
الروابط التاريخية بين ليبيا وفلسطين: ذاكرة واحدة وقضية واحدة
أكتوبر 9, 2026بقلم:د. محمد الناهي – سفير هيئة أنصار النبي ﷺ في اليمن
أيُّ حقوقٍ هذه التي تُحمى في الخطاب وتُسحق في الواقع؟ ليس السؤال اليوم: هل للإنسان حقوق؟ فهذا مما جاءت به الشرائع، وأقرته الفطر السليمة، ودافعت عنه الرسالات. وليس السؤال: هل ينبغي أن تُحمى المرأة والطفل والضعيف، وأن تُصان البيئة والحيوان والتراث؟ فالجواب عند كل ضمير حي: نعم.
لكن السؤال الأكثر إيلامًا هو: ماذا يحدث حين تتحول الحقوق من مبادئ ثابتة إلى شعارات انتقائية، تُرفع في وجه من نريد، وتُطوى حين يكون الظلم صادرًا عن حليف؟
هنا تبدأ الحكاية التي ينبغي أن نتوقف عندها طويلًا. فقد ظل العالم يسمع طويلًا عن حقوق الإنسان، والحريات، وحماية المرأة، وحقوق الطفل، والقانون الدولي، وحرمة المدنيين، وحماية التراث، والبيئة، والحيوان..
ثم جاءت المأساة الفلسطينية لتضع كل هذه الشعارات أمام امتحان الحقيقة. والمؤلم ليس أن يقع الظلم؛ فالظلم قديم قدم الإنسان. المؤلم أن يقع الظلم على مرأى العالم، ثم يُطلب من المظلوم أن يثق في عدالة المنظومة التي عجزت عن إنصافه.
ليست المشكلة في الحقوق.. بل في ازدواجية معيارها. من الخطأ أن نقول إن الحرية أو حقوق الإنسان خرافة في ذاتها؛ فالحرية قيمة، والكرامة قيمة، وحماية الإنسان قيمة، والعدل قيمة. لكن الخرافة تبدأ عندما يُقال للناس: إن هذه القيم عالمية وثابتة! ثم نكتشف أنها تصبح قابلة للتعطيل عندما تتعارض مع مصالح الأقوياء. وهنا يأتي القرآن ليضع معيارًا لا يتبدل بتبدل الأشخاص والمصالح: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].
لاحظوا: ولو على أنفسكم. أي أن العدل الحقيقي لا يبدأ عندما يكون خصمك هو الظالم، وإنما يبدأ عندما يكون الظالم ممن تحب، أو ممن تنتمي إليه، أو ممن تخشى خسارته.
أما أن أطالب بالعدل حين يكون في صالحي، وأسكت عنه حين يكون ضدي، فذلك ليس عدلًا.. ذلك هوى يرتدي ثوب القانون.
ماذا لو كان الطفل فلسطينيًا؟
لقد تعودنا أن نسمع عن حقوق الطفل، وأن الطفل ينبغي ألا يدفع ثمن صراعات الكبار. وهذا مبدأ نبيل لا ينبغي أن نختلف عليه. لكن السؤال الذي يوجع القلب: هل تتغير براءة الطفل بتغير اسمه؟ هل تختلف دمعة الطفل باختلاف جنسيته؟ هل يصبح الطفل أقل استحقاقًا للحياة لأنه وُلد في أرض محاصرة؟
الطفل طفل.. والأم أم.. والأب أب.. والبيت بيت.. والمستشفى مستشفى.. والروح البشرية لا تحمل جواز سفر حين تُزهق. وقد قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. والآية هنا لا تمنح الإنسان رخصة لقتل الأبرياء، بل تجعل حرمة النفس البشرية قضية أخلاقية كبرى.
وفي الحديث يقول النبي ﷺ: “لا تقتلوا وليدًا”1. فإذا كان الإسلام قد جعل للطفل حرمة حتى في زمن الحرب، فكيف يمكن لعالمٍ يتحدث عن حقوق الطفل أن يصمت طويلًا أمام قتل الأطفال؟
حين تصبح حياة الإنسان مرتبطة بهويته
أخطر ما يمكن أن يحدث للضمير الإنساني أن يبدأ بتقسيم البشر إلى: ضحايا يستحقون التعاطف، وضحايا يمكن تفسير موتهم. وهذه هي الكارثة الأخلاقية الحقيقية.. أن يبكي العالم على طفل، ثم يبحث عن المبررات لطفل آخر.. أن يرتجف الضمير أمام صورة ضحية في مكان، ثم يصبح باردًا أمام ضحية في مكان آخر.. أن تكون جريمة القتل جريمة عندما يرتكبها طرف، لكنها تصبح “دفاعًا عن النفس” عندما يرتكبها طرف آخر.
هنا لا يعود القانون ميزانًا، بل يصبح الميزان نفسه جزءًا من المشكلة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]، تأملوا عظمة الآية: حتى كراهيتك لمن تكره لا تمنحك الحق في أن تظلمه؛ فكيف إذا كان الحديث عن أرواح لا علاقة لها بصراع السياسيين؟
الغرب ليس كتلة واحدة.. لكن المنظومة تكشف نفسها عند الامتحان
ومن الإنصاف ألا نسقط في تعميم آخر؛ فليس كل غربي مؤيدًا للظلم، وليس كل إنسان في الغرب راضيًا عما يحدث؛ بل إن في الغرب أصواتًا حرة، ومظاهرات، ومفكرين، وأكاديميين، وصحفيين، وناشطين وقفوا ضد الظلم، ورفضوا ازدواجية المعايير. وهؤلاء ينبغي أن نضع أيدينا في أيديهم في كل موقف إنساني عادل؛ فالحق لا يصبح باطلًا لأن قائله غربي، كما أن الباطل لا يصبح حقًا لأن قائله مسلم. لكن المشكلة في المنظومات السياسية التي تتحدث عن القيم حين تخدم مصالحها، ثم تبحث عن الاستثناءات حين تهدد هذه القيم حليفًا أو مصلحة.
وهنا ينبغي أن نفرق بين: الغرب كشعوب وثقافات وأفراد، وبين السياسات الغربية ومواقف الحكومات والمؤسسات الدولية؛ فالعدل يقتضي ألا نظلم ملايين البشر بسبب قرارات حكوماتهم، كما لا يجوز أن نطالب الآخرين بالعدل ثم نمارس التعميم نفسه.
أين ذهبت حماية التراث؟
لقد اعتاد العالم أن يسمع عن حماية الآثار، وصون التراث الإنساني، والحفاظ على المدن التاريخية، لكن ماذا يعني التراث إذا لم يكن الإنسان نفسه آمنًا؟ أي معنى لحماية الحجر إذا كان الإنسان الذي بناه يُقتل؟ وأي معنى للحديث عن البيئة إذا كان الهواء نفسه يصبح خانقًا على أهل مدينة مدمرة؟ وأي معنى للحديث عن الحيوان إذا كان الإنسان يُترك للموت؟ لا نقول هذا استهزاءً بحماية البيئة أو التراث والحيوان؛ بل نقول إن أعظم ما في هذا الكون ليس الحجر، ولا الشجر، ولا الحيوان وحده.. بل الإنسان الذي كرمه الله.
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70]، ولم يقل: كرمنا شعبًا دون شعب، ولا قومًا دون قوم، ولا لونًا دون لون، بل قال: بني آدم. وهذه دائرة واسعة جدًا من الكرامة الإنسانية. الإسلام لا يحتاج إلى استعارة ميزان العدالة من أحد، وهنا تظهر عظمة التصور الإسلامي.. الإسلام لم ينتظر عصر حقوق الإنسان ليكتشف أن الإنسان مكرم، ولم يحتج إلى مؤتمر دولي ليقرر أن الظلم مذموم، ولم يجعل قيمة الإنسان مرهونة بجنسيته أو عرقه أو قوته.
قال النبي ﷺ: “المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره”2. وقال ﷺ: “اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة”3.
بل إن العدل في الإسلام ليس فضيلة اختيارية، وإنما أمر رباني: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، ولهذا لا ينبغي للمسلم أن يرفض قيمة العدل لأنها رُفعت في الغرب، ولا أن يقبل الظلم لأنه وقع على خصمه.. المعيار عندنا أعلى من الجميع: الحق.
السؤال الذي يجب ألا نهرب منه
ربما تكون المأساة الفلسطينية قد كشفت شيئًا أكبر من مجرد عجز سياسي.. لقد كشفت أزمة في الضمير العالمي.. كشفت أن العالم الذي يستطيع أن يتحرك بسرعة في بعض القضايا، ويتباطأ حين يتعلق الأمر بقضايا أخرى. وكشفت أن القانون، مهما كان جميلًا على الورق، يصبح بلا قيمة إذا غابت الإرادة السياسية لتطبيقه، وكشفت أن امتلاك القوة قد يمنح بعض الدول قدرة أكبر على تعريف الجريمة، وتفسيرها، وتحديد من يستحق التعاطف. لكن القرآن يحسم هذه المسألة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 57]. والظلم لا يصبح عدلًا لأن مرتكبه قوي، ولا تصبح الجريمة مشروعة لأن لها مبررات سياسية، ولا تتحول دماء الأبرياء إلى أرقام لأن الكاميرات اعتادت عليها.
لا تجعلوا سقوط الأقنعة يسقطكم أنتم
وهذه هي الرسالة الأهم.. حين نرى ازدواجية المعايير، لا ينبغي أن نصبح نحن أسرى ازدواجية أخرى. لا نقول: “بما أنهم ظلموا، فلنرفض كل قيمهم.” بل نقول: القيم الصحيحة لا تُرفض بسبب سوء تطبيق أصحابها لها.. نحن نؤمن بالحرية المسؤولة، ونؤمن بكرامة الإنسان، ونؤمن بحقوق المرأة، ونؤمن بحماية الطفل، ونؤمن بالرحمة بالحيوان، ونؤمن بحماية البيئة، ونؤمن بصيانة التراث، لكننا نؤمن بها لأن الله أمر بالعدل والإحسان، لا لأن قوة سياسية قررت متى تستخدمها ومتى تستثني منها.. وهذه نقطة فارقة.
وفي النهاية.. قد تسقط الأقنعة السياسية، وقد تنكشف ازدواجية المعايير، وقد يصمت من كان يرفع صوته، وقد تتعطل المؤسسات، وقد يتأخر العدل في الدنيا، لكن هناك حقيقة لا تستطيع كل القوى الأرضية تغييرها: أن الله يرى.
يرى الدمعة التي لم تلتقطها الكاميرا، ويرى الطفل الذي لم يجد من يحمل صورته، ويرى الأم التي نامت وهي لا تعرف أين أصبح أبناؤها، ويرى المظلوم الذي خذله العالم، ويرى الظالم الذي ظن أن قوته ستمنحه حصانة من الحساب.
قال سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42]. فقد يتأخر العدل.. لكن العدل الإلهي لا يتعطل، وقد يختل ميزان البشر.. لكن ميزان الله لا يختل، وقد يستطيع القوي أن يفلت من محكمة الأرض، لكنه لن يفلت من محكمة السماء، وهنا ينبغي أن نفهم الرسالة كلها:
لسنا بحاجة إلى عالمٍ يتحدث عن حقوق الإنسان فحسب، نحن بحاجة إلى عالمٍ يؤمن بأن الإنسان إنسان، قبل أن يسأل: من أي أرضٍ جاء؟ وما دينه؟ وما لونه؟ ومن يقف خلفه؟
فإذا كانت حياة إنسان تستحق الحماية.. فحياة كل إنسان تستحقها، وإذا كان قتل طفل جريمة.. فهو جريمة أيًّا كان اسم الطفل. وإذا كان الظلم مرفوضًا.. فهو مرفوض مهما كان الظالم قويًا.
تلك هي العدالة التي لا تحتاج إلى تحالفات، ولا إلى فيتو، ولا إلى بيانات مؤتمرات، تلك هي العدالة التي بدأ بها القرآن، وخُتمت رسالات السماء بالدعوة إليها، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]؛ فالحق لا يحتاج إلى قوة حتى يكون حقًا، والباطل لا يصبح حقًا لأنه امتلك القوة.





