
اتهامات لسلطات ميانمار بمحاولة “محو” التاريخ الإسلامي عبر عرقلة ترميم المساجد المتضررة من الزلزال
أكتوبر 9, 2026
مأساة فلسطين تفضح العالَم بأَسره!
أكتوبر 9, 2026بقلم: الشيخ فرج كندي – سفير الهيئة العالمية لهيئة أنصار النبي ﷺ
ليست العلاقة بين ليبيا وفلسطين علاقة طارئة فرضتها أحداث السياسة الحديثة، ولا هي مجرد تعاطف عربي وإسلامي مع قضية شعب يتعرض للاحتلال، وإنما هي علاقة أعمق من ذلك، تضرب جذورها في التاريخ والدين والجغرافيا والذاكرة، وتكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن فلسطين لم تكن في الوعي الليبي قضية بعيدة عن المجال الوطني، كما أن ليبيا لم تكن بالنسبة إلى الفلسطينيين مجرد بلد عربي يتابع قضيتهم من بعيد.
وعندما نتتبع هذه العلاقة في مسارها التاريخي، نجد أن فلسطين كانت حاضرة في وجدان الليبيين منذ قرون، كما كانت ليبيا حاضرة في الوعي الفلسطيني، وأن ما يجمع البلدين يتجاوز حدود الدولة الحديثة التي رسمتها التحولات السياسية والاستعمارية في المنطقة؛ فليبيا وفلسطين تنتميان إلى فضاء إسلامي وحضاري واحد، تشكلت داخله حركة الناس والعلماء والتجار والحجاج، وتداخلت فيه الطرق الصوفية والعلاقات العلمية والتجارية، قبل أن تظهر الحدود السياسية بصورتها الحديثة.
ومن هنا فإن الحديث عن الروابط التاريخية بين البلدين لا ينبغي أن يبدأ من القرن العشرين وحده، لأن ذلك سيجعلنا أسرى للتقسيمات السياسية الحديثة، بينما الحقيقة أن التواصل بين مشرق العالم الإسلامي ومغربه كان أقدم وأوسع من هذه الحدود.
لقد كانت فلسطين، وفي مقدمتها القدس، جزءًا أصيلًا من الوعي الإسلامي الليبي؛ فالقدس ليست مدينة عادية في الذاكرة الإسلامية؛ إنها أولى القبلتين وثالث المساجد التي تُشد إليها الرحال، ومسرى رسول الله ﷺ، والأرض التي ارتبطت بسيرة عدد من الأنبياء ولهذا لم يكن غريبًا أن تتجاوز مكانة فلسطين حدودها الجغرافية لتصبح جزءًا من الوجدان الإسلامي العام.
وإذا كان الدين قد أسس لهذا الارتباط، فإن التاريخ عمّقه، فقد تحرك الليبيون في فضاء إسلامي واسع، وكانت رحلات الحج والعلم والتجارة من أهم جسور التواصل بين ليبيا والمشرق. ولم تكن الرحلة إلى الحجاز أو الشام مجرد انتقال جغرافي، وإنما كانت رحلة علم ومعرفة وتواصل بشري، تمر خلالها القوافل والرحالة بالمدن والحواضر الإسلامية، وتحمل معها الأخبار والأفكار والعلاقات.
وفي هذا السياق كانت فلسطين إحدى المحطات المهمة في حركة المسلمين بين المغرب والمشرق، فزارها العلماء والرحالة والحجاج، وعرفت مدنها حضورًا مغاربيًا وليبيًا ترك آثاره في الذاكرة المحلية.
وإذا انتقلنا إلى العصر الحديث، فإن الاحتلال الإيطالي لليبيا، ثم المشروع الصهيوني في فلسطين، يكشفان عن سياق استعماري واحد كانت المنطقة العربية والإسلامية تعاني من آثاره؛ فليبيا واجهت الاحتلال الإيطالي منذ عام 1911، بينما كانت فلسطين تواجه التحولات التي انتهت إلى الانتداب البريطاني ثم إعلان قيام دولة الكيان عام 1948 وما رافق ذلك من تهجير واسع للفلسطينيين.
ومن هنا بدأ الوعي الليبي بالقضية الفلسطينية يأخذ أبعادًا جديدة، فلم تعد فلسطين قضية دينية وتاريخية فحسب، بل أصبحت كذلك قضية تحرر ومقاومة واستقلال ورفض للاستعمار.
وهذا التشابه في التجربة الاستعمارية ساعد على تكوين قدر من التعاطف الشعبي الليبي مع الفلسطينيين؛ فالليبي الذي عاش تجربة الاحتلال الإيطالي، وما رافقها من قتل وتهجير ومصادرة للأرض ومحاولات لطمس الهوية، كان يجد في التجربة الفلسطينية صورة أخرى من صور معاناة الشعوب الواقعة تحت الاحتلال، ولذلك لم يكن الموقف الليبي من فلسطين وليد بيانات سياسية فقط، بل كان حاضرًا في الوعي الشعبي والثقافي والديني.
ومن أبرز ما يؤكد عمق هذه العلاقة أن ليبيا لم تتعامل مع فلسطين باعتبارها ملفًا سياسيًا منفصلًا، وإنما باعتبارها جزءًا من قضية الأمة، وقد انعكس ذلك في مواقف العلماء والكتاب والمثقفين، وفي التفاعل الشعبي مع الأحداث الفلسطينية، وفي المساعدات والتحركات التي شهدتها البلاد في مراحل مختلفة من تاريخها.
كما أن القضية الفلسطينية كانت حاضرة في التعليم والخطاب الديني والثقافة الشعبية، وأصبحت القدس والأقصى رمزين يتجاوزان حدود الجغرافيا؛ لكن المشكلة التي تواجهنا اليوم ليست في غياب هذه الروابط، وإنما في ضعف الوعي بها فالأمم التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءًا من قدرتها على فهم حاضرها. والتاريخ ليس مجموعة من الحكايات التي نحتفظ بها في الكتب، وإنما هو أحد مصادر تشكيل الوعي بالذات والآخر، وتحديد موقعنا من القضايا التي ما زالت مفتوحة.
ولهذا فإن استمرار العلاقة التاريخية بين ليبيا وفلسطين ليست مجرد استعادة للماضي، وإنما هي محاولة لفهم الحاضر وإعادة بناء الوعي بالقضية الفلسطينية بعيدًا عن الاختزال الإعلامي والسياسي.
إن فلسطين بالنسبة إلى الليبي ليست قضية جغرافية بعيدة، كما أن ليبيا بالنسبة إلى الفلسطيني ليست مجرد دولة عربية أخرى؛ فكلا الشعبين عاش تجربة الاحتلال، وكلاهما عرف معنى الدفاع عن الأرض والهوية، وكلاهما يدرك أن الاحتلال لا يستهدف الأرض وحدها، وإنما يستهدف الإنسان وهويته وذاكرته وانتماءه.
ومن هنا تأتي أهمية استحضار التاريخ الليبي في علاقته بفلسطين؛ لأننا حين نقرأ هذا التاريخ نكتشف أن التضامن لم يكن دائمًا موقفًا رسميًا، بل كان في كثير من الأحيان موقفًا شعبيًا وثقافيًا ودينيًا متجذرًا.
ولعل من أهم الدروس التي ينبغي استخلاصها أن القضايا الكبرى لا تبقى حيّة بالشعارات وحدها، وإنما بالعلم والتوثيق والتعليم ونقل الذاكرة إلى الأجيال الجديدة.
فإذا أردنا أن تبقى فلسطين حاضرة في الوعي الليبي، فعلينا أن نكتب تاريخ العلاقة بين الشعبين، وأن نوثق الرحلات والزيارات والمواقف والمراسلات، وأن نبحث عن أسماء الليبيين الذين شاركوا في نصرة فلسطين، وعن الفلسطينيين الذين عاشوا في ليبيا وأسهموا في الحياة العلمية والثقافية والاجتماعية، وأن نخرج هذه الذاكرة من دائرة الرواية الشفوية إلى دائرة البحث العلمي.
إن فلسطين ليست صفحة في كتاب التاريخ، وإنما هي قضية ما زالت مفتوحة، والقدس ليست مجرد رمز سياسي، وإنما جزء من ذاكرة الأمة وعقيدتها وحضارتها وليبيا، بحكم موقعها وتاريخها وتجربتها مع الاستعمار، تملك رصيدًا تاريخيًا يمكن أن يجعل علاقتها بفلسطين أكثر عمقًا من مجرد المواقف الموسمية والبيانات الورقية.
إن إعادة قراءة هذه العلاقة اليوم ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما ضرورة من ضرورات بناء الوعي؛ لأن الأمة التي تعرف تاريخ علاقاتها وقضاياها تستطيع أن تفهم حاضرها بصورة أفضل، بينما الأمة التي تقطع صلتها بذاكرتها تصبح أكثر قابلية لأن يعاد تشكيل وعيها من الخارج.
ولهذا فإن الروابط التاريخية بين ليبيا وفلسطين ينبغي أن تُقرأ باعتبارها جزءًا من تاريخ الأمة في مقاومتها للاستعمار، ودفاعها عن الأرض والهوية، وتمسكها بالقدس وفلسطين باعتبارهما جزءًا من المجال الحضاري الإسلامي الذي لا يمكن التفريط فيه تحت أي مبرر.
وفي النهاية، فإن الذي يجمع ليبيا وفلسطين ليس موقفًا عابرًا ولا ظرفًا سياسيًا مؤقتًا، وإنما تاريخ طويل من الدين والثقافة والرحلة والعلم والمقاومة والذاكرة.
ومن واجبنا أن نحفظ هذا التاريخ، لا لكي نبقى أسرى للماضي، وإنما لكي نفهم الحاضر ونحسن قراءة المستقبل؛ فالأمم لا تبني مستقبلها بقطع صلتها بذاكرتها، وإنما بتحويل الذاكرة إلى وعي، والوعي إلى معرفة، والمعرفة إلى موقف ومسؤولية
فلسطين في الذاكرة الليبية ليست قضية الآخرين، وليست خبرًا يأتي من بعيد؛ إنها جزء من تاريخ هذه الأمة ووجدانها، كما أن ليبيا جزء من تاريخ أمتها الكبير الذي لا تقطعه الحدود ولا تمحوه التحولات السياسية.





