
منظمات مسلمة ومناهضة للعنصرية تندد بقرار البرلمان الأوروبي بشأن ما تسميه “مكافحة التسلل الإسلامي”
أكتوبر 10, 2026
بريانكا غاندي: الهند لم تعد ديمقراطية وتدار كـ”ديكتاتورية” بقيادة مودي
أكتوبر 11, 2026بقلم: أ.د. جمال بن عمار الأحمر الأنصاري – سفير هيئة أنصار النبي ﷺ في الجزائر
أقوام من الأوائل خصوا الشعر بإله يَهَب الشاعر القوافي الشاردة، والإيقاعاتِ الساحرة، ويُوسِع له من أسباب القول كلما ضاقت به السبل، ويغدق على الناثر من أسرار البيان كلما احتبس منه لسان. وجعل العربُ القدامى لكل شاعر شيطانا.
ومنهم من جعل لرسول الله ﷺ رَبِيئا من الجن، فراحوا بكل ما أوتوا من لَدد وخصام يزينون لأنفسهم واهيات الحجج، ويخادعون عقولهم بمنقطعات البراهين حتى ذهبوا في المكابرة كل مذهب، ومالوا إلى أمرٍ طريقُه التكلف لا الاجتهاد، وسبيله التأهب والاحتشاد، مع علمهم أن صاحبَه أمِّيٌّ، وليس بحضرته من يملي عليه أو يكتب في نحو ذلك من الأمور التي جِماعُها الجهل والعجز.
كان قومُه مِن قريش موصوفين برزانة الأحلام، ووفارة العقول والألباب، وقد كان فيهم الخطباء المصاقِع، والشعراء المفلِقون. وهم عرب فصحاء، مقتدرون على التصرف في أودية الكلام، عارفون بنظومه: قصيدِه ورجَزِه وسجْعِه، وسائر فنونه. وقد وصفهم الله تعالى في كتابه بالجدل واللدد إذ كانوا أحرص الخلق على أن يجدوا في القرآن مغمزا، وعليه مَطعنا. وأدركوا فهْما غير مشكوك فيه، ولم يكن فيهم أحد يَنفيه، فكاعوا وجبُنوا عن معارضة القرآن ومطاولته على القول.
وعلى الرغم من أن فيهم مَن جمع تِلاد الكلام الأول، وتبحَّر في كلام العرب، وعرف أساليبه الواسعة، ووقف على مذاهبه القديمة إلا أنه أعرض؛ لأن المنكِر عنيد، وميت القلب بلِيد، يصارع في غير حلْبة، وينفخ في غير فحْم؛ إذ ذهبوا فيه كل مذهب من القول فلم يصدروا عن رِيٍّ.
ومنهم مسيلمة الذي جاء بالسجع؛ لكن الساجع عادته أن يجعل المعاني تابعة لسجعه، ولا يبالي بما تكلم به إذا استوت أساجيعه واطردت؛ لأنه يجهل أن المعاني نتائج العقول، وولائد الأفهام، وبنات الأفكار.
ومنهم من طعن في القرآن لقلة الغريب في ألفاظه، وإنما يكثر وحشي الغريب في كلام الأوحاش من الناس والأجلاف من جفاة العرب الذين يذهبون مذهب العُنجُهية، بينما البليغ لا يعبأ بالغرابة ولا يعمل بها شيئا.
ومنهم هنديٌّ جاء باستراق واقتطاع من عُرض كلام القرآن، وباحتذاء لبعض أمثلة نظومه، فلم يبلغ شأوه، ولم يصب في شيء من ذلك حذوه. والحجَر المغصوب بالدار رهنٌ بخرابها. وتلك سبيل مقالات المتكلفين، وعاقبة دعوى المبطلين.
ومنهم من جاء بكل شائبة، واثَّاقل إلى المغالطات، ودلّته فَيَالة رأيه على القول فيه بالسخافات؛ إذ هوَّل وروَّع، وصعَّد وصوَّب، ثم أخلف ما وعَد، وأخدج ما ولَد حين انقطع. وهل يخالجُ أحدًا شكٌّ في ضلالةِ مَن هذا سبيلُه، وسقوطِ مَن هذا برهانُه ودليله؟
وكيفما كانت الحال ودارت القصة فقد كانوا يَعنِقون في المضمار لكنهم وقفوا، وكانوا ينهبون الحلبة بخطاهم لكنهم قُطفوا! وليت مَن جاءوا برأي فَطِير خضعوا للقرآن، المتبالغ غاية البيان، الذي فدم حلوق الفصحاء، وأخرس شقاشق البلغاء، وفتَّ في أعضاد مَرَدة الـخصام، من ذوي السابقة في حلبة الكلام حتى أذعنوا لـخَصْله، وقطعوا العناد من أصله. ورأيُ الشيخ خير مِن مَشهد الغلام!
وبقي الرسول ﷺ يطالبهم به مدة عشرين سنة مظهرا لهم النكير، زاريا على أديانهم، مسفِّها لأحلامهم، حتى تركوا السهل الدمِث مِن القَول، ونابذوه، فعمدوا إلى الـحَزْن الوَعْر من الفعل، وركبوا الفَواقر الـمُبِيرة؛ إذ ناصبوه الحرب، فهلكت فيها النفوس، وأُريقت الـمُهَج، وقُطِّعت الأرحام، وذهبت الأموال، فلم يحوزوا الثلَج والظفَر فيه.
إن الله السِّـتِّـير يستر القبيح ويظهر المليح، لكن المشركين الظالمين فسقوا عن حيز التصافي فخرجوا إلى جانب التجافي؛ فسجَّل عليهم القبيح ورماهم بالفضيح.
ويا للمدينة! فُتحت القرى والأمصارُ بالسيوف، لكن لم تُفتح المدينة إلا بالقرآن!
وها هو القرآن يُـتلى فيما بين دفتي العالَم، على مرِّ الأعوام، بين الخواصِّ والعوَامِّ! وشاء الله أن سيَـبلغ ما بلَغ الليلُ والنهار!
فَرادة براهين القرآن
عرف العرب الأقحاح أن القرآن لا يشبه أي نظم من تفاعيل وأوزان تُترِع بعض الحواس بِـمُكائها وأصدائها فيَطرب. ولا يشبه أي صناعة لفظية مبهرَجة في قوالب شكلية ذوات أنماط وأخلاط تروع النفس ببريق أصباغها. وهذا يعرفه كل من أوتي سلامة الطبع، وصلابة النبع، واطلع على لطائف العربية.
وجدوا في القرآن كل سورة عجيبة الصورة، أنيقة المنظر دقيقة المخبر، مَظِنَّة للغُرر البدائع، والفِقَر الروائع، مَجْمَعة لخبايا لا تُعد، ومزايا لا تُـحد. وجدوا فيه كل سورة وَجازتُها أمرٌ جليّ، وتمكُّنُها غير خفيّ؛ خطابُها يعُمُّ كلَّ حاضرٍ وباد، ومُوالٍ ومُعاد؛ تقاربت أطرافها، وتجاوبت أكنافها، وتدانى عجزها وهاديَتُها، وتلاحقت مقدمتها وساقتها، تضمنت نبذا من فروع البلاغة وأصولها، وحوت أبوابا من الفصاحة وفصولها؛ منها ما هو إجمالي؛ أمره ظاهر، ووجهه سافر، ورُواؤه لا يَنتَقِب، وضياؤه لا يَحتجِب، مع حسن رونقه، وعذوبة لفظه، وصحة معناه. ومنها ما هو تفصيلي؛ سرائره تبوح، وروائحه تفوح، وشواهده تَلوح، ودلائله تغدو وتروح.
وجدوا في القرآن من البلاغة أقسامها العشرة في أعلى طبقة منها: الإيجازَ حذفا وقصرا، والتشبيهَ بلاغةً وحقيقة، والاستعارةَ، والتلاؤم، والفواصل، والتجانس مزاوجة ومناسبةً، والتصريف، والتضمين، والمبالغةَ بضروبها الست، وحسنَ البيان كلاما وحالا وإشارة وعلامة. هذا بعض ما فيه من الحسن والجمال على سبيل الإجمال.
وجدوا فيه كل سورة تركيبُها فارد، مسلوكا فيه طريق الفصاحة، ومراعى فيه حدود البلاغة، إذ جُـمع في كلم معدودة، وجمل محدودة، بين أسباب الفصاحة وأركان البلاغة من الحذف، والإضمار، والتأكيد، والتَّكرار، وإصابة مَفصِل الصواب في الاختصار، والإسهاب، والمحافظة على الفصل والوصل، اللذين هما في باب البيان كالأصل، والمحاماة على مراتب التقديم والتأخير، والتعريف والتنكير.
وجدوا فيه كل ألفاظ مُعجِبة، ومعاني شديدةً لا يقف عليها إلا أولوا البصيرة والبصر، صعبةً لا تكاد تنقاد لقُوَى البشر، مع أداء الغرض المقصود بأبلغ الوجوه والحدود. وهذا شأن لا يَقدر قدرَه، ولا يكتنه أمرَه إلا من عُني بالكتابة، أو مُني بالخطابة؛ ذلك لأنه نظمُ معنًى له مؤدًّى يملأ السمع، ويبكِّت الجمع، ويرد الفصيحَ أعجما، والـمِنطيقَ أبكما. والأمر في ذلك بيِّن واضح، لا يخفى على ذي مُسكةٍ ذكيٍّ.
وجدوا فيه من السجع المستلذّ في السمع والطبع، دون ذهول عن المقصود الأصيل والغرض الأثيل. وجدوا فيه التدرج من الإبهام إلى التوضيح، والترقي من التعريض إلى التصريح. وفيه أوجه من التأكيد وضروب من التشديد. وفيه النداء بحرف هو أمُّ حروف النداء، وبحرفٍ مختص بنداء البُعداء. وفيه إقحام كلمة التنبيه بين المنادى وما يستدعيه. وفيه ترك الاسم الموصول إلى النعت المفصول لما فيه من الإيجاز والاختصار. وفيه التقديم للعناية والتخصيص للنهاية. وفيه ما يجري مجراه، ويؤدِّي مُؤداه.
وجدوا في القرآن طريقةً أنيقةَ النظام؛ خاطبت كل ناقد بصير بعين الإنصاف متنكب طريقة الاعتساف بكل معنى جليل مؤسَّس على أقوى دليل. إنها طريقة تأسر العقل حين تصطرعُ العقول وتتصادم الأفكارُ وتختلف الأنظارُ وتتناصى الحجج في الميدان الفسيح فتتشابك الطرق وتفترق الدروب؛ إذ جاءت بالحكم الفاصل بين الحق والباطل، وبينت الفارق بين الحالي والعاطل، وأظهرت أشد النكير في أبلغ تذكير، ففلت حجج الطِّغام، وكانت نافيةً للإبهام، مدحضةً لسقيم الأفهام، مزيلةً للأوهام، حقيقةً بقطع الخصام، كشفًا للقناع، وحسمًا للأطماع، وردًّا للأتْباع، وبَكتَتهم بالحجة، وألزمتهم بدليل المتاركة ونفي المشاركة القاطع، وأفحمتهم بالبرهان الساطع، وكانت سهاما صائبة مِن مَرامي الله على عدوه، فتركوا الباطل اللَّجلَج، وتبعوا الحق الأبلج.
وجدوه عندما يقرع السمعَ صليلُه جهرة وخُفية يخلص إلى القلب بما له من اللذة والحلاوة، والروعة والمهابة التي تقشعر منها الجلود. وجدوه يتغلغل في الروح، وتستبشر به النفوس، حتى إذا أخذت حظها منه عادت مرتاعة قد عراها الوجيب؛ إذ يحول بينها وبين مضمراتها وعقائدها الراسخة فيها. ووجدوه تنشرح له الصدور، فيتردد في نبضات القلب. ويسري مع الأنفاس، فيتجلى في السلوك وسِيما الوجوه. وجدوه يخاطب الوجدان الذي هو صميم الإنسان فيعتقه من التيه والفصام، ويحميه من الارتكاس في حضيض النفس الأمارة التي تستبد بها الغريزة وتتلاعب بها الأهواء.
وعرفوا أن المسلم يقتبس من شمس الحقيقة التي لا تغرُب، ويغترف من منبع السماء الذي لا ينضُب، في رحلة الفوز بالحق والخير والجمال. واحتمالُ التأويل إحدى خصائص التنزيل. والمسلم يأخذ من القرآن العظيم زاده الفكري والروحي والشعوري، ويتصعد به إلى عالم أرحب، ويحلق بها في آفاق الكمال، بوعي وبصيرة، فيسمو بذاك عن معاناته المستمرة التي لا تعرف الهمود ولا الخمود ولا الخمول، ويصبر على صور الابتلاء، ويثبت أمام أنواع التناقض في عالم الشهادة، ليُرضيَ عالِـمَ الغيب والشهادة.
إعجاز مستمر
القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد؛ استقل بالسنة والفرض، ونزل به أمين السماء إلى أمين الأرض. جعله الله للشرع قواما، واستعمل سائر المعارف خُداما؛ منه تَأخذ مبادئها، وبه تَعتبر نواشئها، فما وافقه منها نصع، وما خالفه رُفض ودُفع، لأنه عنصرها النَّمير، وسراجها الوهاج، وقمرها الـمُنير. والقرآن نورٌ إذا اعتكر الظلامُ مبين.
شمل القرآن علم كتب الله السابقة عليه، وأظهر معجزات الأنبياء المتقدمين، وفيه تفصيل كل شيء، وهو آية صدق نبي الإسلام ﷺ، وقد بانت هيمنته على كل ما عداه، فكان التحدي.
إن من لم يرض من المعرفة بظاهر السمة دون البحث عن باطن العلة، ولم يقنع في الأمور بأوائل البرهان حتى يستشهد لها بدلائل الامتحان وفهم كلام العرب وتصاريف التعبير وجد القرآنَ جميعَه فصيحا في غاية نهايات البلاغة تفصيلا وإجمالا؛ إنه إن تأمل أخباره وجدها في غاية الحلاوة، سواء أكانت مبسوطة أم وجيزة، وسواء أتكررت أم لا. وكلما تكرر حلا وعلا، فهو لا يخلَق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء.
إن أخذ القرآن في الوعيد والتهديد جاء منه ما تقشعر منه الجبال الصم الراسيات، فما ظنك بالقلوب الفاهمات. وإن وعد أتى بما يفتحُ القلوب والآذان، ويشوقُ إلى دار السلام ومجاورةِ عرش الرحمن، وبما يدعو إلى فعل الخيرات واجتناب المنكرات، ويزهدُ في الدنيا ويرغب في الأخرى، ويثبتُ على الطريقة المثلى، وبما يهدي إلى صراط الله المستقيم وشرعه القويم، وينفثُ عن القلوب رجس الشيطان الرجيم. وإن جاءت الآيات في الأحكام والأوامر والنواهي، اشتملت على الأمر بكل معروف حسن نافع طيب محبوب، والنهيِ عن كل قبيح رذيل دنيء.
إنه معجز بلا صَرفة؛ لأن رسول الله ﷺ نفسه لا يقدر على تبديل سورة من القرآن، حتى أن الفرق بين القرآن وسائر كلامه ﷺ ظاهر. وأقصر سورة في القرآن ثلاث آيات، فمقدار هذه السورة من الآيات معجز.
إن إعجازه لا ينحصر في علمٍ دون سواه، أو فن دون غيره، أو وجه دون آخر؛ وعلى هذا فإن إعجازه غير محصور في البلاغة، ولا في العرب دون العجم، ولا في زمان دون سائر الأزمان. وإن كل وجه من وجوه الإعجاز موضوع مستقل يحتاج إلى بحث وتحرير وتطبيق.





