
دور الإسلام في إصلاح النصرانية
يناير 19, 2026
جرحى بغارات الاحتلال على قطاع غزة ووفاة رضيعة جراء البرد القارس
يناير 20, 2026فجعلوا فرنسا كالأندلس!
جوستاف لوبون
المستشرق الفرنسي الشهير
كان جيش شارل مارتل مؤلفاً من البوغورن والألمان والغول، وكان جيش عبد الرحمن الغافقي مؤلفاً من العرب والبربر، وظلت المعركة غير حاسمة بعض اليوم، فلما كان المساء انفصلت فرقة من جيش الفرنج لتُغير على معسكر المسلمين، فترك المسلمون ميدان القتال ليحافظوا على غنائمهم، فأسفرت هذه الحركة الخرقاء إلى خسرانهم، فاضطروا إلى القتال متقهقرين إلى الجنوب، وقد تتبعهم شارل مارتل من بعيد، وحاصر أربونة غير موفق، وأخذ ينهب البلاد المجاورة على حسب عادات ذلك الزمن، وحالف أمراء النصارى العرب؛ ليتخلصوا منه، وحملوه على القتال مرتداً.
ولم يلبث المسلمون، بعد أن أفاقوا من تلك الضربة التي أصابهم بها شارل مارتل، أن أخذوا يستردون مراكزهم السابقة، وقد أقاموا بفرنسة قرنين بعد ذلك، وقد سلم حاكم مرسيلية مقاطعة البروفنس إليهم في سنة 737م، واستولوا على الآرل، ودخلوا مقاطعة سان ترويز في سنة 889 م، ودامت إقامتهم بمقاطعة البروفنس إلى نهاية القرن العاشر من الميلاد، وأوغلوا في مقاطعة الفالة وسويسرة سنة 935 م، وروى بعض المؤرخين أنهم بلغوا مدينة ميس.
وتثبت إقامة العرب بفرنسة مدة تزيد على قرنين بعد شارل مارتل أن النصر الذي أحرزه في بواتية لم يكن مهماً كما زعم المؤرخون، ولم يقم إجماع هؤلاء المؤرخين الذين قضوا علينا أن شارل مارتل أنقذ أوربة والنصرانية من العرب على أساس متين كما يبدو لنا، فلم تكن غزوة عبد الرحمن الغافقي سوى حملةٍ قام بها ليمون جنوده، ويمكنهم من أخذ مغانم كثيرة، وما كان العرب ليفعلوا أكثر من نهب مدينة تور وبضع مدن أخرى، سواء انتصر شارل مارتل أو لم ينتصر، وما كان هممهم مصروفاً إلى غير العودة بما غنموه على أن يعيدوا الكرة في سنة أخرى إلى أن يجدوا أمامهم من التحالف ما يدحرهم.
ولم يستطع شارل مارتل أن يطرد العرب من أية مدينة احتلوها عسكرياً، واضطر شارل مارتل إلى التقهقر أمامهم تاركاً لهم ما استولوا عليه من البلدان، والنتيجة المهمة الوحيدة التي أسفر عنها انتصاره هي أنه جعل العرب أقل جرأةً على غزو شمال فرنسة، ونتيجة مثل هذه، وإن كانت مفيدةً، لم تكفِ لتكبير أهمية انتصار هذا القائد الفرنجي.
ويرى المؤرخون الذين يجسمون قيمة انتصار شارل مارتل على العرب بالقرب من بواتية أنه لولا هذا الانتصار؛ لاستمر العرب على غزواتهم، واستولوا على أوربة، ثم يسألون مذعورين عن مصير الشعوب النصرانية لو خفقت فوقها راية النبي، قال مسيو هنري مارتن في كتابه عن تاريخ فرنسة الشعبي: “لقد تقرر مصير العالم في تلك المعركة، ولو غُلب الفرنج فيها لكانت الأرض قبضة محمد.. ولخسرت أوربة والدنيا مستقبلهما، فليس النشاط الذي يحف الناس إلى التقدم مما تجده في عبقرية المسلمين التي تتلخص في فكرتهم عن الله وإله المسلمين قد جنح إلى العزلة والسكون بعد أن خلق العالم، وهو لا يحث الناس على العمل في سبيل الرقي”.
والجواب عن ذلك هو أن النصر لو تم للعرب ما طرأ تبديل على مقادير البلاد، فإذا ما كان العرب غالبين انتهبوا بضع مدن، على ما يحتمل، زيادةً على المدن التي انتهبوها كما قلنا آنفاً، ثم ارتدوا حاملين غنائمهم إلى ملجأ أمين، ثم عادوا في السنين القادمة إلى سيرتهم الأولى ريثما يلقاهم عدو قوي يديرهم كما وفق له شارل مارتل.
ولكن لنفرض جدلاً أن النصارى عجزوا عن دحر العرب، وأن العرب وجدوا جو شمال فرنسة غير بارد ولا ماطر كجو إسبانية فطابت لهم الإقامة الدائمة به، فماذا كان يصيب أوربة؟ كان يصيب أوربة النصرانية المتبربرة مثل ما أصاب إسبانية من الحضارة الزاهرة تحت راية النبي العربي، وكان لا يحدث في أوربة التي تكون قد هذبت ما حدث فيها من الكبائر كالحروب الدينية، وملحمة سان بارتلمي، ومظالم محاكم التفتيش.. وكل ما لم يعرفه المسلمون من الوقائع التي ضرجت أوربة بالدماء عدة قرون.
ويجب أن يكون المرء جاهلاً تاريخ حضارة العرب جهلاً مطبقاً؛ ليوافق على ما زعمه ذلك المؤرخ العالم من “أن النشاط الذي يحفز الناس إلى التقدم ليس مما تجده في عبقرية المسلمين”، ومن “أن أوربة والدنيا كانتا تخسران مستقبلهما”، فمزاعم مثل هذه ليست مما يقف أمام سلطان النقد عندما يعلم أن التمدن اللامع حل بالبلاد التي خضعت لأتباع الرسول محل الهمجية، وأن النشاط الذي يحفز الإنسان إلى التقدم لم يكن قوياً في أمة مثل قوته في العرب.
ولم يكن احتلال العرب لجنوب فرنسة عدة قرون غير ذي أثر ضعيف، فبما أن المدن التي استولوا عليها في جنوب فرنسة من القواعد الحربية التي كانوا يستندون إليها في غاراتهم لم يبالوا بتمدينها، ولم يكن لهم في جنوب فرنسة مراكز مهمة للحضارة كما اتفق لهم في إسبانية وبلاد المشرق.
ومع أن إقامة العرب بفرنسة نشأت عن بعض السرايا نراهم قد تركوا أثراً عميقاً في اللغة وفي الدم كما نذكر ذلك في فصل آخر، وذلك أنه استقر أناس كثيرون منهم بالأرضين القريبة من المدن التي استولوا عليها وتعاطوا فيها أمور الزراعة والصناعة، وأنهم أدخلوا صناعة البسط إلى أبوسون، وأنهم أدخلوا كثيراً من أساليب الفلاحة كما عزي إليهم، وأنهم امتزجوا بسكان البلاد بسبب محالفاتهم الكثيرة لأمراء النصارى الإقطاعيين المتقاتلين على الدوام، وأنه وجد حفدة للعرب في أماكن كثيرة من بلاد فرنسة كالمقاطعات: كروز والألب الأعلى ومونتمور (جبل المغاربة) وبنيو (شارانت) وبعض قرى لاند وروسيون ولنغدوكة وبيارن، كما أثبت ذلك علم وصف الإنسان، فيمكن الإنسان أن يعرفهم بجلودهم السمر وشعورهم السود وأنوفهم القنو وعيونهم الثاقبة اللامعة، ويمكن المرء أن يعرف نساءهم بألوانهن الزيتية ووجوههن الأسيلة وأعينهن النجل الدعج وحواجبهن الزج وصدورهن الناهدة… إلخ، وإذا كانت هذه الصفات قد ظلت باقية فلم تمح بغرقها في صفات السكان المجاورين، تبعاً للسنن الإنتروبولوجية التي بيناها، فلأن حفدة العرب أولئك ألفوا جماعات صغيرةً منفصلةً عن بقية الأهلين غير متصلة بهم بصلات التوالد.
انتهينا من تاريخ العرب في مختلف الأقطار التي دانت للإسلام، وعلمنا درجة اختلاف هذا التاريخ باختلاف البيئات التي أقاموا بها وبحسب مقاصدهم من الاستيلاء عليها، ورأينا أنهم ذوو أثر بالغ في تمدين الأقطار التي خضعت لهم خلا فرنسة على ما يحتمل، وأن كل بلد خفقت فوقه راية النبي تحول بسرعة، فازدهرت فيه العلوم والفنون والآداب والصناعة والزراعة أيما ازدهار.
ولندع جانباً بياننا المجمل الذي اقتصرنا عليه حتى الآن، ولنبدأ بتفصيل تاريخ حضارة العرب ودرس مبتكراتهم في مختلف المعارف البشرية التي زاولوها، فمهما يكن تاريخ إحدى الأمم السياسي مبهماً أو زاهراً، فإن شأن هذه الأمة الحقيقي في العالم يقاس باكتشافاتها وتأثيرها في ميدان الحضارة.





