
سوريا تعيد أطفال معتقلين إلى عائلاتهم
أبريل 11, 2026
الانشغال بتصوير العبادات
أبريل 11, 2026الشيخ فرج كُندي
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في ليبيا
فقه الأولويات هو العلم بوضع الأمور في مراتبها الشرعية الصحيحة، بحيث يُقدّم الأهم فالأهم، والأوجب فالأوجب، ويُعطى كل شيء حقّه من التقديم أو التأخير وفقاً لأهميته وضرورته. وهو يهدف إلى تحقيق الموازنة بين المصالح المتعارضة ودفع المفاسد الأكبر، وهو ضروري لتنظيم الأعمال وتحقيق الأهداف في ضوء الأدلة الشرعية.
أهمية فقه الأولويات أولويات:
تُواجه الأمّة أثناء سَعيِها للنّهوض واسترجاعِ سالفِ مجدِها الكثيرَ من المسائل التي تحتاجُ لبحثٍ ونظر وعمل، وهي كثيرةٌ ومتشعِّبة، لكن من أين تكون البداية؟ وعلى أيِّها يكون التركيز؟
لقد باتَ واضحًا أنه من المستحيل النهوضُ بالأمّة والقيامُ بهذا الدين جملةً واحدة في وقتٍ واحد، لذا كان من الضروريِّ البحثُ في منهجٍ واضحٍ يقومُ على قواعد وأسسٍ علميةٍ تُبيِّن لنا ما هو الأحق بالتقديم، وما هو الأحق بالتأخير، وما هو المهم، وما هو الأهم والأولى. مع الإقرار بأن الدينَ كاملٌ ولا يجوز التفريط في شيء منه.
وهذا يطرح سؤال ما المقصود بفقه الأولويات؟ وما دليله؟ وما هي ضوابطه؟ وما هي الأسس التي يُعتمد عليها في ترتيب هذه الأولويات؟
وللإجابة على هذا السؤال نحتاج التعريف بمقصود فقه الأولويات، فـ”المقصود بفقه الأولويات هو الترتيب، أي ترتيب الأحكام حسب أهميتها وفضلها؛ فيُقدم الفاضل على المفضول والأهم على المهم“.
وهو فقه وعلم يتعلق بالدعوة إلى الله تعالى، وترتيب أمورها، فيما يجب أن يُقدم أو يؤخر حسب أركان الدعوة: الداعية والمدعو وموضوع الدعوة والوسيلة والأسلوب، ويكون هذا الترتيب وفق الضوابط الشرعية المستمدة من كتاب الله عز وجل وسنة نبينا محمد ﷺ.
فالأولويات هي تحديد مراتب الأحكام والأعمال ووضعها موضعها المناسب الذي يتعلق بها “ميزانٌ للأعمال، الأَولى فالأَولى، ووضعُ الشيء في نصابه ومكانته ودرجته؛ فيُقدّم الأهم فالأهم، والأحوجُ فالأحوجُ، والأنفعُ فالأنفعُ، ومن هذا الباب: الدعوة إلى التوحيد قبل العبادات، وإلى الإيمان قبل الأحكام، والخوف من الله قبل النهي عن المحرمات” 4.
مشروعية فقه الأولويات
يستمد فقه الأولويات مشروعيته من كتاب الله عزّ وجلّ وسُنة رسوله ﷺ، وهو منهج عملي في عهد رسول الله ﷺ وفي عصر خلفائه الراشدين وصحابته الكرام والتابعين، وهو المنهج الذي يجب على الأمة أن تسير عليه للنهوض بالأمة ولإصلاحها والعودة بها إلى سالف عهدها ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: 110]، وهذا ما نبه إليه الإمام مالك رحمه الله إذ يقول: “وَلَا يُصْلِح آخِر هَذِه الْأُمَّة إلَّا مَا أصْلَح أوَّلَهَا”.
فقه الأولويات من القرآن
جاء في كثير من آيات القرآن الكريم أن الأحكام والأعمالَ ليست سواء، وأنها مُتفاوتةٌ في الأهمية من حيث التقديم والتأخير بحسب أولويتها، ومِن ذلك على حسب المثال لا الحصر:
- قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [التوبة: 19]. ففي هذه الآية تفاضل بين أمرين هُما طاعة وقُربة، وبينت أنهما لا يستويان، فالجهاد في سبيل الله أعظمُ درجةً عند الله لأنّ نفعه للأمة أكبر، فعظم عليه الأجر دون سواه.
قال الإمام ابن تيمية: ”ولهذا قال العلماء: إن الرباط بالثغور أفضل من المجاورة بالحرمين الشريفين؛ لأن المرابطة من جنس الجهاد، والمجاورة من جنس الحج، وجنس الجهاد أفضل باتفاق المسلمين من جنس الحج” .
- قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة:271]. وفيه أولوية الإسرار بالصدقة. قال الهراسي: “فيه دلالةٌ على أن إخفاء الصدقات مطلقًا أولى”. من الإعلان عنها وعرضها للناس.
- قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: 219]. وفيه أولوية تقديم درء المفاسد على جلب المنافع حفاظاً على المصلحة الأهم.
- قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 217]. وفيه أن درء المفاسد العظيمة مقدم على درء المفاسد الصغيرة، وفيه إبراز أهمية الحاجة إلى فقه الأولويات في تقرير الأحكام، وهو ما عبر عنه العز بن عبد السلام في تفسير أولوية بيان الحكمة من تقديم الصد والإخراج ثم بيان أن الفتنة أشد حرمة وأكثر فتنة من القتل في الشهر الحرام: “فأخبرهم بأن الصد والإخراجَ والفتنةَ أكبرُ من القتل في الحرم والشهر الحرام”.
فقه الأولويات من السنة
إن الدلالات على فقه الأولويات في السنة النبوية جاءت في كثرة كاثرة من المسائل التي حدثت في حياة النبي ﷺ، أو من خلال ما أخبر به ودلّ عليه ﷺ، أو أوصى بها وحض على مراعاتها:
- قوله ﷺ لمعاذ بن جبل: “إنكَ ستأتي قومًا أهلَ كتاب، فإذا جئتهم، فادعُهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله”. وفي رواية: “فَليكُن أولَ ما تدعوهُم إلى أن يوحِّدوا الله تعالى”. فيه توضيح أولويات الدعوة وهي شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله –توحيد الله والرسالة والرسول- ثم تأتى الدعوة مرتّبة ترتيباً أولوياً مع التقديم بالتوحيد.
- وفي صورة أخرى من السنة في ترتيب النبي ﷺ الأولويات في الدعوة إلى الإسلام، أنه جاء رجلٌ من أهل نَجد يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله ﷺ: “خمسُ صلواتٍ في اليومِ والليلة”. فقال: هَل عليَّ غيرُها؟ قال: “لا، إلا أن تَطَوَّع”. قال رسول الله ﷺ: “وصيامُ رمضان”. قال: هل عليّ غيرُه؟ قال: “لا، إلا أن تَطَوّع”. قال: وذكر له رسول الله ﷺ الزكاة، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: “لا، إلا أن تَطَوّع”. قال: فأدبَرَ الرجل وهو يقول: والله لا أزيدُ على هذا ولا أنقُص، قال رسول الله ﷺ: “أفلَحَ إن صَدَق”. وفيه أن النبي قدّم أولوية الفرائض بعضها على بعض وأولوية تقديم الفرائض على النوافل في الطاعات.
- وقال رسول الله ﷺ: “ما مِن أيامٍ العملُ الصالح فيها أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام” -يعني أيام العشر- قال: قالوا: يا رسول الله، ولا الجهادُ في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجلًا خرجَ بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء”. وفيه أولوية عشر ذي الحجة على غيرها في العمل الصالح لفضلها وأفضلية العمل فيها.
قواعد تحديد الأولويات
إن تحديد فقه الأولويات في إصدار الأحكام يحتاج قواعد وأسساً ضابطة ومحددة بل ناظمة في ترتيب الأولويات، وليست متروكة دون قواعد، وعلى الباحث أو الداعية أو المفتي أن يراعيها ويعمل بمقتضاها ولا يحيد عنا، حتى لا يقع في المحظور وقد يسبب من المفاسد أكثر من المصالح بسبب جهله أو عدم تقيده بهذه القواعد والأسس الناظمة لتحقيق مقصد فقه الأولويات:
- الاعتماد على المصادر الشرعية الأصلية في الاستدلال
وذلك لتحديد الأولويات، بالرجوع إلى الكتاب والسنة الصحيحة، والقواعد الشرعية المنبثقة منهما وفق الضوابط التي قررها أهل الاختصاص من العلماء الراسخين. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. وقال رسولُ الله ﷺ: “إنِّي قد تركتُ فيكم شيئينِ لن تَضِلُّوا بعدَهما: كتابَ الله وسُنّتي” .
- تقديم ما قدمه الشارع الحكيم
من القواعد والأسس التي يجب الالتزام بها في فقه الأولويات تقديم ما قدمه الله ورسوله ﷺ، والأمثلة عليه كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، منها:
تقديم إصلاح ذات بين المسلمين على أداء النوافل، قال رسول الله ﷺ: “ألا أُخبركم بأفضلِ من درجةِ الصلاة، والصيام، والصدقة”؟ قالوا: بلى! قال ﷺ: “إصلاحُ ذاتِ البَين”، قال: “وفسادُ ذاتِ البِين هي الحالِقة”.
- معرفة الواقع والعلم به
وهذا ما علم به أصحابه ﷺ حينما يبعثهم إلى أقوام يزودهم بمعلومات عن القوم وما هم عليه من ديانة وعادات، ويزود رسله من الدعاة إلى أولويات ما يدعون إليه وكيف يدعون وما كان منه -كما سبق- مع معاذ بن جبل خير شاهد على أهمية معرفة فقه الواقع وعلاقته بفقه الأولويات في الدعوة إلى الله تعالى. قال ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: “إنكَ تقدُم على قومٍ أهلِ كتاب”. قال ابن دقيق العيد: “فإن أهل الكتاب أهل علم، ومُخاطبتهم لا تكون كمُخاطبة جُهّال المشركين، وعَبدة الأوثان في العناية بها والبداءة في المطالبة بالشهادتين: لأن ذلك أصل الدين الذي لا يصح شيء من فروعه إلا به”.
- الموازنة بين جلب المصالح ودرء المفاسد
ومنه ما ذكرته أم المؤمنين عن امتناع النبي ﷺ عن إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم؛ لحداثة إسلام قريش وعدم ثبات الإسلام في قلوبهم، وخشيته من أن تحصل بسبب ذلك مفسدة، فقدَّم درء المفسدة على جلب المصلحة، قال ﷺ: “لولا أن قومَكِ حديثُ عهد بالجاهلية، فأخاف أن تُنكِرَ قلوبُهم، أن أُدخِلَ الجَدْرَ في البيت، وأن أُلصِق بابَه بالأرض”.
- مراعاة حال الأشخاص ومقدار معرفتهم
جاء في سيرة النبي ﷺ ومنهجه في الدعوة أنه لم يُعنف الأعرابي ومنع الصحابة أن يزجروه حين بالَ في المسجد لحداثة عهده بالإسلام وجهله بأحكام المساجد؛ فقال ﷺ: “لا تُزْرِمُوهُ، دَعُوهُ”. فَتَرَكوه حتى بَالَ، ثم إنَ رسول الله ﷺ دعاهُ فقال له: “إن هذه المساجدَ لا تَصلُحُ لشيءٍ من هذا البول ولا القَذَر، إنما هي لِذكر الله عز وجل، والصلاةِ وقراءةِ القرآن”.
- مراعاة النظر إلى مآلات الأمور
تُعد هذه القاعدة من الأولويات.. النظر في ما يترتب على فعل بعض الأشياء؛ لأن مآلاتها قد تسبب إضراراً بالدعوة أكثر مما تجلبه من منفعة، وقد تؤدي إلى النفور من الدين أو استغلالها في محاربة الدين وتشويهه من قِبل الأعداء والخصوم؛ فقد امتنع النبي ﷺ عن قتل المنافقين حتى لا يؤثِّر ذلك على مسيرة الدعوة، وقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا يتحدثُ الناس أن محمدًا يقتلُ أصحابه”.
ومن خلال هذه القواعد والأسس يأتي فقه الأولويات بثمرته المرجوة في نشر الدعوة والتقيد بأحكام الشريعة، وبفقدان فقه قواعد فقه الأولويات أو تغييبها يحدث خلل بالغ في الدعوة، ويوقع كثيرًا من الدعاة في اضطراب في المنهج؛ فتضيع بذلك الأوقات، وتُهدر الطاقات، ويُحدث ذلك أثرًا سلبيًا، بل نتائج عكسية.
أولويات الدعوة في سيرة رسول الله ﷺ
رتب النبي أولويات الدعوة بصورة منظمة ومتوافقة مع واقع البيئة التي كانت موضع الدعوة وتعدد الناس وتنوع مشاربهم وعقائدهم وأجناسهم، وجعل هذا الترتيب نموذجاً يحتذي به من جاء من بعده من الدعاة إلى الإسلام ومن عاصره من صحابته الكرام، وجاء هذا الترتيب في سيرته العطرة ﷺ بحسب الأهمية:
- أولوية الدعوة إلى تصحيح العقيدة، وعبادة الله ونبذ الشرك وعبادة الأصنام
إنَّ الحاجة إلى توحيد الله وعبادته دون سواه تحتل الأولوية في الإسلام؛ فالتوحيد أول ما يدخل به المرء في الإسلام، فهو أول واجب على العبد وهو أول دعوة الرسل قال تعالى: ﴿ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].
وأمضى النبي ﷺ حياته في الدعوة إلى توحيد الله تعالى والجهاد من أجله؛ قال ﷺ: “أُمِرتُ أن أُقاتِلَ الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله”.
لهذا كان التوحيد الأمر الأولى بالعناية من غيره. جاء ذلك في قول عائشة رضي الله عنها: “إنما نَزلَ أولَ ما نزلَ منه سورةٌ من المُفصّل، فيها ذكرُ الجنّة والنار، حتى إذا ثَابَ الناس إلى الإسلامِ نَزل الحلال والحرام، ولو نَزلَ أولَ شيءٍ: لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا نَدعُ الخمرَ أبدًا، ولو نزلَ: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا”.
ويُفهم من هذا الأثر أن أولوية إيمان الناس في الإسلام ودخولهم في الدين بكلِّ طريقةٍ مُمكنة من الأهمية بمكان، إلى أن قُدمت على ما سواها من الأولويات.
- الدعوة لدخول الناس في الدين أولى من قتالهم
عُرف الإسلام بالحرص على إيمان الناس ودخولهم في الدين بكل الطرق والوسائل المتاحة، والأولوية للدعوة على القتال أو خوض المعارك، لذلك سعى إلى تقديم الدعوة وعقد المعاهدات لتأمين فتح باب أولوية الدعوة للدخول في دين الله، ودلل على ذلك عدة مواقف منها: بقاء النبي ﷺ ثلاث عشرة سنة في مكة لم يأذن فيها بمحاربة المشركين الذين كانوا يؤذونه وأصحابه، بل صبر على إيذائهم، وأمر أصحابه بالصبر على ذلك طيلة مكوثه بمكة. بل كان يأمل ممن أذاه أن يخرج من صلبه مَن يعبد الله تعالى ولا يشرك به، لما قال له مَلَك الجبال: “إن شئتَ أن أُطبِقَ عليهم الأَخشَبين؟ فقال النبي ﷺ: “بل أرجو أن يُخرِجَ الله مِن أصلابِهم من يعبدُ الله وحدَه”، وقبِل ﷺ صُلح الحديبية مقدِّماً السلم على الحرب، وراغباً في إسلام قريش وتعظيمًا لشعائر الله.
- أولوية المحافظة على العهود والمواثيق
يقرر الإسلام إن العهود والمواثيق لا تتجزأ، والالتزامَ بها ضرورة لا محيد عنها رغم كل ما يحيط بها من ظروف ومستجدات ومهما بلغت الخصومة، “كان النبي ﷺ حريصًا على أداء الأمانات التي كانتْ مودعةً لديه إلى أهلها، الذين استباحوا دمه، وأرادوا قتْلَه، لكنه لم يستبِحْ أموالهم، فترَك علياً رضي الله عنه في فِراشه ليردّها لهم من الغد”.
وهذا ما علمه لأصحابه ﷺ؛ فهذا حذيفة رضي الله عنه لم يشهد بدرًا لأن قريشًا خلت سبيله بعد أن أخذت عليه عهد الله وميثاقه أن ينصرف إلى المدينة ولا يقاتل، قال: فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر، فقال: “انصرفا، نفي لهم بعهدهم، ونستعين اللهَ عليهم”، كما أنه ﷺ ردّ أبا بصير وأبا جندل رضي الله عنهما إلى قريش عملاً ببنود عهد صلح الحديبية، ولم يأت رسول الله ﷺ أحد من الرجال إلا رده في تلك المدة، وإن كان مسلمًا.
وفي تأكيده على الالتزام بالعهود والمواثيق كأولوية قال رسول الله ﷺ: “لكل غادرٍ لواءٌ يوم القيامة، يرفع له بقدر غدره، ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة”.
وأخيراً فإن العواقب المترتبة على إقصاء العمل بالأولويات كبيرة، ومنها:
- خلل وإرباك في الدعوة إلى الله، ويوقع الدعاة في اضطراب في المنهج؛ فتهدر أوقاتهم وطاقاتهم وتضيع كثير من الفرص التي قد تحدث تغييراً كبيراً لو أحسن استغلالها وفق منهج فقه الأولويات، كما يترتب الإعراض عن فقه الأولويات آثار سلبية قد لا يمكن تداركها، وربما أنتجت نتائج عكس المقصود منها.
- إقصاء ترتيب الأولويات قد يؤدي إلى صراع ونزاع بين الأمة وربط الولاء والبراء على أساس هذا النزاع، كالاختلاف على عدد ركعات صلاة التراويح، والقبض والسدل والسجود على الركبتين أم اليدين، وتحريك الأصبع في التشهد، وهو ما يفتح باب الصراع والفرقة. فتضعُف الأمة ويذهبُ ريحُها ويتسلّط عليها الأعداء، وهذا ما حذّر الله تعالى منه، فقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [الأنفال: 46].
والحمد لله رب العالمين.





