرَف بها الفهم الصحيح المقبول من الفهم السقيم المرذول. واستمرت هذه العلوم عبر القرون إلى القرن الحادي والعشرين.
ومع عيشنا في ظلال هذه العلوم تعلماً وتعليماً في كليات الشريعة والدراسات الإسلامية في بعض الجامعات العالمية في الوطن العربي والإسلامي، رأينا كثيراً من الطلاب والطالبات لا ينجذبون نحو علوم القرآن الكريم ولا يتأثرون بها في حياتهم العادية؛ من حيث التطبيق العملي لها والالتزام بمضامينها التي هي روح القرآن الكريم والمقصد الأساسي من نزوله.
لقد ضقت ذرعاً من هذه السردية لهذه العلوم النظرية وأنا أعدّ توصيفات مقررات علوم القرآن والتفسير التحليلي والموضوعي لكل فصل دراسي. وبعد العيش في هذه الحالة رأيت ضرورة تطوير توصيف محتويات مقررات علوم القرآن الكريم، فأضفتُ مباحث تمس الجانب العملي والأخلاقي في بعض جزئيات المقرر. ومما دفعني إلى هذا التطوير في محتوى المقررات المتعلقة بعلوم القرآن والتفسير هو أني كنت قد قرأت وحللت ولخصت كتاب الإمام القرضاوي رحمه: (كيف نتعامل مع القرآن الكريم) ومن شدة تأثري بهذا الكتاب لخّصته قبل خمسة وعشرين عاماً وأنا طالب في مرحلة الماجستير في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، قسم القرآن والدراسات القرآنية.
هذا الكتاب العظيم لإمامنا الجليل يوسف القرضاوي رحمه الله أحدث عندي نقلة نوعية في فكري ومنهجي العلمي والعملي، كمسلم وكأستاذ للقرآن الكريم وعلومه، في كيفية التعامل مع القرآن. إمامنا الجليل وضع أمام المسلمين جميعاً ودارسي القرآن الكريم خاصة، خريطة واضحة قابلة للتطبيق العملي المنهجي الشامل.
ويمكننا تلخيص معالم الطريق للتعامل الأمثل مع القرآن الكريم في الآتي:
واجب الحفظ، والتلاوة، وواجب التدبر، والتفسير، وواجب العمل به، والدعوة إليه، وأضاف الإمام الجليل يوسف القرضاوي واجب المحبة والتقدير للقرآن الكريم، حتى ننجح في الواجبات الستة السابقة، لأننا دون عزيمة قوية وإرادة راسخة لن نكون قادرين على إنجاز تلك الواجبات السابقة.
وبناء على هذه الرؤية التجديدية لدى الإمام القرضاوي طوّرتُ المقررات الدراسية، وأدرجت في مباحثها ومطالبها الجانب النظري والجانب العملي للمقرر، وكانت النتائج مثمرة بحمد الله وتوفيقه.
وفي ختام هذه المقالة فإن هذه المحاور التجديدية السبعة التي أشار إليها إمامنا الجليل، لها أبعاد ودلالات نفسية وعلمية ومنهجية واجتماعية وسياسية عالمية. وللحديث عن هذه الأبعاد لعلنا نخصص مقالات أخرى، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.





