
زعامة العالم العربي
مارس 24, 2026
غرباء في زمن انقلاب الموازين.. حين تُجرَّم الطهارة وتُمجَّد الخيانة
مارس 25, 2026(رمضان 8هـ)
ألفونسو دي لامارتين
المستشرق والدبلوماسي والمؤرخ الفرنسي*
كان أتباعه الكثيرون الذين ظلوا إلى ذلك الحين في مكة وما زال خوفهم يمنعهم من الجهر بعقيدتهم.. يناشدونه أن يأتي بعد طول انتظار منهم ليحررهم مما كانوا فيه من أسر روحي. وكانت به هو من جهة أخرى رغبة في تعزيز ثقة جيشه في نفسه بعد أن دب فيه إحساس ببعض الإحباط نتيجة هزيمته الأخيرة، فكان ذلك كله يفرض عليه أن يقدم على غزوة طالما أجلها، فلم يعد يقف دونه ودونها خوف مقاومة القرشيين مقاومة يائسة، فسار إلى مكة على رأس عشرين ألف رجل، وقد قرّ قراره على أن يرفع آخر الأمر رايته عليها.
وحينما اقترب ارتجفت القلوب، فهرع إليه أحد أعمامه وهو العباس بن عبد المطلب، مع جميع أهله وذويه وأعلن إسلامه، ثم صار إثر ذلك المفاوض باسمه مع قريش. أما أبو سفيان، وكان القائد الأوسع نفوذاً في مكة فظل على تردده، فصانعه العباس بأمر من محمد ومنحه حق أن يحمي في بيته كل أعداء النبي الذين يلجأون إليه، ثم أوقف العباس أبا سفيان على ربوة يستطيع منها أن يرى مرور الجيش الفاتح فأحس أبو سفيان أن ذلك العدد الضخم من المقاتلين وما كان لسلاحهم من بريق يسحقه سحقاً، فقال للعباس: “من هم أولئك الرجال المدججون بالحديد حتى لا ترى منهم إلا أعينهم من مغافرهم”؟ فقال العباس: “هو محمد وحراسه”. فقال أبو سفيان: “فـمُلك ابن أخيك إذن ذو أبهة وجلال”. فقال العباس: “مُلك؟ ما هذا الذي تقول؟ أنسيت أن ابن أخي ليس بـمَلك، وإنما هو نبي”؟ فاستدرك القائد القرشي وقال: “نعم، هو ذاك”. وعاد إلى مكة ليقنع أهلها بأنه من الخور مقارعة تلك القوة الجبارة التي كان يعتقد أنها تفوق قوة البشر.
وقسم محمد جيشه إلى أربع فرق، عيّن على رأس كل فرقة منها قائداً يأتمر بأمره، وإذ صاح أحد قواده: “النصر للنبي ها نحن، آخر الأمر يوم الملحمة!” عزله محمد على الفور، وكان لا يحب أن يتلطخ نصره بالدم، وعيّن قائدًا آخر مكانه، ودخل مكة راكباً جمله مردفاً ابن الشهيد زيد، الذي قتل في الغزوة الأخيرة، يحيط به من الجانبين أبو بكر وأسيد وقد امتطيا فرسين، وحراسه أمامه ووراءه كغيمة دكناء، وكانت على رأسه قلنسوة سوداء علامة على الهول والرعب، وهي قلنسوة لم يلبسها قط إلى يومه ذاك. وأمر أن تُضرب خيمة على ربوة يشرف منها على مدينة مكة بأسرها.
وأطلق محمد يد عليّ في سبعة عشر مشركًا خرجوا من كل شفاعة وغفران، ليثأر منهم، فانطلق علي وجنوده يلاحقونهم ليقتلوهم، فالتجأ اثنان منهم –اتقاء القتل– إلى بيت إحدى بنات عم النبي أبي طالب، واسمها (أم هانئ)، فرفضت أن تفتح باب منزلها لجنود علي، وجرت مسرعة إلى خيمة محمد تطلب العفو عنهما. فلما رأها، قطع صلاته ومشى نحوها خطوات وقال لها: “أهلاً بك يا ابنة العم، ماذا تريدين”؟ فقالت: “أسألك حياة رجلين استجارا ببيتي” فقال: “من استجار بك فقد استجار بي، فلا يتعرض لهما أحد”.
ثم ركب فرساً وطاف بالكعبة، وإذ رأى حمامة نحتت من الخشب ما زالت معلقة بالسقف، رمى بها الجدار فكسرها، وعند تلك الإشارة، هوى الثلاثمائة والستون وثناً التي كانت تزين ساحة الكعبة فإذا هي تراب، فصاح: “جاء الحق وزهق الباطل، يا أهل قريش لا إله إلا الله صدق وعده وأعز جنده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، لا فرق بين عربي وعجمي، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم”.
ثم أعلن عن عفو عام، وأمر بنسيان كل ما لقي هو من إهانة وشتيمة، وجلس إثر ذلك أمام باب الكعبة، وقد عادت بدعوته وسلاحه إلى الله الواحد، وبدا جذلاً مستمتعاً في ضرب من الوجد العميق، بإنجاز ما كُلف به، وبانتشار شِرعته في مستقبل الأيام.
وجاء أبو بكر بشيخ ضرير ناهز المائة، كان يرغب -قبل أن تأتيه المنية- في أن يلمس ثوب النبي، وقد طال انتظاره لقدومه حتى يقضي على معتقدات بني قومه وأوهامهم. فقال محمد لأبي بكر: “لم أخرجت هذا الشيخ الجليل من بيته؟ لو علمت بأمره لذهبت أنا إليه وزرته في بيته”. ثم أجلس الشيخ على بساطه، ومسح بيده على صدره في ألفة وعرض عليه أن يقول الجملة التي تجعله مسلماً لله الواحد، فتشهّد الشيخ وهو يبكي فرحاً.
وذهب محمد بعد ذلك فجلس على صخرة بالصفا، فجاءه إليها أهل قريش وأعلنوا إسلامهم. فأثار إسلام قريش بعض المخاوف لدى أهل المدينة فتهامسوا: “سيتخذ عاصمته المدينة التي نشأ فيها”؛ فقال لهم محمد في وفاء واعتراف بالجميل: “لا، أقسم لكم أني سأعيش وأموت بينكم”.
ولقي جماعة من قبيلة من القبائل التي في جيشه محاربًا -بمكة- من قبيلة أخرى كان قد قتل قبل مجيء الإسلام واحداً منهم فقتلوه. فدعا محمد بهم وقال في حزم: “لما خلق الله الأرض وهب مكة فضل أن تكون ملاذ أمن وسلام لا يثأر فيه أحد من أحد ولا حتى من شجرة، فأطيعوا الله الذي يحرم القتل”، ودفع هو نفسه دية المقتول لقبيلته التي تأذت من القتل.
ثم إنه -بعد فترة وجيزة- كان مثال من يغضي عن الثأر تجاه من أساء إليه، وجرح قلبه جرحاً عميقاً ضرب رجل، يدعى الهبار بن الأسود بن عبد المطلب، ابنته زينب بعصا رمحه، فدحرجها عن راحلتها، وكانت هي خارجة من مكة قاصدة أباها بالمدينة، وكانت إذ ذاك حاملاً، فماتت بعد ذلك بأيام نتيجة سقطتها وهي في حضن أبيها. فذهب هبار إلى محمد يستغفره عما أتى، وأسلم بين يديه، فقال له النبي: “أذهب سالماً، فإن رجوعك إلى الله الحق يجبّ ما سلف من سيئاتك”.
وركب مشرك آخر يدعى عكرمة البحر الأحمر هربًا من انتقام المنتصر، فأرسل إليه محمد قلنسوته السوداء، علامة على أنه أمن، فرجع عكرمة إلى مكة، ولما كان يهم بالمثول أمام النبي خشي محمد أن يسيء جنوده إلى عكرمة بقول أو بفعل، لما قد يأخذهم من الغيظ عند رؤيته، فقال لهم: “سيأتي عكرمة ليعلن إسلامه، فلا يذكرن أحدكم أباه بسوء”.
وقد عفا كذلك عن العبد الأسود وحشي الذي قتل حمزة، عم النبي الحبيب إلى نفسه، وعن النساء اللاتي مثّلن بقتلى المؤمنين في ساحة المعركة بجبل أحد، بل وعن هند نفسها، تلك الشرسة التي امتصت الدم من قلب حمزة. كانت هند متنقبة في جمع النساء اللاتي جئن يعلن إسلامهن أمام محمد، تأمل ألا تلتقي عينها بعينه، غير أنه تعرفها وناداها باسمها، فقالت: “نعم، أنا هند، فاغفر لي ما مضى”. ورجعت إلى بيتها وقد عفا عنها النبي وكسرت ما فيه من أوثان وقد أيقنت أنها لا تملك لها نفعاً ولا قدرت أن تحمي بني قومها.
وبعد تلك الأعمال الدالة على سيادته وسلطانه، ذهب يترحم على قبر زوجته الأولى، الفاضلة خديجة. وظل طويلاً أمام القبر في خشوع لم يجرؤ أحد على سؤاله عن سببه ولا على أن يقطعه عنه، ولم يكن أحد قادرًا على أن يدرك مدى ما كان يجيش بصدره من هواجس وذكريات وفرح وترح، وقد عبر المحنة طويلاً، وانتصر آخر الأمر، وكان يرى عندئذ أنه أنجز العمل الذي أوكل إليه. فجاء يضعه كإكليل زهر على قبر تلك التي كانت أول من آمن به في زمن كفر الناس جميعًا به وأنكروه، وكانت أول أتباعه وكانت أول من أفضى إليه بما يعتزم الاضطلاع به من أمر عظيم، لقد سلبه موت خديجة أعذب ما في النصر بالفتح من متعة، متعة أن تحس بالظفر الزوجة التي قاسمته طوعا ما لقي من اضطهاد وازدراء، غير أنه اكتفى بأن رتل على قبرها آيات من القرآن صلاة على تلك المرأة المؤمنة.
وقبل أن يعود محمد إلى المدينة، نشر الجزء الأكبر من جيشه في أنحاء جزيرة العرب، ليفرض الطاعة على جميع القبائل، سواء كان ذلك مثلما وقع في مكة أو كان عنوة، وكانت أوامره إلى قواده أن يكونوا مسالمين ينشدون التحالف أكثر من أن يكونوا فاتحين، ومنع عليهم إراقة الدماء، غير أن أحد القواد، وهو خالد، خرق الأمر ونكل بقبيلة جاءت تعلن عن إيمانها بالله الواحد. فلما علم محمد بالخبر استفظعه ورفع يديه إلى السماء وصاح قائلاً: “اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد”.
وبينما كان عائدا إلى المدينة هاجمه عند مخرج شعب عرفات ائتلاف من المحاربين ينتمون إلى قبائل ما زالت -حينئذ- على شركها، يقودهم شيخ أعمى تجاوز المائة، لم تعد ذراعاه قادرتين على حمل السيف، ولكن طول تجربته جعلت منه دوماً فطن الصحراء. فكان يستعرض جموعه لا بالبصر بل بحسيس الحشود، يتعرفها دون أن يحتاج إلى أن تُسمى له، فكان يقول: “نحن في مكان كذا، وهو مكان يصلح لأن يكون ساحة قتال للخيالة، فالأرض ليست صخرية ولا رملاً متحركًا”، أو يقول: “أسمع ثغاء نعاج القبيلة الفلانية” أو “أسمع وقع حوافر خيل بني فلان” أو “أسمع الأطفال يبكون والنساء يتهامسن وراء المقاتلين.
وخرجت تلك الجموع فجأة من شعاب الجبال التي كانت تحجب حشود المقاتلين فردت المسلمين على أعقابهم وشتتت شملهم حتى التفوا حول محمد نفسه، وكاد يُقضى عليه، وهو في غمرة ظفره، فغمز بغلته البيضاء (دلدل) فأركضها فعدت به بما وسعها من السرعة حتى بلغ أعلى ربوة فتوقف وتوصل بعناء إلى جمع جنوده الفزعين حوله وقال بصوت مدو: “إليّ إليّ، يا أيها الذين أقسمتم على أن تموتوا تحت السمرة”.
فأوقفت هذه الذكرى المقدسة فرار الهاربين، وشدت من عزم الباسلين، فانقلبت المعركة على المشركين. ووقف محمد على الركاب ليشرف ببصره على المعركة، وصفق فرحاً وقال: “إنها النار تستعر في قلب المعركة من جديد”. وقطع عليّ عرقوب الجمل الذي يحمل الشيخ المسن، فتدحرجت الراية والدابة وراكبها في التراب، وكان النصر للمسلمين، وحينما رأى محمد سقوط الراية، زاد حماساً وكلم بغلته الذكية فقال: “ابركي يا دلدل”، فبركت، فالتقط النبي حفنة من تراب ونثرها بعيداً لعنة للكافرين.
ـــــــــــــــــــــــــ
* ألفونسو دي لامارتين، مختارات من حياة محمد، ترجمة: محمد قوبعة، (الكويت: مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين، 2006)، ص100 وما بعدها.





