
أزمة الوقود والكهرباء تخنق غزة
مارس 24, 2026
فتح مكة
مارس 24, 2026العلامة أبو الحسن الندوي
رحمه الله*
إن العالم العربي له أهمية كبيرة في خريطة العالم السياسية، وذلك لأنه وطن أمم لعبت أكبر دور في التاريخ الإنساني، ولأنه يحتضن منابع الثروة والقوة الكبرى: الذهب الأسود الذي هو دم الجسم الصناعي والحربي اليوم؛ ولأنه صلة بين أوربة وأمريكا، وبين الشرق الأقصى، ولأنه قلب العالم الإسلامي النابض يتجه إليه روحياً ودينياً ويدين بحبه وولائه، ولأنه عسى -لا قدر الله- أن يكون ميدان الحرب الثالثة، ولأن فيه الأيدي العاملة، والعقول المفكرة، والأجسام المقاتلة، والأسواق التجارية، والأراضي الزراعية.
ولأن فيه مصر ذات النيل السعيد بنتاجها ومحصولها وخصبها وثروتها ورقيها ومدنيتها، وفيه سورية وفلسطين وجاراتها، باعتدال مناخها وجمال إقليمها وأهميتها الاستراتيجية، وبلاد الرافدين بشكيمة أهلها ومنابع البترول فيها، والجزيرة العربية بمركزها الروحي وسلطانها الديني، واجتماع الحج السنوي الذي لا مثيل له في العالم، وآبار البترول الغزيرة.
كل ذلك قد جعل العالم العربي محط أنظار الغربيين وملتقى مطامعهم وميدان تنافس لقيادتهم، وكان رد فعله أن نشأ في العالم العربي شعور عميق بالقومية العربية، وكَثُرَ التغني بالوطن العربي والمجد العربي.
محمد رسول الله روح العالم العربي
ولكن المسلم ينظر إلى العالم العربي بغير العين التي ينظر بها الأوربي، وبغير العين التي ينظر بها الوطني العربي، إنه ينظر إليه كمهد الإسلام ومشرق نوره ومعقل الإنسانية، وموضع القيادة العالمية، ويعتقد أن سيدنا محمداً العربي هو روح العالم العربي وأساسه وعنوان مجده؛ وأن العالم العربي -بما فيه من موارد الثروة والقوة وبما فيه من خيرات وحسنات- جسم بلا روح، وخط بلا وضوح إذا انفصل -لا سمح الله بذلك- عن سيدنا رسول الله ﷺ وقطع صلته عن تعاليمه ودينه؛ وأن سيدنا رسول الله ﷺ هو الذي أبرز العالم العربي للوجود، فقد كان هذا العالم وحدات مفككة، وقبائل متناحرة، وشعوباً مستعبدة، ومواهب ضائعة، وبلاداً تتسكّع في الجهل والضلالات.
فكان العرب لا يحلمون بمناجزة الدولة الرومية والفارسية ولا يخطر ذلك منهم على بال، ولا يصدقون بذلك إذا قيل لهم في حال من الأحوال. وكانت سورية التي تكون جزءاً مهماً من العالم العربي مستعمرة رومية تعاني الملكية المطلقة والحكم الجائر المستبد، لا تعرف معنى الحرية والعدل، وكان العراق مطيَّة لشهوات الدولة الكيانية مثقلة بالضرائب المجحفة والإتاوات الفادحة. وكانت مصر قد اتخذها الرومان ناقةً حَلُوْباً رَكُوباً، يجزون صوفها ويظلمونها في علفها، ثم إنها تعاني الاضطهاد الديني مع الاستبداد السياسي.
فما لبث هذا العالم المفكك المنحل، المظلوم المضطهد، أن هبت عليه نفحة من نفحات الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ، أدرك رسول الله من هذا العالم وهو ضائع هالك، وأخذ بيده وهو ساقط متهالك، فأَحْيَاه بإذن الله وجعل له نوراً يمشي به في الناس، وعلمه الكتاب والحكمة وزكاه؛ فكان هذا العالم بعد البعثة المحمدية سفير الإسلام، ورسول الأمن والسلام، ورائد العلم والحكمة، ومشعل الثقافة والحضارة. كان غوثاً للأمم، غيثاً للعالم، هنالك كانت الشام وكان العراق، وكانت مصر، وكان العالم العربي الذي نتحدث عنه، فلولا محمد ﷺ، ولولا رسالته، ولولا ملته، لما كانت سورية، ولا كان العراق، ولا كانت مصر، ولا كان العالم العربي، بل ولا كانت الدنيا كما هي الآن حضارة وعقلاً، وديانة وخلقاً.
فمن استغنى عن دين الإسلام من شعوب العالم العربي وحكوماته، وولى وجهه شطر الغرب أو أيام العرب الأولى، أو استلهم قوانين حياته أو سياسته من شرائع الغرب ودساتيره أو أَسَّسَ حياته على العنصرية أو العروبة التي لا شأن لها بالإسلام، ولم يَرْضَ برسول الله ﷺ قائداً ورائداً وإماماً وقدوة، فليرد على محمد بن عبد الله ﷺ نعمته ويرجع إلى جاهليته الأولى، حيث الحكم الروماني والإيراني، وحيث الاستعباد والاستبداد، وحيث الظلم والاضطهاد، وحيث الجهل والضلالة، وحيث الغفلة والبطالة، وحيث العزلة عن العالم، والخمول والجمود، فإن هذا التاريخ المجيد، وهذه الحضارة الزاهية، وهذا الأدب الزاخر، وهذه الدول العربية، ليست إلا حسنة من حسنات محمد عليه الصلاة والسلام.
الإيمان هو قوة العالم العربي
فالإسلام هو قومية العالم العربي، ومحمد هو روح العالم العربي وإمامه وقائده، والإيمان هو قوة العالم العربي التي حارب بها العالم البشري كله فانتصر عليه، وهو قُوَّته وسلاحه اليوم كما كان بالأمس، به يقهر أعداءه، ويحفظ كيانه ويؤدي رسالته. إن العالم العربي لا يستطيع أن يحارب الصهيونية أو الشيوعية أو عدواً آخر بالمال الذي ترضخه بريطانيا أو تتصدق به أمريكا أو روسيا، أو تعطيه مقابل ما تأخذ من أرضه من الذهب الأسود، إنما يحارب عدوه بالإيمان والقوة المعنوية، وبالروح التي حارب بها الدولة الرومية والإمبراطورية الفارسية في ساعة واحدة فانتصر عليهما جميعاً.
إنه لا يستطيع أن يحارب أعداءه بقلب يحب الحياة ويكره الموت، وبجسم يميل إلى الدعة والراحة، وعقل يخامره الشك وتتنازع فيه الأفكار والأهواء، أو بيد مضطربة وقلب متشكك ضعيف الإيمان وقوة متخاذلة في الميدان.
فالمهم لأمراء العرب وزعمائهم وقادة الجامعة العربية أن يغرسوا الإيمان في الشعوب العربية، وجماهير الأمة وأولياء الأمور، والجيوش العربية والفلاحين والتجار، وفي كل طبقة من طبقات الجمهور، ويشعلوا فيها شعلة الجهاد في سبيل الله، والتَّوْقَ إلى الجنة، ويبعثوا فيها الاستهانة بالمظاهر الجوفاء وزخارف الدنيا، ويعلموهم كيف يتغلبون على شهوات النفس ومألوفات الحياة، وكيف يتحملون الشدائد في سبيل الله، وكيف يستقبلون الموت بثغر باسم، وكيف يتهافتون عليه تهافت الفراش على النور.
تضحية شباب العرب قنطرة إلى سعادة البشرية
بُعث رسول الله ﷺ وقد بلغت شقاوة الإنسانية غاية ما وراءها غاية، وكانت قضية الإنسانية أعظم من أن يقوم لها أفراد متنعمون، لا يتعرضون لخطر ولا لخسارة ولا محنة، لهم النعيم الحاضر والغد المضمون، إنما تحتاج هذه القضية إلى أناس يضحون بإمكانياتهم ومستقبلهم في سبيل خدمة الإنسانية وأداء رسالتهم المقدسة، ويعرضون نفوسهم وأموالهم ومعائشهم وحظوظهم من الدنيا للخطر والضياع، وتجاراتهم وحرفهم ومكاسبهم للتلف والكساد، ويخيبون آمال آبائهم وأصدقائهم فيهم، حتى يقولوا للواحد منهم كما قال قوم صالح: ﴿قَالُوا يَا صْالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوا ًقَبْلَ هَذَا﴾ [هود: ٦٢].
إنه لا بقاء للإنسانية ولا قيام لدعوة كريمة بغير هؤلاء المجاهدين، وبشقاء هذه الحفنة من البشر في الدنيا -كما يعتقد كثير من معاصريهم- تنعم الإنسانية وتسعد الأمم، ويتحول تيار العالم من الشر إلى الخير، ومن السعادة أن يشقى أفراد وتنعم أمم، وتضيع أموال وتكسد تجارات لبعض الأفراد وتنجو نفوس وأرواح لا يحصيها إلا الله من عذاب الله ومن نار جهنم.
علم الله عند بعثة الرسول الله أن الروم والفرس والأمم المتحضرة المتصرفة بزمام العالم المتمدن، لا تستطيع بحكم حياتها المصطنعة المترفة أن تتعرض للخطر وتتحمل المتاعب والمصاعب في سبيل الدعوة والجهاد وخدمة الإنسانية البائسة، ولا تستطيع أن تضحي بشيء من دقائق مدنيتها وتأنقاتها في الملبس والمأكل أن تتنزل عن حظوظها ولذاتها وزخارفها فضلاً عن حاجاتها، وأنه لا يوجد فيها أفراد يقوون على قهر شهواتهم، والحد من طموحهم، والزهد في فضول الحياة ومطامع الدنيا، والقناعة بالكفاف، فاختار الرسالة الإسلام وصحبة الرسول عليه الصلاة والسلام أمة تضطلع بأعباء الدعوة والجهاد وتقوى على التضحية والإيثار، تلك هي الأمة العربية القوية السليمة التي لم تبتلعها المدنية ولم ينخرها البذخ والترف، وأولئك أصحاب محمد ﷺ “أَبَرُ الناس قلوباً وأَعْمَقُهُم عِلماً وأَقَلُّهم تكلفاً”1.
قام الرسول بهذه الدعوة العظيمة فأدى حقوقها: من الجهاد في سبيلها وإيثارها على كل ما يقف في وجهها، والعزوف عن الشهوات ومطامع الدنيا فكان في ذلك أسوة وإماماً للعالم كله، كلمه وفد قريش وعرض عليه كل ما يغري الشباب ويرضي الطامحين من رئاسة وشرف ومال عظيم وزواج كريم، فرفض كل ذلك في صرامة وصراحة، وكلمه عمه وحاول أن يحد من نشاطه في سبيل الدعوة فقال ﷺ: “يا عَمَّ! واللهِ لَوْ وَضَعُوْا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذا الأَمْرَ حَتَّى يُظهِرَهُ الله أو أهلكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ”2.
ثم كان أسوة للناس في عصره وبعد عصره بقيامه بأكبر قسط من الجهاد والإيثار، والزهد وشظف العيش وأقل قسط من العيش وأسباب الحياة، فقد أوصد على نفسه الأبواب وسد في وجهه الطرق وتعدى ذلك إلى أسرته وأهل بيته والمتصلين به، فكان أكثر الناس اتصالاً به وأقربهم إليه أقلهم حظاً في الحياة، وأعظمهم نصيباً في الجهاد والإيثار، فإذا أراد أن يحرم شيئاً بدأ ذلك بعشيرته وبيته، وإذا سَنَّ حقاً أو فتح باباً لمنفعة قدم الآخرين وربما حرمه على عشيرته الأقربين.
أراد أن يحرّم الربا فبدأ بربا عمه العباس بن عبد المطلب فوضعه كله، وأراد أن يهدر دماء الجاهلية فبدأ بدم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب فأبطله، وسنّ الزكاة وهي منفعة مالية عظيمة مستمرة إلى يوم القيامة فحرمها على عشيرته بني هاشم إلى آخر الأبد، وكلمه علي بن أبي طالب يوم الفتح أن يجمع لبني هاشم الحجابة مع السقاية فأبى وطلب عثمان بن طلحة وناوله مفتاح الكعبة وقال: “هاك مفتاحك يا عثمان! اليوم يـوم بـر ووفاء”، وقال: “خُذُوْهَا خَالِدَةٌ تالدة فيكم لا ينزعها منكم إلا ظالم”3.
وحمل أزواجه على الزهد والقناعة وشظف العيش وخيرهن بين عشرتهن مع الفقر وضيق العيش، ومفارقته مع السعة والرخاء وتلا عليهن قوله تعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّبِیُّ قُل لِّأَزۡوَ ٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتَهَا فَتَعَالَیۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحࣰا جَمِیلࣰا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡـَٔاخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَـٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِیمࣰا﴾ [الأحزاب: ٢٨-٢٩]. فاخترن الله والرسول، وتأتيه فاطمة تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها أنه جاءه رقيق فيوصيها بالتسبيح والتحميد والتكبير ويقول لها: “إنه خير لها من خادم”4.. وهكذا كان شأنه مع أهل بيته والمتصلين به فالأقرب ثم الأقرب.
و آمن به رجال من قريش في مكة فاضطربت حياتهم الاقتصادية اضطراباً عظيماً، وكسدت تجاراتهم وحُرم بعضهم رأس ماله الذي جمعه في حياته، وحُرم بعضهم أسباب الترف والرخاء وأناقة اللباس التي كان فيها مضرب المثل، وكسدت تجارة بعضهم لاشتغاله بالدعوة وانصراف الزبائن عنه، وحرم بعضهم نصيبه في ثروة أبيه.
ثم لما هاجر الرسول إلى المدينة وتبعه الأنصار تأثرت بذلك بساتينهم ومزارعهم، فلما أرادوا أن يقبلوا عليها بعض الوقت ويصلحوها لم يسمح لهم بذلك، وأَنذرهم الله به فقال: ﴿وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكة﴾ [البقرة: ١٩٥].
وهكذا كان شأن العرب والذين احتضنوا هذه الدعوة منهم، فقد كان نصيبهم من متاعب الجهاد وخسائر النفوس والأموال أعظم من نصيب أي أمة في العالم وقد خاطبهم الله بقوله: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَاۤؤُكُمۡ وَأَبۡنَاۤؤُكُمۡ وَإِخۡوَ ٰنُكُمۡ وَأَزۡوَ ٰجُكُمۡ وَعَشِیرَتُكُمۡ وَأَمۡوَ ٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَـٰرَةࣱ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَـٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَاۤ أَحَبَّ إِلَیۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادࣲ فِی سَبِیلِهِۦ فَتَرَبَّصُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ﴾ [التوبة: ٢٤] وقال: ﴿مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِینَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن یَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا یَرۡغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ﴾ [التوبة: ۱۲۰]. لأن سعادة البشرية إنما كانت تتوقف على ما يقدمونه من تضحية وإيثار، وما يتحملون من خسائر ونكبات فقال: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٥] وقال: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: ٢] وكان إحجام العرب عن هذه المكرمة وترددهم في ذلك امتداداً لشقاء الإنسانية، واستمراراً للأوضاع السيئة في العالم فقال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣].
وقد وقف العالم في القرن السادس المسيحي على مفترق الطرق، إما أن يتقدم العرب ويعرضوا نفوسهم وأموالهم وأولادهم وكل ما يعز عليهم للخطر، ويزهدوا في مطامع الدنيا، ويضحوا في سبيل المصلحة الاجتماعية بأنانيتهم فيسعد العالم، وتستقيم البشرية، وتقوم سوق الجنة، وتروج بضاعة الإيمان، وإما أن يؤثروا شهواتهم ومطامعهم وحظوظهم الفردية على سعادة البشرية وصلاح العالم، فيبقى العالم في حمأ الضلالة والشقاء إلى ما شاء الله.
وقد أراد الله بالإنسانية خيراً وتشجع العرب -بما نفخ فيهم محمد ﷺ من روح الإيمان والإيثار وحَبَّبَ إليهم الدار الآخرة وثوابها- فقدموا أنفسهم فداء للإنسانية كلها، وزهدوا في مطامع الدنيا طمعاً في ثواب الله وسعادة النوع الإنساني، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، وضحوا بكل ما يحرص عليه الناس من مطامع وشهوات وآمال وأحلام، وأخلصوا لله العمل والجهاد، فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يُحِبُّ المحسنين.
وقد استدار الزمان كهيئته يوم بُعث الرسول ﷺ، ووقف العالم على مفترق الطرق مرة ثانية إما أن يتقدم العرب -وهم أمة الرسول وعشيرته- إلى الميدان ويغامروا بنفوسهم وإمكانياتهم ومطامحهم، ويخاطروا فيما هم فيه من رخاء وثراء، ودنيا واسعة، وفرص متاحة للعيش، وأسباب ميسورة، فينهض العالم من عثاره وتتبدل الأرض غير الأرض، وإما أن يستمروا فيما هم فيه من طمع وطموح، وتنافس في الوظائف والمرتبات وتفكر في كثرة الدخل والإيراد وزيادة غلة الأملاك وربح التجارات والحصول على أسباب الترف والتنعم، فيبقى العالم في هذا المستنقع الذي يتردّى فيه منذ قرون.
إن العالم لا يسعد وخيرة الشباب في العواصم العربية عاكفون على شهواتهم، تدور حياتهم حول المادة والمعدة لا يفكرون في غيرهما، ولا يترفعون عن الجهاد في سبيلهما، ولقد كان شباب بعض الأمم الجاهلية الذين ضحوا بمستقبلهم في سبيل المبادئ التي اعتنقوها أكبر منهم نفساً، وأوسع منهم فكراً، بل كان الشاعر الجاهل امرؤ القيس أعلى منهم همَّةٌ، إذ قال:
ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ** كفاني، ولم أطلب قليلاً من المال
ولكنما أسعى لمجد مؤثَّلٍ ** وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي
إن العالم لا يمكن أن يصل إلى السعادة إلا على قنطرة من جهاد ومتاعب يقدمها الشباب المسلم. إن الأرض لفي حاجة إلى سماد، وسماد أرض البشرية الذي تصلح به وتُنبت زرع الإسلام الكريم هي: الشهوات والمطامع الفردية التي يضحي بها الشباب العربي في سبيل علو الإسلام وبسط الأمن والسلام على العالم، وانتقال الناس من الطريق المؤدية إلى جهنم إلى الطريق المؤدية إلى الجنة.
إنه لثمن قليل جداً لسلعة غالية جداً !
العناية بالفروسية والحياة العسكرية
من الحقائق المؤلمة أن الشعوب العربية قد فقدت كثيراً من خصائصها العسكرية، ورزئت في فروسيتها التي كانت معروفة بها في العالم، فكانت رزيئة كبيرة وخسارة فادحة، وكانت سبباً من أسباب ضعفها وعجزها في ميدان الجهاد، فقد اضمحلت الروح العسكرية، وضعفت الأجسام ونشأ الناس على التنعم، وقد حلت السيارات محل الجياد حتى كادت الخيل العربية تنقرض من الجزيرة العربية، وهجر الناس المصارعة والمناضلة وسباق الخيل وأنواع الرياضة البدنية والتدريبات العسكرية، واستبدلوا بها ألعاباً لا تفيدهم شيئاً، فالمهم لرجال التعليم والتربية قادة الشعوب العربية أن يربوا الشبيبة العربية على الفروسية والحياة العسكرية، وعلى البساطة في المعيشة وخشونة العيش والجلادة وتحمل المشاق والمتاعب، والصبر على المكروه !
وقد كتب المربي الكبير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى بعض عماله العرب وهم في بلاد العجم: “إياكم والتنعم وزي العجم، وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب، وتمعددوا واخْشَوْشِنُوا، واخْشَوْشِبُوا، واخْلَوْلِقُوْا، وأعطوا الركب أسنتها، وانزوا نزواً، وارموا الأغراض”5.
وقد قال النبي ﷺ: “ارْمُوْا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيا”6. وقال ﷺ: “أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْي”7.
ــــــــــــــــــــــــــــ
* أبو الحسن الندوي، ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ط3 (دمشق: دار ابن كثير، 2003م)، ص375 وما بعدها
1 حديث موقوف، رواه البغوي عن ابن مسعود رضي الله عنه، في مشكاة المصابيح (۳۲/۱).
2 أخرجه ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام (١/ ٢٦٥-٢٦٦). قال الهيثمي في المجمع (١٥/٦): رواه أبو يعلى باختصار يسير من أوله ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.
3 زاد المعاد (١/ ٤٢٥ )؛ نقلاً عن طبقات ابن سعد.
4 رواه البخاري عن علي رضي الله عنه في كتاب فرض الخمس، رقم الحديث (۲۸۸۱).
5 رواه البغوي عن أبي عثمان النهدي. وتمعدد الغلام: شب وغلظ. اخشوشن: تخشن في المطعم والملبس. اخشوشب: صار صلباً كالخشب في أحواله وصبره على الجهد. اخلولقوا: تبذلوا في الملابس.
6 أخرجه البخاري، 2684.
7 أخرجه مسلم، 3541.





