
نحو قراءة حركية معاصرة لعلوم القرآنالإمام القرضاوي أنموذجاً
ديسمبر 14, 2025
رِدة ولا أبا بكر لها
ديسمبر 15, 2025محمد حسين هيكل
الأديب والسياسي المصري المعروف، رحمه الله*
يؤرخ العالم الإسلامي كله بهجرة النبي العربي من مكة إلى المدينة. والسر في اختيار هذا الحادث العظيم مبدأ للتاريخ الإسلامي أنه مبدأ نصر الله رسوله على الذين حاربوا دعوته في البلد الحرام ثم مكروا به ليقتلوه. وكان الصديق أبو بكر هو وحده صاحب رسول الله في هذه الهجرة. ولما مرض رسول الله مرضه الأخير، فلم يقوَ على الصلاة بالمسلمين، أمر أبا بكر أن يقوم في الصلاة بهم مقامه، ولم يرضَ أن يقوم عمر بن الخطاب هذا المقام.
وإنما اختار النبي أبا بكر ليصحبه في الهجرة. وليصلي بالمسلمين مكانه، لأن أبا بكر كان أول المسلمين إيماناً بالله ورسوله، وأكثرهم في سبيل إيمانه تضحية. ولأنه حرص منذ أسلم على معاونة النبي في الدعوة لدين الله وفي الدفاع عن المسلمين، ولأنه كان يؤْثر النبي على نفسه، ويقف إلى جانبه في كل موقف؛ ثم إنه كان، إلى قوة إيمانه، من أدنى الناس إلى كمال الخلق، ومن أحب الناس إلى الناس وأكثرهم إلفاً لهم ومودة.
لا عجب وذلك بعض شأنه أن يبايعه المسلمون خليفة لرسول الله. ولا عجب وتلك مواقفه أن ينصر الإسلام وينشر ظل الله في الأرض، فيكون التأريخ له مبدأ التأريخ للإمبراطورية الإسلامية التي امتدت من بعد في الشرق وفي الغرب، إلى الهند والصين في آسيا، وإلى مراكش والأندلس في أفريقيا وأوربا، والتي وجّهت الحضارة الإنسانية وجهة لا يزال العالم متأثراً بها إلى اليوم.
ولقد جال بخاطري، مذ فرغت من كتابيّ (حياة محمد) و(في منزل الوحي)، أن أقوم بدراسات في تاريخ هذه الإمبراطورية الإسلامية، وفي أسباب عظمتها وانحلالها. وإنما أغراني بالتفكير في هذا الأمر أن الإمبراطورية الإسلامية كانت أثراً لتعاليم النبي العربي وسنته. أما وقد درست حياته ﷺ، ورأيت نتائج هذه الدراسة جديرة بأن تهدي الإنسانية طريقها إلى الحضارة التي تنشدها، فإن في دراسة هذه الإمبراطورية وأطوارها ما يزيدنا قدراً للتأسي بالرسول وتعاليمه، وما ييسر لنا حظاً جديداً من العلم بهذه الحياة الباهرة الجلال يزيد العلماء اقتناعاً بما دعوت إليه من إمعان البحث فيما تنطوي عليه من حقائق نفسية، وأخرى روحية، ما يزال العلم يقف بوسائله حائراً دونها، لا يستطيع أن يثبتها بأدلته، ولا يستطيع مع ذلك أن ينفيها، وهي من بعد قوام سعادة الإنسان في الحياة ومقوم سلوكه فيها.
وأغراني بهذا التفكير كذلك ما أعتقده من أن معرفة الماضي هي وحدها التي تطوع لنا تصوير المستقبل وتوجيه جهودنا أثناءه إلى الغاية الجديرة بالإنسانية. فالماضي والحاضر والمستقبل وحدة لا سبيل إلى انفصامها. ومعرفة الماضي هي وسيلتنا لتشخيص الحاضر، ولتنظيم المستقبل؛ كما أن معرفة الطبيب ماضي مريضه خير وسائل التشخيص والعلاج.
والحاضر الذي تمخضت عنه الإمبراطورية الإسلامية يتناول بنوع خاص كل الشعوب التي تتكلم العربية، وتؤمن لذلك بأنها تمت لأهل شبه الجزيرة بصلة ونسب. ومصر مركز الدائرة من هذه الشعوب: تمتد حولها فلسطين وسوريا والعراق إلى الشرق، وطرابلس وتونس والجزائر ومراكش إلى الغرب. ويتناول هذا الحاضر بنوع عام جميع الشعوب التي تدين بالإسلام في آسيا وأفريقيا وأوربا. لا جرم وماضي الإمبراطورية الإسلامية يربط على الزمان هذه الأمم والشعوب كافة أن تكون دراسته موضع عنايتها جميعاً، وأن يرى كل منها صورته إلى أربعمائة وألف سنة خلت ماثلة في هذه الدراسة، وأن يتعرف من طريقها الأسباب التي أدت إلى ما أصاب هذه الصورة من شوه أو فساد، وأن يلتمس الوسيلة من طريق هذا التعرف لرد الصورة إلى جلالها الأول وبهائها المضئ.
وإني لأفكر في هذه الأمور وفيما يتصل بها إذ رغب إليّ جماعة ممن أبدوا الرضا عن (حياة محمد) أن أتناول حياة خلفائه الأولين بالبحث، وأن أفرد لطائفة من أبطال المسلمين في العهد الأول تراجم مستفيضة، أسجل في كل واحدة منها سيرة واحد من هؤلاء الأبطال. ولئن أرضى مطلب هؤلاء الأصحاب نفسي وتملق رضاي عنها لقد أشفقت عليها مما طلبوا؛ فهو أمر يقصر دون إتمامه الجهد، وتنوء بإحسانه جماعة متضافرة.
وكانت الترجمة لعمر بن الخطاب، مما أكثر الحديث فيه قوم رأوا سيرة الفاروق غرة في جبين التاريخ الإسلامي. قلت عند ذلك في نفسي: ومالي لا أبدأ بسيرة الصديق فأدرُسها وأعرضها على النحو الذي عرضت به (حياة محمد)!
لقد كان أبو بكر صفي محمد وخليله، وكان أكثر أصحابه اتصالاً به، وكان لذلك أكثرهم تتبعاً لتعاليمه وامتثالاً إياها. وهو بعد رجل رقيق الخلق، رضيّ النفس، وإليه ينتسب عشرات الألوف ومئاتها من المسلمين المنتشرين في أنحاء الأرض. ثم إنه، إلى رفقه ورقته، هو الخليفة الأول، وهو الذي أقر الإسلام حين حاول المرتدون من العرب أن يقوّضوا ركنه أو يثلموا متنه، كما أنه هو الذي مهّد للفتح وللإمبراطورية. فلعلي، إذا وفقت لتدوين سيرته على النحو الذى أرجو، أكون قد عبّدت الطريق لكتابة تاريخ هذه الإمبراطورية كله أو بعضه، فأبلغ بذلك ما يريد الله أن أبلغه من هذا الغرض العظيم، وأمهد السبيل لمن شاء أن يتمه أو يأخذ فيه من جديد على نحو أدنى إلى الكمال.
ولو أني قرَّ بي الجهد عند سيرة أبي بكر لكفاني ذلك ولاغتبطت به. وحسبك أن تتلو ما حدث في عهد الخليفة الأول لتسكن إليه وتستقر عنده. إن فيما رواه المؤرخون من وقائع هذا العهد لما ينطوي على عظمة نفسية تثير الدهشة، بل الإعجاب، بل الإكبار والإجلال، وأخشى أن أقول إنها تدعو إلى التقديس. أنت لا ترى هذه المعانى مصورة في أيَّ من الكتب الأولى؛ لكن روايتها للحوادث تبرزها وإن لم تنطق بها، وتجلوها بينة واضحة وإن لم تذكرها ولم تحدِّث عنها.
فهذا الرجل الوديع السمح الأسيف السريع إلى التأثر وإلى مشاركة البائس في بؤسه، والضعيف في ضعفه، تنطوي نفسه على قوة هائلة لا تعرف التردد ولا الإحجام، وعلى قدرة ممتازة في بناء الرجال، وفي إبراز ملكاتهم ومواهبهم، وفي دفعهم إلى ميادين الخير العام ينفقون فيها كل ما آتاهم الله من قوة ومقدرة.
أين كانت هذه العبقرية التي انطوت عليها نفس أبي بكر أثناء حياة الرسول؟
عدت بالذاكرة إلى سيرة أبي بكر قبل خلافته، واستحضرت مواقفه من رسول الله، فبدت لي في ثوب جديد من الجلال تحيط بها هالة من عظمة تواضعت إلى جانب عظمة الرسول وجلاله؛ لكنها برزت أمامي بكل بهائها وجلالها حين قرنت صاحبها إلى سائر أصحاب رسول الله ومن اتبعه من المسلمين. فأين مواقفهم، على جلالها وعظمتها، من مواقفه أول الرسالة، وحين كانت قريش تنال رسول الله بالإساءة والأذى، وحين كان حديث الإسراء، وأول الهجرة، وفي مكافحة دسائس اليهود بيثرب؟!! إن كل موقف من هذه المواقف لكفيل وحده بأن يؤرخ لرجل وأن يثبت اسمه في كتاب الخلود وعظمة أبي بكر مع ذلك هي العظمة الصامتة التي تأبى أن تتحدث عن نفسها. لأنها عظمة الروح وعظمة الإيمان الحق بالله وبما أوحى إلى رسوله ﷺ.
ثم ماذا؟!
ثم إن رواية الحوادث في عهد أبى بكر تشهد له بحسن الرأي وبعد النظر. فهو حين يفكر في غزو الفرس وفي غزو الروم أول ما اطمأن إلى موقف المسلمين من حروب الردة في بلاد العرب، قد رأى في مبدأ المساواة الذي جاء الإسلام به قوة جديدة لا تستطيع فارس ولا تستطيع بيزنطة أن تواجهها. فهذا المبدأ جدير بأن تهوي إليه نفوس الناس جميعاً في هاتين الإمبراطوريتين اللتين قامتا على حكم الفرد وعلى نظام الطوائف وعلى التفاوت بين الناس. ليكن لكل من الإمبراطوريتين ما تشاء من عدد وعدة، فإن فكرة المساواة والعدل أقوى من كل قوة. والحكم القائم على أساس هذه الفكرة جدير بأن يكسب الناس إليه ما كان الإنصاف أساسه. لذلك لم يصد أبا بكر عن غزو العراق وغزو الشام ما كان من اختلاف طائفة من كبار الصحابة معه في الرأي، بل أمر بهذا الغزو مطمئناً إلى أن الله معينه وناصره. ولذلك نصح إلى من بعثهم على رأس هذا الغزو أن يتمسكوا بالمساواة وبالإنصاف والعدل لا يحيدون عنها قيد أنملة.
تتجلى هذه المعاني واضحة كل الوضوح من خلال الحوادث التي رواها المؤرخون الأولون عن هذا العهد القصير العظيم الذي تولى الصديق فيه أمر المسلمين، ويزيد ما كتبه المستشرقون بعض هذه المعاني وضوحاً بما أوردته كتبهم من ملاحظات، وما حاولت أن تفسر به بعض الحوادث.
وهذه المعاني هي التي تجعل هذا العهد القصير خليقاً أن يفرد له سفر مستقل يصور ذاتيته الخاصة وتكوينه التام. وأنا أقصد ما أقول حين أذكر أن عهد الصديق له ذاتيته الخاصة وتكوينه التام فهو، على اتصاله بعهد الرسول قبله و بعهد عمر بعده، يمتاز بطابع يشخّصه.
فعهد الرسول كان عهد وحي من عند الله، أكمل الله به للناس دينهم، وأتم عليهم نعمته، ورضي لهم الإسلام ديناً. وعهد عمر كان عهد تنظيم للحكم الذي استقرت قواعده، وللإمبراطورية التي تفتحت أبوابها. أما عهد أبي بكر فكان فترة الانتقال العصيبة الدقيقة التي تربط بين هذين العهدين، وتتميز مع ذلك عن كل منهما، بل تتميز عن كل عهد عرفه الناس في تاريخ الحكم واستقراره، وفي تاريخ الأديان وانتشارها.
في هذه الفترة الدقيقة صادفت أبا بكر صعاب بلغت من الشدة أن أثارت مخاوف المسلمين جميعاً في أول عهده. فلما تغلب بفضل إيمانه عليها، وأمده الله بالتوفيق والنصر فيما تلاها، تولى عمر بن الخطاب سياسة المسلمين، فدبر أمورهم، وأقام بينهم عدلاً وطد قواعد ملكهم، وجعل دول العالم تدين طائعة لسلطانهم.
أثارت الصعاب التي صادفت أبا بكر مخاوف المسلمين. ذلك لأن الوحدة العربية التي تمت في عهد الرسول لم تلبث أن اضطربت حين وفاته. بل لقد بدأت نُذر هذا الاضطراب قبل أن يختار الله رسوله إليه. تنبأ مسيلمة بن حبيب باليمامة وبعث رسله إلى النبي بالمدينة يقولون له إن مسيلمة نبي مثله: “وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشاً قوم لا يعدلون”.
وتنبأ الأسود العنسي باليمن وادعى السحر، وجعل يدعو الناس إليه خفية، حتى إذا عظم أمره سار من الجنوب وطرد عمال محمد، وتقدم إلى نجران ونشر في تلك الأصقاع سلطانه؛ وبعث محمد إلى عماله باليمن كي يحيطوا بالأسود أو يقتلوه. هذا إلى أن العرب الذين آمنوا بالتوحيد ونبذوا عبادة الأوثان لم يدر بخاطر أحدهم أن تعقب وحدتهم الدينية وحدة سياسية؛ بل إن كثيراً منهم راجعهم الحنين إلى عقائدهم الأولى، فلم يلبثوا حين علموا بوفاة رسول الله أن ارتدوا عن دين الله، وأن أعلن أكثر القبائل عدم الإذعان لسلطان المدينة، وعدّوا الزكاة إتاوة مفروضة فامتنعوا من أدائها.
استطارت هذه الثورة عقب وفاة الرسول في بلاد العرب جميعاً بسرعة مروعة كما تستطير النار في الهشيم. وبلغت أنباؤها أهل المدينة ممن حول أبي بكر بعد أن بايعوه، فتولاهم الدهش واختلفوا ما يصنعون. وكان رأي قوم، بينهم عمر بن الخطاب، ألا يقاتلوا الذين منعوا الزكاة ما داموا يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله. ولعلهم أرادوا بذلك ألا يزيدوا عدد عدوهم فيتغلب عليهم، ولم يعدهم الله ما وعد رسوله من النصر، وليس ينزل الوحي على أحد منهم بعد أن اختار الله إليه خاتم الأنبياء والمرسلين. لكن أبا بكر أصر على قتال من منعوا الزكاة كما أصر على قتال من ارتدوا، فكانت حروب الردة التي استطالت عاماً وبعض عام.
ولم تكن حروب الردة غزوات اشتبك فيها بضع مئين من جيش الخليفة وبضع مئين من خصومه، بل كانت بعضها طاحنة اشترك فيها عشرات الألوف من كل جانب، وقتل فيها المئات بل الألوف من هؤلاء ومن أولئك، ثم كان لها في تاريخ الإسلام أثر حاسم. ولو أن أبا بكر نزل على رأي من لم يريدوا هذه الحروب لساد الاضطراب بلاد العرب، ولما قامت الإمبراطورية الإسلامية.
ولو أن جيوش أبي بكر لم تنتصر في هذه الحروب لكانت العاقبة أدهى وأمر، ولتغير في الحالين مجرى التاريخ في العالم كله. لذلك لا يكون غالياً من يقول إن أبا بكر، بموقفه من ردة العرب، وبانتصاره فيها، قد وجّه تاريخ العالم، وكان يد الله في بعث الحضارة الإنسانية خلقاً جديداً.
فلولا انتصار أبي بكر في حروب الردة لما بدأ غزو العراق وغزو الشام، ولما سارت جيوش المسلمين مظفرة تفتح الإمبراطوريتين الرومية والفارسية لتقيم الإمبراطورية الإسلامية على أنقاضهما، ولتُحل الحضارة الإسلامية محل حضارتيهما. ولولا حروب الردة، واستشهاد من استشهد من الصحابة لإحراز النصر فيها، لخيف ألا يسارع عمر فيشير على أبي بكر بجمع القرآن. وهذا الجمع هو الذي أدى إلى توحيد القراءة بلغة مُضَر في عهد عثمان، فظل كتاب الله الكريم أساساً ثابتاً لكلمة الحق، ودعامة متينة للحضارة الإسلامية. ولولا نصر الله المسلمين في حروب الردة لخيف ألا يقر أبو بكر نظام الحكم في المدينة ليقيمه عمر من بعده على أساس من الشورى، سَداه العدل والرحمة، ولحمته البر والتقوى.
هذه أحداث جليلة تمت في فترة قصيرة لم تعدُ سبعة وعشرين شهراً. ولعل قصر هذه الفترة هو الذي دعا بعضهم إلى أن يتخطاها إلى عهد عمر، ظناً منهم أن أشهراً معدودات لا تتسع لعظائم تغير وجه العالم. ولو أن هؤلاء ذكروا أن الثورات التي نقلت الإنسانية أطواراً تمت كلها في مثل هذه الفترة، وأن العالم جعل يمتثل مبادئ هذه الثورات بعد ذلك شيئاً فشيئاً ويفيد منها لرقي الإنسانية في توجهها إلى الكمال، لما سارعوا إلى الانتقال من عهد الثورة الروحية التي أعلنها رسول الله في العالم كله إلى الإمبراطورية المترامية الأطراف التي دانت لهذه الثورة، دون أن يقفوا مليّاً عند هذه الفترة التي حاول العرب فيها أن يقوموا برد الفعل في وجه ما جاء محمد به، شأنهم في ذلك شأن الناس في كل زمان ومكان، إذ يحاربون المبادئ الجديدة، يحاولون إطفاء نورها، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
كيف استطاع أبو بكر أن يواجه الصعاب التي استفتحت عهده، وأن يثبت لها ويتغلب عليها، وأن يبدأ التمهيد للفتح وللإمبراطورية وهذه الصعاب قائمة؟ لقد كان لصفاته الذاتية أثر كبير في ذلك لا ريب. لكن هذه الصفات وحدها ما كانت لتبلغ به ما بلغ لولا صحبته الرسول عشرين سنة كاملة. ولذا يُجمع المؤرخون على أن عظمة الصديق في خلافته تتصل بعظمته في صحبة الرسول أوثق اتصال. فهو قد أُشرب أثناء هذه الصحبة روح الدين الذي جاء به محمد، وأدرك مقاصده وأغراضه كاملة إدراك إلهام لا يتطرق إليه الخطأ ولا الريب. ومما أُشربه وأدركه بإلهامه أن الإيمان قوة لا يغلبها غالب ما تنزه المؤمن عن كل غرض إلا ابتغاء الحق لوجه الحق وحده.
هذه حقيقة روحية أدركها كثيرون في عصور شتى، لكنهم أدركوها بعقولهم. أما أبو بكر فأدركها بقلبه، ورآها بعينه ماثلة في رسول الله ﷺ وفي عمله.





