
فتح مكة
مارس 24, 2026
ابن خلدون
مارس 25, 2026بقلم: مؤيد علان شقيرات – كاتب فلسطيني
الحمد لله الملك الحقّ المبين، العزيز الحكيم، الذي جعل سننه في الأمم ماضية لا تتبدّل، وأقام حجّته على عباده بكتابه المبين، والصلاة والسلام على قائدنا وقدوتنا للأبد سيدنا محمد، إمام الهدى وقائد الغرّ المحجّلين، وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين، أما بعد..
تشهد الأمة في مراحل من تاريخها تحوّلات حادّة في ميزان القيم، تنقلب فيها المفاهيم حتى يُصبح الحق غريبًا والباطل مألوفًا، وتُجرَّم الفضيلة وتُسوَّق الرذيلة في ثوب الحكمة والعقلانية. وهذه الظاهرة ليست وليدة عصرنا، بل هي سنّة ماضية قصّها القرآن الكريم بوضوح، وبيّنها النبي ﷺ في أحاديثه، حتى تبقى الأمة على بصيرة إذا تكرّر المشهد في كل زمان ومكان.
ومن أبرز الآيات القرآنية الكاشفة لهذه الظاهرة قول الله تعالى: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [النمل: 56]. يا الله! مَن الذين أُمر بإخراجهم من ديارهم؟ أأُخرج الفُجّار العابثون؟ أم أُقصي المفسدون العابثون بالدماء والأعراض؟ أأُبعد السارقون والخائنون والمتآمرون مع الأعداء؟ كلا والله بل كان الإقصاء من نصيب الأطهار المصلحين، الذين لم يحملوا إلا قلوبًا نقيّة، وألسنةً صادقة، وأيديًا نظيفة، فأصبح جرمهم الوحيد أنّهم يتطهّرون، وقال بعض المفسّرين: إن القوم لم يجدوا حجة على أهل الحق، فعمدوا إلى تشويه فضيلتهم وجعلها سببًا للنبذ، فكان التطهّر نفسه تهمة تُستوجب الإبعاد.
وعليه فإن هذه الآية القرآنية البليغة تكشف لنا وجهًا من وجوه الانحراف الحضاري، وسنّةَ الظالمين على مرّ التاريخ، وهي تحذيرٌ من سنّة تتكرّر في كل جيل؛ فقصةُ قوم لوط ليست من أساطير الأوّلين، بل هي نبضٌ من واقعنا المعاصر، حيث إذا ضاق صدرُ الظالمين من أهل الإيمان، لم يناقشوهم بالحُجّة، بل شوّهوا سمعتهم بالبهتان، وطاردوهم ليقتلوهم أو يسجنوهم أو لنفيهم من الأوطان. فأصبح أهل الإيمان يُقدَّمون للناس على أنّهم غرباء شاذّون، ويُصوَّر الطُّهر على أنّه تُهمة، والإيمان على أنّه خطرٌ يهدّد السكينة المزيّفة التي يصطنعها أهل الباطل. ويُصوَّرون على أنّهم إرهابيون، متطرّفون، متزمّتون، متشدّدون، خارجون عن القانون، ذوو أجندات خارجية؛ وما جرمهم إلا أنّهم يدعون إلى الله، ويصدعون بالحق، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويُوالون الله، ويُعادون من عاداه، ويجاهدون في سبيل الله، ويأبون الخيانة والتطبيع والولاء للأعداء.
ولئن كانت كلمة “أُخرجوا” لم تكن قرارًا فرديًا، بل سياسة سلطة منحرفة، ونظام ساقط، ومجتمع نُزع عنه الإيمانُ ورداءُ الحياء؛ فإن المشهد ذاته الذي تكرّر على مرّ العصور نراه اليوم في بلاد المسلمين من جاكرتا إلى الرباط: يُكرَّم الخائن، ويُحتفى بالعميل، ويُمنح الألقاب والمناصب والأموال، بينما يُعتقَل الشرفاء، ويُطارَد العلماء والدعاة الربّانيون، ويُزجّ بالمجاهدين في السجون، لا لأنهم اعتدوا أو أفسدوا، بل لأنهم أبَوا أن يُسلّموا راية الجهاد لعدوٍّ غاصب، وأصرّوا أن يظلّوا أوفياء لعهد الله. يُلاحَق الداعية لا لأنه نافق أو خان، بل لأنه جهر بكلمة “ربيَ الله” بحقّها، ويُقمع ويُضيَّق على حملة الدعوة لا لأنهم ضلّوا السبيل، بل لأنهم تمسّكوا بدينهم وصدعوا بالحق، وأبَوا أن يبيعوا مبادئهم في مزادات الذلّ والخنوع. فأيُّ عجبٍ أعجب من زمنٍ يُجرَّم فيه الطُّهر، ويُشوَّه فيه العفاف، ويُحارَب فيه الإخلاص، وتُغتال فيه الكلمة الصادقة؟
إنه زمنٌ انقلبت فيه الموازين، وتبدّلت فيه القيم، وصدق فينا حديث النبي ﷺ: “سيأتِي على الناسِ سنواتٌ خدّاعاتٌ؛ يُصدَّقُ فيها الكاذِبُ، ويُكذَّبُ فيها الصادِقُ، ويُؤتَمَنُ فيها الخائِنُ، ويخَوَّنُ فيها الأمينُ، وينطِقُ فيها الرُّويْبِضَةُ”. قِيلَ: وما الرُّويْبِضةُ؟ قال ﷺ: “الرجُلُ التّافِهُ يتَكلَّمُ في أمرِ العامةِ”.
إنها اللحظة التي يُزيَّن فيها الباطل حتى يبدو عقلانية، ويُجرَّم فيها الحق حتى يبدو تهورًا وجنونًا. أليست هذه السنوات ما نعيشه اليوم؟ أليس هذا واقعنا الذي نراه صباح مساء؟ ففي الأرض التي بارك الله حولها، يُقدَّم الثبات على أنه تشدد، ويُوصم التمسك بالحقوق بأنه تعطيل للسلام، وتُلاحق كل كلمة صادقة لأنها تُربك سرديات التنازل؛ فأصبح الخائن الذي ينسّق أمنيًا ويطبع مع يهود يُقدَّم في الإعلام “رجلَ دولة ودبلوماسية”، وتُسمّى خيانته “حنكة سياسية”، ويُستقبل بالأحضان، ويُحتفى به على المنابر والشاشات. وفي المقابل يُطارَد الأمين، ويُسجن المجاهد، ويُسلَّم المقاوم خلف القضبان، لا لذنب جناه سوى أنه أبى الركوع للاحتلال وأسياده، وأبى أن يبيع دينه ودماء أمّته في أسواق التنازلات والخيانات.
كل ذلك الانقلاب المفاهيمي قد أصبح متجذرًا وواضحًا في ظل حكم سلطة التنسيق الأمني المُدنّس، التي غدت أضخم شجرة غرقد ضُربت جذورها في قلب الأرض المباركة فلسطين، وهي ليست إلا صورة مُصغّرة عن الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين في أيامنا هذه؛ أنظمة تحكم بغير ما أنزل الله، وتستبدل بشرع الرحمن قوانين وضعية مستوردة من الغرب، وتضطهد دعاة الحق، وتوالي الأعداء، وتحارب أولياء الله نيابة عن المستعمر الكافر. وكيف لا، وهم في حقيقتهم ليسوا إلا وكلاء لبني صهيون؟ وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: 51].
فأيّ وضوح أبلغ من هذا البيان؟ وأيّ حجّة أبين من هذه الآيات الكريمة؟ لكنهم عَمُوا وصَمُّوا، فصار تنسيقهم خيانة، وبقاؤهم خذلانًا، وسكوتُ الناس عنهم مشاركة في الجريمة، وضياعًا للأمانة.
ولنتذكّر قول النبي ﷺ: “إذا ضُيِّعَتِ الأمانَةُ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ قالَ: كيفَ إضاعَتُها يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: إذا أُسْنِدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ”. فما تمكّن هؤلاء الحكّام من رقابنا إلا بتفريطنا، وما استمرّوا في غيّهم إلا بصمتنا، وما خانوا إلا برضانا عنهم أو سكوتنا عليهم. فاعلموا يقينًا أن هؤلاء الحكام جميعًا على درب واحد؛ درب الخيانة والعمالة والتآمر على دينكم وأمتكم. إنهم يرتعدون من عودة الحكم بشرع الله، ويجزعون من قيام دولة الخلافة وتحرير بيت المقدس، أكثر مما يخشون بطش كيان يهود نفسه؛ لأنهم يعلمون يقينًا أن زوال كيان يهود يعني زوالهم معه، وانكشاف زيف سلطانهم أمام وعد الله الحق.
ومع ذلك، فلا عجب مما يجري؛ فطريق الأنبياء لم يكن يومًا مفروشًا بالورود، بل كان مملوءًا بالأشواك والابتلاءات والدموع. فعندما سُئِلَ رسولُ اللهِ ﷺ أيُّ النَّاسِ أشدُّ بلاءً؟ قال: “الأنبياءُ ثمَّ الأمثلُ فالأمثَلُ”. فما أشبه اليوم بالأمس؛ فكما قال قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ﴾، يقولون اليوم: أخرجوا أهل الإسلام من مناحي الحياة. فلا تعجب إذا شُيطن المجاهدون اليوم، ولُمِّع الخائنون كما شُيطن الأنبياء من قبل.
لا تعجب إن نُعتَّ بالتطرف لأنك اعتززت بدينك، ولا تعجب إن أُلصقت بك التهم، أو حوربت في رزقك وضُيّق عليك لأنك جاهرْت بالحق، لا تعجب إن مُنعت من السفر، أو سُحبت منك جنسيتك، أو أُدبرت عنك وجوه أقرب الناس إليك؛ فإنك تسير في درب الأنبياء.
فطوبى لكم أيها الغرباء، كما قال الحبيب ﷺ: “فطُوبَى للغُرَبَاءِ”. قيل: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: “الَّذين يُصلِحون عندَ فَسادِ النَّاسِ”. فلا تخشوا طريق الغرباء؛ فإن الطهارة في زمن الخبث تهمة، لكنها عند الله وسام شرف، وإن الصدق قد يكلّفكم الكثير اليوم، لكنه يرفعكم غدًا عند العزيز الجبار. ولا تبالوا إن وُصفتم بالإرهاب؛ فقد رُمي سيدنا يوسف عليه السلام بالسجن، ورُمي سيدنا موسى عليه السلام بالجنون، ورُمي سيدنا محمد ﷺ بالسحر والكهانة، وما كانوا إلا أطهر الخلق وأكرم الناس عند الله. فسبحان من جعل قصص القرآن آياتٍ تتلى، لا تُحكى للتسلية، بل لتفضح زيف الواقع، وتكشف سنن الظالمين، وتبشّر المؤمنين بأن العاقبة للمتقين.
فيا من يطلب النور في ظلمة هذا الزمان، تمسّك بالحق وإن قلّ أهله، ولا تغترّ بكثرة السالكين. قال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: 116]. وتذكّر أن الله ناصر دينه ولو بعد حين؛ فقد قال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ] [غافر: 51]. فاثبتوا أيها الغرباء الصادقون، وكونوا ممن يُصلحون إذا فسد الناس، ويُصلّون إذا نام الناس، وينكرون المنكر إذا سكت الناس.
واعلموا أن الله معكم ما دمتم معه، وأن الخيانة زائلة وإن طال ليلها، ولن يبقى الظلم وإن تجبّر، وإن النصر آتٍ؛ فالنصر وعد الله الحق، لا يأتي إلا من عنده، ولن يتحقق إلا على يد من يُقيمون دينه، لا على يد من يُقيمون أمن يهود. قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].
فأقيموا ميزان الحق في أنفسكم، ولا تكونوا حراسًا لاحتلالٍ غاصب، ولا أدواتٍ في يد سلطة ظالمة فاسدة، بل قوموا بواجبكم، واصبروا على الأذى، واعملوا لإقامة دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، التي ستحرر المسرى والأسرى وسائر بلاد المسلمين؛ الدولة التي ستُنهي حكم الرويبضات، وتقطع يد الخونة، وتقتلع كيان يهود من جذوره، وتعيد للأقصى مكانته، وللأمة هيبتها وعزتها، وللإسلام دولته، وستعيد للأمة الفجر بعد الظلمة، والعز بعد الهوان، والسيادة بعد التبعية، وإن غدًا لناظره قريب، والحمد لله رب العالمين.





