
الانشغال بتصوير العبادات
أبريل 11, 2026
التحول من إدارة الصراع إلى حسمه
أبريل 12, 2026د. أحمد نسيم سوسة
رحمه الله
يرجع ميلي إلى الإسلام إلى ما قبل ثلاث عشرة سنة، عند مطالعة القرآن الكريم للمرة الأولى في عهد دراستي في الجامعة الأمريكية البيروتية، فولعت به ولعاً شديداً، وانصرفت إلى تلاوته مستعيناً بالكتب المزودة بحواشي التفسير لفهم معناه حتى أهملت البعض من دروسي المدرسية الأخرى، وكنت أطرب لتلاوة آيات القرآن وكثيراً ما كنت أنزوي في مصيفي تحت ظل الأشجار وعلى سفح جبال لبنان فأمكث هناك ساعات طوالاً أترنم بقراءته بأعلى صوتي.
إلا أني لم أفكر في أمر اعتناق الإسلام إلا بعد أن قضيت في أمريكا بضع سنوات ودرست فلسفات الأديان وتوغلت في المواضيع التاريخية الاجتماعية حتى أدركت كثيراً من الأمور الغامضة التي كان يصعب عليّ حلها، وفي الوقت نفسه أني أعتقد بأن محيط أمريكا الذي تتجلى فيه الحياة الديمقراطية بأجلى بيان قد يستميل المرء الذي فطر على حب الحرية والسذاجة إلى الانقياد إلى تعاليم الدين الإسلامي المشبع بروح الديمقراطية الحقة والحرية والبساطة، ولذلك نرى أن المذهب الكاثوليكي المحشو بالقيود الثقيلة لم يلق أرضاً خصبة للنمو في العالم الجديد.
وعلى المرء الذي وقف على حقيقة الإسلام أن يعترف بأن الإسلام هو في الحق دين الحرية والفطرة بعيداً عن قيود الكنيسة واستبدادها في المسيحية، وغريباً عن العصبية وتقاليدها الثقيلة في اليهودية، وفضلاً عن ذلك أن محيط أمريكا الذي بلغت فيه الحضارة المادية إلى أقصى حدها نجد حركة رد فعل تجعل الكثير من الأمريكيين يستهويهم كل شيء طبيعي خاضع إلى بداهة الفطرة والألفة الإنسانية التي قضت عليها المادة في هذا العصر، وعليه فالمرء الذي تغلغل في أعماق هذه الحضارة وأدرك منطوياتها ومحصها تمحيصاً دقيقاً نظرياً وعملياً لا بد له من الانقياد بقوة نفسية كمينة إلى منهل العقيدة الإسلامية ليروي غليله منها. وإني أعتقد بأنه لو كان للإسلام في هذا القطر الغربي بعض ما كان للمسيحية من الدعاية والتبشير لكان عَلَمه يخفق اليوم في معظم أصقاع هذه البلاد الواسعة ولكان لقي فيها من التشجيع بخلاف ما هو معروف عن فشل التبشير النصراني.
وكنت بعد رجوعي من الغرب قد أسررت إلى أحد خلاني بما قررته حول اعتناق الإسلام ولا أرى مناسبة لذكر اسمه فلا شك أنه يتذكر ذلك حينما يتصفح رسالتي هذه، هذا كما أني فاتحت زوجتي في الأمر وهي مسيحية المذهب، ولكن هناك أموراً كانت حائلة دون تحقيق رغبتي أهمها اجتماعية عائلية قد يكون ذكرها مما لا يناسب المقام .
وكانت قد هدأت عاطفتي طيلة السنين الأخيرة الماضية لاهياً في أعمال كنت أجد فيها لذة عميقة بقربي من الأعراب واتصالي المباشر بمصالحهم، وذلك بمناسبة أعمال وظيفتي في المحيط الذي نشأتُ فيه مما كان يجعلني أشعر كأني في أيام عهد صباي عائشاً في الوسط الذي طالما أحببته وتقلبت في نعيم حريته وسذاجته في زمن حداثتي، ولكن حوادث فلسطين الأخيرة قد أثارت في نفسي هيجاناً شديداً وأيقظت في عاطفتي الراقدة فلم أعد أستطيع معها احتمال السكوت؛ فوثبت ثائراً على قيودي مطلقاً للساني العنان معلناً بالصراحة والحرية ما تضمره نفسي من الحب والواجب تجاه الإسلام والعروبة.
وعليّ أن أقول بهذا الصدد بأني عربي في نزعتي قبل كل شيء، محب للأعراب بصورة عامة وأخص منهم الذين قضيت معهم أيام حداثتي وأول سني شبابي؛ وعليه فحبي للعربية والعروبة هو غريزة في نفسي جُبلت عليه منذ حداثتي فأصبح فيَّ حباً فطرياً طبيعياً، وإذا صح ما قيل بأن “مَن أَحب العرب أحب الإسلام”، وإذا أمكن أن يكون المرء مسلماً موطناً كما صرح مكرم عبيد باشا وزير مالية مصر إلى علماء الأزهر بأنه “مسيحي دينًا ولكنه مسلم وطناً”، فأستطيع أن أقول بدون تردد بأني: “مسلم شعوراً وموطناً منذ نعومة أظفاري”.
وقد يكون لتأثير ذلك النصيب الأكبر فيما دفعني لأن أنفض عني غبار الميراث من الدين والعنصر وأن أسبر أغوار الحقيقة لأهتدي بأنوارها إلى المذهب الصحيح الحنيف؛ إلا أني يجب أن أعترف في الوقت نفسه بأن الميل الفطري لم يكن مستنداً على ما يقره الاستقراء العلمي والتمحيص الفكري والتجارب الشخصية، وما أعظم سروري الآن حين جاء الاستدلال العلمي الصحيح مؤيداً للميل الفطري فانتميت إلى الدين الإسلامي بدافع طبيعي غريزي وبتأييد علمي تمحيصي؛ فأصبحت بذلك مسلماً شعوراً وموطناً ودِيناً .
وبدخولي في الدين الإسلامي إنما أشعر بأني أدخل في حياة جديدة، وهي حياة الجامعة الإسلامية التي تحمل عَلَم الإخاء الإنساني؛ فيعيش كل مسلم فيها مسلماً أخاً رائعاً في حضرة التحابب البشري السامي الذي لا يعرف حداً من حدود البسيطة، ولا يلتفت لجنس من الأجناس أو نوع من أنواعها وقيود تفرقتها، وعليه فإذا قلت إني أدخل في حياة جديدة فإنما أعني أني أصبحت بدخولي في الإسلام أخاً لأربعمائة مليون مسلم من مختلف البلدان والمساكن ومختلف اللغات واللهجات ومختلف الأجناس والألوان في أرجاء عالمنا الواسع، وذلك على حد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةࣱ فَأَصۡلِحُوا۟ بَیۡنَ أَخَوَیۡكُمۡۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ﴾ [الحجرات: 10] شعورٌ ويا له من شعور إنساني سامٍ يغمر كلية المرء ارتياحاً وانشراحاً واطمئناناً.
وإذا اطلع القارئ على ما سأورده من البحث في وضع اليهودية لا أشك أنه يشاركني الرأي بأن النفس الأبية التي تشعر بالشعور الإنساني لا ترضى لها حالا كحال اليهودية المشبعة بروح التعصب الديني والعنصري، ولا بد لها أن تتمرد على هذا التعصب الذي حصر الشعب اليهودي في ضمن حدود ضيقة وحبس روحه وأبعده عن الإنسانية والشعور بالأخوّة البشرية.
ومن الغريب أن العقيدة السائدة بأن كل من تعلم تعليماً راقياً أصبح ملحداً بطبيعة الحال قد تمكنت في أذهان شبابنا المثقفين، بحيث أصبح الكثير يستغربون ويدهشون إذا أظهر أحد المتعلمين ظاهرة دينية أو تطرق إلى البحث في هذا الموضوع، وأرى لزاماً عليّ أن أبحث في مقدمتي هذه ولو بصورة مقتضبة فيما أورده بهذا الصدد أحد أصدقائي بعد أن أعلنت له رغبتي في اعتناق الإسلام إذ قال في كتابه: “إني لأشعر بخطورة رغبتك هذه لاسيما أنها جاءت في القرن العشرين، في القرن الذي طغت فيه المادة وسادت فيه الملموسات، وهي بنت فكر شخص عاش في بيئة أمريكية وإنه من حملة الدكتوراه”.
وكأني بصاحبي قد يخيل له أن من اكتسب علماً حديثاً وجب عليه طرح ناحية الدين جانباً والانصراف إلى ما في الحياة الدنيا من أعمال مثمرة ملموسة. وما أخطأ هذا الظن وأخطره على مصير مجتمعنا!
ما هو العلم؟! أو هل يقتصر على تدريبنا لإنشاء المشاريع العمرانية فحسب؟ أنا لا أنكر أن العلم قد نستفيد منه ونستعين به في مشاريعنا الفنية، ولكن أهي هذه الغاية من العلم؟! أليست هذه المشاريع واسطة لا غاية؟! إذن للعلم غاية سامية غير الأعمال الميكانيكية المادية.
وما هي هذه الغاية؟! إن الغاية المهمة من العلم الراقي هي بنظري تنبيه حس الطموح في صاحبه إلى استكشاف الحقائق والتدقيق والتمحيص، سواء في مجالات التفكير الروحي المعنوي أو في منطقة الأعمال الملموسة لإدراك هذه الحقائق وإذاعتها، فيستفيد منها المجتمع في سبيل التعاون والتعاضد للنهوض بالإنسانية إلى أسنى درجات الكمال.
إن صاحب العلم الصحيح هو ذاك الذي يشعر بجهله كلما زاد علماً وإيضاحاً، وهو يتكبد كل ما ينطوي عليه هذا العلم والإيضاح من شقاء وعذاب؛ فلا يفتر ولا يمل بعد اتضاح جهله؛ فهو يسعى دوماً وراء الحقيقة مهما كانت مؤلمة مضحياً كل شي في سبيل سعيه هذا .
وعليه إن المبدأ والشرف هما أساس عظمة الرجل العالم فتراه لا يبالي في تضحياته وراء مبدئه حتى ينال الهدف النبيل الذي يقصده، وهكذا نجد الرجل العارف لا يرضى لنفسه أن يكون مقلداً تابعاً بدون مناقشة ولا حساب، كما تفعل الماعز والضأن فإذا طفرت إحداهن نهراً طفرت البواقي أيضاً، فتراه ينقب ويسعى ويحتمل كل مشقة في سبيله لإدراك الحقيقة وإظهارها خدمة للعلم والإنسانية.
وإليك ما أورده الكاتب المعروف العلامة محمد كرد علي في هذا الصدد إذ قال: “العلم الصحيح هو الذي يبعث صاحبه على عمل النافع ولو كان في ذلك ضياع مصلحته الشخصية، فلا يبالي حامله بغضب الرؤساء والزعماء ولا يستغويه رضا الغوغاء والدهماء. يتجشم المخاطر في نشر خاطر. ويركب كل صعب وذلول لإنارة مظلمات العقول” .
وليعلم صاحبي بأني مدين لعلمي إذ له الفضل الأكبر فيما نبهه فيّ من الحس والطموح للسعي في التوصل إلى الحقيقة، وإظهار هذه الحقيقة بجرأة وإعلانها مهما كانت مؤلمة للبعض أو مضرة بنفسي.
ولا يخفى أن الثقافة الصحيحة إن لم يتناولها شيء من الدرس الديني فهي ناقصة، لأن الدين هو أساس التفكير الإنساني، وقد كان منذ نشأة العرفان أساساً لنشر الآراء والفلسفات المختلفة، كما أنه كان الدافع في الحياة البشرية للتدرج والتوغل في العلوم والتبحر في المعارف حتى كان في بعض الأحيان حافزا للإنتاج العلمي العملي؛ وعلى الإجمال يصح القول بأن الدين بما فيه مما يتعلق بمستورات هذا الكون كان حافزاً لتوسيع نطاق التفكير الإنساني والتوغل في العلوم التي تدرجت في مجال الإنتاج الحديث، وسيكون للدين مقامه في العالم الإنساني ما دام الإنسان في الوجود.
وعندي أن من واجب المرء المثقف أن يكون له مذهب يؤمن به من صميم قلبه فيذود عن حياضه وينافح عن مبادئه، على أن يكون ذلك عن علم وتفكير فيقف على كل ما ينطوي عليه هذا المذهب من مبادئ وتاريخ وفلسفات وتعاليم يمكنه أن يقارنها مع تعاليم مختلف الأديان والمذاهب وإثبات تفوق المذهب الذي يصطفيه، إذ يجب أن لا يغرب عن البال أن الدين يمثل ثقافة، ففيه التاريخ وفيه المبادئ وفيه الاجتماع والسياسة والتشريع، وفيه التعاليم والفلسفات، وفيه يمكن درس أحوال المجتمع البشري وتطوره الفكري في مختلف الأدوار.
وليس على الإسلام أي خطر من ذلك لأن الوقوف على حقيقته ومقارنة تعاليمه مع مبادئ الأديان الأخرى بصورة علمية مما يظهر سموه وقدسيته، لاسيما وأن الإسلام نفسه يشجع التفكير الحر والتحرير من قيود التقاليد، ولا يحبذ أن يقبله المرء ما لم يؤمن به الإيمان الصحيح، ﴿قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُوا۟ وَلَـٰكِن قُولُوۤا۟ أَسۡلَمۡنَا﴾ [الحجرات: 14]. وهذا ما يلائم مقتضى العلم الحديث.
وعندي أن العلم الحديث هو بجانب الإسلام وتعاليمه لا ضده، وإذا كان للإسلام أن يستعيد مجده وهيمنته فسيكون ذلك بواسطة العلم نفسه الذي يعده الكثير عدو الديانات. إن العلم الصحيح يسعى وراء الحقيقة ويأخذ بصاحبه إلى تعظيم الطبيعة والفطرة وتقديس الخالق الأعظم والاعتصام بالعدل والألفة الإنسانية، وكل هذا موجود في الإسلام…
فكم من المسلمين المتعلمين عندنا فكروا في درس ميراثهم الديني وتمحيص ما ينطوي عليه من المزايا وأخذوا على عاتقهم عناء درس فلسفة الأديان بصورة علمية لكي يكتشفوا هذه الحقيقة؟! إني أعتقد بأن الرجال المتعلمين لا يكونون متعلمين بالمعنى الذي أراه ما لم يكونوا خصصوا جهودهم العلمية في تنوير عقولهم من هذه الناحية الفكرية.
إن الشخص الذي له نصيب وافر من العلم يكون قد حط من كرامة منزلته العلمية إن لم يختط له وجهة في الحياة ويسلك مذهباً يسير بموجبه، حتى يحقق منهجه بما يستمده من القوة في الإيمان والمعتقد، فيكون كل ما اقترب من هدفه وجد ما يدفعه للسير إلى الأمام حتى يدرك ضالته .
إن العلم المادي وحده لا يكفى لأن يجعل من أبناء العرب رجالاً يخدمون أمتهم الخدمة المطلوبة. إذ من الضروري أن يكون هناك وجهة معينة توضع على أساس التفكير الصحيح في مجال المعنويات التي تتعلق بالمجتمع الإنساني وسعادته؛ فتستغل المادة كواسطة لا كغاية لتحقيق الخطة، مع الاستمداد من الدين الحنيف كل ما يحتاجه الرجال من فضيلة الأخلاق والإيمان والتضحية في سبيل ذلك .
إن البلاد العربية تجتاز اليوم دوراً عصيباً، هو دور الانتقال والتطور، وهذا الانتقال السريع مخيف ومريع؛ فقد تضيع فيه الوجهة والمبدأ إن لم نتدارك الأمر بالتحلي بالصفات الإسلامية السامية التي تمدنا بالإيمان والقوة، قبل أن تتغلب علينا مادة الغرب فتفرقنا وتنتزع من أبناء يعرب يقينهم وأمانيهم.
ولا بد للشبان المتعلمين أن يضعوا نُصب أعينهم الحقيقة التاريخية: ألا وهي أن حرب الغرب ضد الإسلام لم تنتهِ.
تلكم الحرب التي أضرمها الغربيون المسيحيون بقصد قطع دابر المسلمين، ومحو شوكة الإسلام من البسيطة، وقد وجد الغربيون في نظرياتهم الإلحادية التي يبثونها في علومهم ويشجعونها بين المسلمين بوسائط مختلفة غير العلم خير دسيسة بل أنجع وسيلة لمحو الإيمان بالدين الإسلامي، وإذا قلنا الإيمان بالدين الإسلامي فإنما نعني بذلك قوة الإسلام التي يتربص لها الغرب باغياً إخمادها واضمحلالها، ويا ليت الشبان المسلمين يتروون في مسلكهم ويدرسون الحقائق الدينية التاريخية قبل أن يبيعوا عواطفهم الدينية رخيصة للعدو المترصد.





