
فقه الأولويات وأثره في الدعوة
أبريل 11, 2026
لماذا اعتنقت الإسلام؟
أبريل 12, 2026د. إسماعيل رفعت
سفير هيئة أنصار النبي ﷺ في ألمانيا
رأيت من تباري القراء في تصوير تلاوة التراويح والمتصدقين للصدقات والمعتمرين لمناسكهم ما استدعى مسألة قرأتها في كتب الفقه والتصوف (التزكية) ومفادُها: هل يجوز للمصلي أن يجمع بين نيتين؛ كأن يصلي ناوياً القيام ومراجعة القرآن في آن واحد؟
وهذا سؤال –في أصله– يدل على يقظة قلب عند علمائنا مع استشعار إخلاص العبادة والتأمل يقودنا إلى ما هو أعمق، بل يفتح باباً للمقارنة بين حالين: حال من يجمع بين نية العبادة وحال من يدس في نيته شيئاً من حظوظ الدنيا؛ كالتجمل للناس، أو طلب الثناء، أو تسجيل المشهد ونشره ليراه الآخرون.
نرى معتمرين يصورون أنفسهم وهم يلبون أو يطوفون، ومصلين يصورون أئمتهم في دعاء الوتر أو قراءة التراويح، وقارئ قرآن يتمحل وهو يرتل ليحسن صوته أمام الكاميرا.
ولا أنسى ذلك الشاب الذي رأيته واقفاً يقول: “إن أردت أن تقرأ في التراويح بمقام “الصبا” فتعال أُعلمك”! ثم كبر وأخذ يحاكي الصلاة أمام ميكروفون وكاميرا، متخذاً من المحراب استوديو، لتصوير قحـَّتِه وجَراءته على تحويل العبادة مشهداً تمثيلياً.
وهذا يطرح سؤالاً أخلاقياً وروحياً: أين ذهبت العبادة التي من خصائصها أن تكون سراً بين العبد وربه؟
وأمام الإجابة تواردت خواطر:
الأولى: سلف يخافون ويخبئون
لقد كان سلفنا الصالح -رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ- أشد ما يكونون خوفاً من الرياء، وأعظم ما يكونون حرصاً على إخفاء العمل الصالح. كانوا يستشعرون قوله تعالى: ﴿إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٌ لَّكُمۡۚ﴾ [البقرة: 271] فجعلوا الإخفاء عنوان الصدق، وخافوا أن تكون صدقاتهم –وهي أموال– مشوبة بشائبة، فكيف بالأعمال التي هي محل نظر الله؟!
تذكرت مشهداً قرآنياً عظيماً، يرسم لنا صورة نادرة للإخلاص في أعلى تجلياته. إنه مشهد نبي الله موسى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- بعد أن فرّ بدينه من بطش فرعون، ووصل إلى مديَن منهكاً جائعاً، وكيف رأى امرأتين تذودان أغنامهما عن الماء، بينما الرعاة يزاحمون، فيسقي لهما، ثم ماذا يفعل بعد هذا العطاء؟! لا ينتظر شكوراً، ولا يطلب شهرة ولا تصويراً ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24].
لا يلتفت وراءه، بل يتولى إلى الظل، منكسراً بين يدي ربه، معترفاً بفقره وضعفه، لم يصور عطاءه، ولم يرفع به صوتاً، بل جعل همّه الوحيد هو الله، وهكذا كان الصالحون. وهذه وحدها تكفي لتعليم الأمة كيف يكون العمل لله خالصاً.
ولنا عبرة وعظة، في قصة “صاحب المخلاة” التي ترد في كتب الرقائق: أن أحد الغزاة اشترى مِخلاة (كيساً) ليحفظ فيها متاعه، ونوى في نفسه أنه إذا انتهى الغزو سيبيعها ليربح ثمنها، فرأى في منامه كأن ملكين نزلا من السماء، فقال أحدهما للآخر: “اكتب الغزاة”. فأخذ يملي عليه أسماء الغزاة، يقول: اكتب هذا خرج متنزهاً، وهذا خرج مرائياً، وهذا خرج تاجراً، وفلان خرج في سبيل الله. ثم التفت المَلَك إلى صاحبه وقال: اكتب فلاناً خرج تاجراً. فانتفض الراوي في منامه وقال: “كيف تكتبني تاجراً وأنا خارج للجهاد؟!” فقال له المَلَك: “لقد اشتريت مخلاتٍ ونويت أن تبيعها وتربح”.
وفي هذه القصة رمزية خوف الأولين من فساد أعمالهم بأمور لا نكاد نلاحظها في أنفسنا، وأن النية هي التي يكتبها الملكان الموكلان بالحسنات والسيئات، وهي التي تزن العمل عند الله، فالرجل لم يخرج للتجارة، بل خرج للجهاد، لكن هماً صغيراً، أو نية عابرة، كادت أن تحول عمله العظيم إلى هباء، فكيف بمن يخرج ليصلي أو يعتمر أو يقرأ القرآن، وهمه الأكبر أن يراه الناس ويثنوا عليه، وأن تنتشر صورته وصوته بينهم؟!
الثاني: علماء يغسلون مؤلفاتهم
وفي سير علمائنا يتبين لنا منحى آخر في الإخلاص، فمنهم الذين تخلصوا من مؤلفاتهم قبل وفاتهم، لأسباب تتعلق بالخوف من حظ النفس أو الرياء، وكان الدافع الأساسي لهؤلاء العلماء هو الوجل من أن تكون مؤلفاتهم قد داخلَها شيء من طلب الشهرة، أو الثناء، أو حظوظ الدنيا، بدلاً من أن تكون خالصة لوجه الله تعالى.
استشعر هؤلاء خطورة ما ورد في الحديث الشريف:
“إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ، رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ.
وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ”.
فكان خوفهم من أن يكون عملهم وبالاً عليهم هو المحرك للتخلص من هذه الكتب. وتعددت لديهم الوسائل، فمنهم من لجأ إلى غسل الورق ليذوب الحبر وتُمحى الكتابة، ومنهم من أتلف الكتب بالحرق، أو دفْن الكتب في الأرض أو إلقائها في الآبار حتى تضيع معالمها.
– الإمام شعبة بن الحجاج (المتوفى سنة 160هـ) أوصى ابنه سعداً بأن يغسل كتبه ومؤلفاته بعد موته. وقد نفذ الابن الوصية بالفعل، وكان شعبة أمير المؤمنين في الحديث. وعلى الرغم من غسل كتبه، فقد روي علمه ومعارفه عبر تلاميذه الموثوقين الذين سمعوا منه، مثل: محمد بن جعفر المعروف بغندر (توفي سنة 193).
– علي بن عيسى الشيرازي (المتوفى سنة 420هـ) (شارح كتاب سيبويه) قد أتلف شرحه لكتاب سيبويه بغسله بالماء.
– الإمام الماوردي (المتوفى 450هـ) وهو من أكابر علماء الشافعية، أوصى أحد مقربيه ألا ينشر كتبه إلا إذا ظهرت عليه علامة اتفقا عليها عند احتضاره، تدل على قبول العمل وإخلاصه، ولحسن حظنا، ظهرت تلك العلامة فبسط يده، وفهم منها الإذن بنشر علمه الذي وصل إلينا، ومن أنفعها: “الحاوي الكبير” في فقه مذهب الإمام الشافعي، وتفسيره “النكت والعيون”، و”أدب الدنيا والدين” و”الأحكام السلطانية”.
إن القوم كانوا يكتبون المجلدات الكبار، ثم يساورهم القلق من شائبة ضئيلة في الإخلاص، لأن الله سبحانه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً.
وكان العلماء يتبعون مسلكاً دقيقاً لتجديد نيتهم أثناء إلقاء الخطب أو المحاضرات، وذلك من خلال التوقف المفاجئ والسكوت في وسط الحديث. وإن أحدهم لا يشق له في البلاغة غبار ولم يكن سكوتهم ناتجاً عن “حَصَر” (أي عجز عن الكلام أو نسيان المادة العلمية)، بل كانوا يملكون قدرة فائقة على الاسترسال في الحديث دون توقف، ثم يقع منهم السكوت لتجديد النية أثناء الخطبة أو المحاضرة أو الوعظ، وذلك خوفاً من أن يشوب عملهم شائبة من غير الإخلاص، كانت لحظة صمت مقصودة لمراجعة القلب وتجديد النية، فالمتحدث قد يشعر في لحظة ما بتسلل حظ النفس أو الرياء أو إعجاب الجمهور به، فيسكت ليصحح قصده ويجعل كلامه خالصاً لوجه الله تبارك وتعالى.
مشاهدنا اليوم
في ظل انتشار التصوير والهواتف المحمولة التي أصبحت لا تفارق أيدينا في كل عمل نقوم به، لا بد من وقفة مع النفس.
إن تصوير ونشر العبادات حين يصبح عادة أو هدفاً، يُدخل العبد في دائرة الخطر العظيم الذي حذر منه القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومًا مَّدۡحُورًا﴾ [الإسراء: 18] أي ثواب الدنيا وسمعتها وشهرتها، فعاقبة هذا قد تكون المذمة والخذلان.
وحذر النبي ﷺ فقال: “إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ” قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: “الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ عز وجل لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا، فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً”.
ومن الرياء أن تعمل عملاً تريد به وجه الله، ثم يدخل عليه حظوظ حب الناس والثناء، فيختلط اختلاط الحابل بالنابل.
والإنسان الصادق يسأل نفسه قبل التصوير: ما حظي من هذا الفعل وما حظ الله منه؟ وما تلك الرغبة في نيل ثناء أو شهرة؟!
فينبغي للمسلم أن يعتاد تجديد النية حتى لا يسترسل في عمله وهو مدفوع برغبة إعجاب المشاهدين أو المتابعين. فلو خالط العمل شائبة لغير الله مهما كانت ضئيلة فإن الله لا يقبله. نعوذ بالله من الخذلان!
ومن الضَرورة انتباه العبد لما يأتي ولما يذر، والتأكد من أن المحرك الأساسي هو وجه الله، وليس وجود الكاميرا أو رصد أعين الناس. تذكر قول الله تعالى ﴿إِنّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمًا ثَقِيلًا﴾ [الإنسان: 27] فتجنب أن تكون منهم. وتذكر وعيد “أول من تُسعر بهم النار”؛ فإن استحضار عقوبة مَنْ علَّمَ أو تَصَدَّق أو جاهد “ليقال عنه” ذلك يمثل رادعاً قوياً عن الانجراف وراء حظوظ النفس.
أيها الأحبة، إننا إن أردنا لأعمالنا القبول، ولأوقاتنا البركة، فلنسترها، ولنجعل منها سراً بيننا وبين الله. لا يكن همك صورة تنشر، بل ليكن همك دمعة تُسكب، وخشوع يعمق، وتضرع يصدق. إن الذي يعمل في الخفاء، لا ينتظر جزاءً ولا شكوراً، ويكفيه أن الله يراه.
وتأمل كيف تنقلب الموازين: صاحب المخلاة أراد الدنيا بجزء من عمله، فكاد يُحبَط عمله. وعلماؤنا أرادوا الآخرة حتى فيما يتركونه من علم، فخافوا على كتبهم أن تكون حجة عليهم لا لهم. فأي المشهدين نختار؟ مشهد التصوير للناس، أم مشهد التصوير للقصد الخالص لله؟ ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَذۡكِرَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [الحاقة: 48].





