
سنة الله في فتح بيت المقدس
يناير 20, 2026
أثر الفراشة لا يُرى لكنه لا يَزول
يناير 21, 2026بقلم: زيجريد هونكه* – المستشرقة الألمانية الشهيرة
لم يكن غريباً أن يلعب الملك ألفونس السادس، ملك ليون وقشطالة لعبة الشطرنج، وقد عرف عنه ابن عمار وزير المعتمد وصديقه قدرته الفائقة في تلك اللعبة. أما أن يهزم ذلك الملك ابن عمار في تلك اللعبة كما ادعى الكثيرون فذلك هو المحال. وكان ابن عمار واثقاً من قدرته على هزيمة الملك ألفونس في تلك اللعبة الفنية بدرجة أنه وعد بإعطائه مدينة إشبيلية مكافأة له إن هو هزمه. وخسر ألفونس في لعبه مع ابن عمار. وأنقذت دولة المعتمد دون حرب، وبقيت إشبيلية للمسلمين، وعاد ابن عمار من معسكر الأعداء فخوراً وخلفه خدمه وأتباعه يحملون عنه رقعة الشطرنج.
إن عادات العرب وألعابهم قد سرت بين الجيران من المسيحيين. وإذا حاول المسيحيون التباعد عن المسلمين بعد احتلالهم للأندلس فإن ذلك لم يدُم أكثر من بضع سنوات تحطمت بعدها جبهة المسيحيين ضد الإسلام. لقد قضى النزاع الداخلي الناشب بين الأمراء المسيحيين على كل تعصب ضد المسلمين. فهذا أمير مسيحي يطلب مساعدة المسلمين ضد أمير مسيحي آخر يهدد إمارته. وذاك يطلب عون المسلمين على استرداد ما سلب منه، وثالث يطلب مساعدة المسلمين ضد ابن عمه الذي سلبه عرشه.
ولن نستطيع أن ننسى اليوم الذي قدم فيه الملك Sancho سانشة ملك ليون Leon إلى قرطبة وتوجه إلى قصر الصخرة، وما إن مثل بين يدي عبد الرحمن حتى خر جاثياً عند قدمي الخليفة يرجوه أن يمده بعون، وأن يأمر طبيباً من أطبائه المهرة بعلاجه من مرض شديد كان يلحّ عليه ولا يجد له شفاء. ويشفى سانشه من مرضه وسمنته ويطرد Ordogno IV سالب العرش فيلجأ هذا الأخير مرتدياً زي الأعراب يطلب عون الحكم الثاني. وقبل أن يدخل على الحكم الثاني يلتقي بعبد الله بن قاسم أسقف اشبيلية وبالوليد قاضي المسيحيين بقرطبة فيعلمانه آداب السلوك في حضرة الخليفة. وكان الأسقف والقاضي يلبسان زياً عربياً ويحملان اسمين عربيين ويتلوان كغيرهما من المسيحيين الإنجيل باللغة العربية. وكان يوحنا أسقف إشبيلية قد ترجمه إلى لغة القرآن.
وقبل ذلك بمائة عام تقريباً كتب ألفارو أسقف قرطبة حينئذ:
“كثيرون من أبناء ديني يقرأون أشعار العرب وأساطيرهم، ويدرسون ما كتبه علماء الدين وفلاسفة المسلمين، لا ليخرجوا عن دينهم وإنما ليتعلموا كيف يكتبون اللغة العربية مستخدمين الأساليب البلاغية. أين نجد اليوم مسيحياً عادياً يقرأ النصوص المقدسة باللغة اللاتينية؟ من منكم يدرس اليوم الكتاب المقدس أو ما قاله الرسل؟ إن كل الشباب النابه منصرف الآن إلى تعلم اللغة والأدب العربيين، فهم يقرأون ويدرسون بحماسة بالغة الكتب العربية ويدفعون أموالهم في اقتناء المكتبات ويتحدثون في كل مكان بأن الأدب العربي جدير بالدراسة والاهتمام. وإذا حدثهم أحد عن الكتب المسيحية أجابوه بلا اكتراث بأن هذه الكتب تافهة لا تستحق اهتمامهم. يا للهول، لقد نسي المسيحيون حتى لغتهم ولن تجد بين الألف منهم واحداً يستطيع كتابة خطاب باللغة اللاتينية. بينما تجد بينهم عدداً كبيراً لا يحصى يتكلم العربية بطلاقة ويقرض الشعر أحسن من العرب”.
وما كان الأسباني ليملك أن يفعل غير ما فعل؛ فقد سحره جمال تلك النهضة وروعتها فلم يجد أمامه سبيلاً سوى الاندماج فيها والمساهمة في إحيائها ليضمن لنفسه البقاء، وكان أثر الإسلام على كل ناحية فكرية أو مادية في تلك البلاد هو الأساس الذي قامت عليه حضارة إسبانيا.
ويذكر (أوردجنو) أن عظمة الأمويين بالأندلس قد سحرته فرجع إلى وطنه بعد أن وضع شخصه ورجاله وعتاده تحت تصرف حاكم المسلمين.
وشهد التاريخ جيوشاً مسيحية تحارب تحت قيادة خليفة المسلمين. وفي عام ۱۰۱۰م فقد ثلاثة من الأساقفة حياتهم في إحدى المواقع دفاعاً عن الخليفة. وشهدت خلافة المنصور عدداً كبيراً من الفرسان عبروا جبال البرانس ليحاربوا تحت لوائه.
كما حفلت قصوره بعدد من أبناء الملوك احتفظ بهم كرهائن لديه وعلمهم الموسيقى والغناء والشعر والأدب العربي. وحمل أبناء الأمراء العرب عاداتهم ومعارفهم وأغانيهم إلى قلاع شمالي إسبانيا حيث عاش بعضهم في قصور الأمراء المسيحيين كرهائن. ومن أمثلة ذلك ما تم بين ابن عمار والكونت ريموند برينار الثاني في برشلونة من اتفاقهما ضد أمير مرسية على أن يعطي ريموند للمسلمين ابن أخيه، وأن يأخذ عنده الصبي رشيد ابن الخليفة المعتمد كرهينة لديه لضمانة تنفيذ الاتفاق.
ولاعب الشطرنج الشهير الملك ألفونس السادس قد تعلّم فنون هوايته تلك بين العرب حين طرده أخوه عن العرش والبلاد معاً، فلجأ إلى العرب الذين أكرموا وفادته وملكوا عليه نفسه، لقد عامله يحيى بن مأمون ملك طليطلة كأحد أبنائه وأبقاه لديه عدة سنوات في قصر خاص به، زوّده بكل وسائل الراحة ووضعه تحت تصرفه.
وكان الزواج بين سكان إسبانيا الشمالية وأهل الأندلس أمراً يحدث كل يوم، ليس بين الأمراء وعلية القوم فحسب، بل بين العامة من الناس أيضاً؛ فهذا شاعر إسباني يتزوج مغنية عربية ويتبعها إلى وطنها غرناطة ويدخل في الإسلام ثم يقع في حب شقيقتها فيتزوجها هي الأخرى، ثم يعود إلى قشطالة بعد ثلاثة عشر عاماً بزوجته وحفنة من الأطفال يتحدثون العربية ويترنمون بالأغاني والقصائد الكثيرة، التي نظمها هو بالعربية مراعياً الوزن والقافية.
وتعددت المسالك التي سلكتها حضارة الأندلس في طريقها للغرب؛ فعمل كثيرون من العرب كمربين لأطفال الملوك، أو كأطباء أو كتبة في بلاطهم في برشلونة ولشبونة وبرغش، كما هاجر كثير من المسيحيين المتعربين إلى قشطالة وأرغون وأرجونة بعد أن أن هاجم المرابطون والموحدون من إفريقية بلاد الأندلس؛ فكانت ألوفهم حملة مشاعل الثقافة والأدب الأندلسي، وصاروا بسلوكهم ومظهرهم الحسن مثالاً يُحتذى. كما عمل الأسرى من المسلمين أيضاً على نقل الحضارة العربية لأمراء شمال إسبانيا.
ولم تكن بلدان شمال إسبانيا على صلة بالأندلس في الجنوب فحسب؛ بل كانت أيضاً على صلة دائمة ببلدان أوروبا سياسياً وتجارياً. ولم تكن البرانس لتمنع تلك الصلات، ومن هنا وجدت الحضارة العربية الأندلسية طريقها إلى الغرب.
وعندما احتل ألفونس السادس طليطلة عام ۱۰٨٥م، ساهم معه في الاستيلاء على المدينة العربية وحصارها فرسان ألمان وإيطاليون وفرنسيون؛ بل إن أول أسقف لها كان فرنسياً حضر بكهنته من كلوني، واندمج الجميع بسكان المدينة العربية، وظلت مدرسة المدينة التي أسسها ريموند بمجموعاتها الهائلة من الكتب العربية تجذب آلاف الأوروبيين من مختلف البلدان إليها.
وعندما حوصرت لشبونة عام ١١٤٧م واحتلت دخلها جنود من الإنجليز والألمان والفرنسيين وعينوا عليها أسقفاً إنجليزياً. واحتل الملك ألفونس المدينة ووزع الأسلاب على جنوده من مختلف البلدان الأوروبية.
وقد حمل مشعل الحضارة العربية عبر الأندلس ألوف من الأسرى الأوروبيين، عادوا من قرطبة وسرقسطة وغيرها من مراكز الثقافة الأندلسية. كما مثل تجار ليون وجنوا والبندقية ونورمبرج دور الوسيط بين المدن الأوروبية والمدن الأندلسية. واحتكت ملايين الحجاج من المسيحيين الأوروبيين في طريقهم إلى سنتياجو بالتجار العرب والحجاج المسيحيين القادمين من شمال الأندلس. كما ساهم سيل الفرسان والتجار ورجال الدين المتدفقين سنوياً من أوروبا على إسبانيا في نقل أسس الحضارة الأندلسية إلى بلادهم.
وحمل اليهود من تجار وأطباء ومتعلمين ثقافة العرب إلى بلدان الغرب، كما اشتركوا في أعمال الترجمة بمدينة طليطلة، ونقلوا عن العربية عدداً كبيراً من القصص والأساطير والملاحم، واحتفظ الملوك والأمراء وعلية القوم من المسيحيين في قصورهم بالجواري من الأسرى وعشقوا آلاتهن الموسيقية وأغانيهن ورقصاتهن. ويحكي أحد المسافرين الألمان أن كونتاً من أصدقائه في برغش كان يمتلك في قصره “نساء رائعات الجمال يتزين ويلبسن الملابس العربية، ولهن سلوك خاص في الحركة والأكل والشرب، وكلهن يجدن الرقص والغناء الأندلسي”، ويكتب سكرتير دوق آخر في مذكرات سيده: “وكلهن ذوات بشرة سمراء وعيونهن مكحلة. وهن يأكلن ويشربن بأدب ويحيين سيدي ببشاشة، وهن عامة صديقات محبات للألمان”.
مذبحة مات فيها أكثر من 6 آلاف
واهتم السادة في الغرب اهتماماً كبيراً بالجاريات العربيات. وحدث في عام ١٠٦٤م، أن قدِم مندوب البابا ألكسندر الثاني يجيش من الفرنسيين والبورجنديين والنورمانيين إلى مركز دفاعي على الحدود العربية الأندلسية اسمه Barbastro، ولما رأى العرب عدم جدوى مقاومتهم استسلموا بعد أن حصلوا على كلمة شرف بالسماح لهم بالانسحاب من الموقع دون أن يلحق بهم أي أذى. ولم يكَد الجنود يغادرون مواقعهم الدفاعية حتى انقض عليهم المسيحيون وقتلوهم عن آخرهم، ثم استداروا إلى أهل البلدة وأعملوا فيهم السيف تذبيحاً حتى قتلوا منهم ستة آلاف، تعفنت جثثهم في بركة من الدماء، وحمل مندوب البابا مزهواً معه إلى روما أكثر من ألف امرأة عربية كأسرى.
وحمل الأمراء الآخرون بعد تلك المذبحة البشرية آلافاً من النساء والفتيات العربيات معهم إلى قصورهم في نورماندي وبورجنديا والبروفانس، وكان على رأس هؤلاء الأمراء فيلهلم الثامن دوق أكيتانيا وكونت بواتييه. وفيلهلم الثامن هذا هو والد أنيتز زوجة الملك ألفونس السادس الذي تزوج بعد وفاتها بسعيدة ابنة الخليفة المعتمد.
وخلف فيلهلم الثامن عام ۱۰۷۱ م ابنه فيلهلم التاسع، الذي تزوج أميرة إسبانية من أرغون، والذي اشتهر في التاريخ كأول تروبادور عرفه الغرب. والتروبادور شاعر غنائي اشتق اسمه من الكلمة العربية “طرب”، وهو ينظم أغانيه على النظام العربي الذي وضعه الشاعر الغنائي العربي ابن قزمان. وابن قزمان هو شاعر البلاط الكبير في بطليوس، الذي قسا عليه الدهر وأصبح مغنياً متجولاً يصحب قرداً ويسير في الشوارع يستجدي الناس.
ولقد اندمج فيلهلم التاسع في قصر أبيه بمئات الجاريات والمغنيات اللواتي أحضرهن والده الدوق من الأندلس عام ١٠٦٤م، بعد المذبحة الأليمة، وأخذ عنهن أصول فن الغناء العربي.
وانتشرت المستعمرات الإسلامية في غربي أوروبا، خاصة في جنوبي فرنسا وغربي جبال الألب، واستمرت الإمدادات العربية تصل إليها من إسبانية وإفريقية. وقيل إن الطفل اللقيط الذي وجد أمام باب أحد الأديرة عام ٩٤٥م وارتقى عرش البابوية عام ۹۹۹م باسم سيلفستروس الثاني، ما هو إلا طفل عربي.
وتزوج فريدريك الثاني في المرة الأولى من أميرة إسبانيّة من أرغون أيضاً. وقدمت الأميرة كونستنزا ومعها وصيفاتها من سيدات المجتمع الإسباني وبصحبتها جماعة من الفرسان بقيادة أخيها ألفونس القادم من البروفانس في جنوبي فرنسا. ومع الأميرة تدفق سيل من التأثيرات العربية الإسبانية على صقلية التي كانت هي نفسها مهداً للحضارة العربية الأصيلة -تعرف الحب العذري، وأشعار الغزل تقال في الفتاة العادية وليس فقط في سيدات النبلاء كما شاع في فرنسا الجنوبية.
وتدرب القيصر وأولاده مع مجموعة من الشعراء على نَظم الشعر الغنائي. وبدأوا، تماماً كما حدث في جنوبي فرنسا وألمانيا، في نظم أشعارهم بلغة البلاد. وكان ما أنتجوه هو البذرة الأولى التي أنبتت فيما بعد الأدب الإيطالي الكلاسي، ويقول في ذلك بترارك: “وفي زمن قصير شاع ذلك النوع من الشعر الذي وُلد بصقلية في كل إيطاليا وتعداها”. ويقول دانتي Dante : “ولذلك يسمى كل ما نظمه أجدادنا من أشعار بلغة البلاد بالشعر الصقلي”.
لقد تأثر الشاعران الإيطاليان دانتي وبترارك بالأشعار العربية، بترارك عن غير عمد ودانتي لاهتمامه الشخصي بالأشعار العربية والتصوف والفلسفة الأندلسية وابن رشد. وبينما نجد في أشعار بترارك تأثيرات عربية غير مباشرة نجد أثر ابن عربي ومؤلفاته واضحة وضوحاً تاماً في أشعار دانتي.
وفي الوقت نفسه وفد إلى ألمانيا ووسط أوروبا تيار جديد من جنوبي فرنسا، ظهر على شكل أشعار غنائية تتناول المرأة، وكانت تلك الأشعار في ذلك الوقت أشبه ما تكون بثورة على أوضاع غريبة جعلت من المرأة كائناً أدنى مكانة من الرجل، بل إن وجهها هو أداة من أدوات الشيطان للتغرير بالناس.
فهي مرتبطة في الأذهان بالإثم والخطيئة، وهي التي تحول بين العبد والرب، وتنحرف بالناس عن الطريق السوي.
وانتهت سيادة العرب على إسبانيا عام ١٤٩٢م.. في الثاني من يناير عندما رفع الكردينال بدرو جونزاليس D. Pedro Gonzales de Mendoza الصليب على قصر الحمراء (الهمبرا).
وبانتهاء تلك السيادة العربية انتهت أعظم حضارة عرفتها أوروبا في القرون الوسطى، وانتهى عصر عظيم نعمت فيه إسبانيا بالرخاء والخير العميم؛ فارتفعت صناعاتها واستغلت مواردها، وزاد عدد سكانها، وازدهرت فيها العلوم والآداب والفنون بدرجة لم تعرف لها من قبل مثيلاً.
وراعت السلطات المسيحية الجديدة التي استردت الأندلس من العرب شروط الصلح لمدة ثماني سنوات، وكان رئيس الأساقفة تالافيرا يعجب بالحضارة العربية ويكن للعرب كل تقدير واحترام. وكان دائماً يردد قوله: “إن العربي تنقصه العقيدة المسيحية، أما الإسباني فتنقصه لكي يصبح مسيحياً حقاً الأفعال الحميدة التي يفعلها العربي”.
وانتقلت الحال في عصر رئيس الأساقفة خوان كسيمانيز الذي خلف تالافيرا المتسامح. فلم يلبث المسلمون أن لاقوا أهوالاً أفظع من أن توصف، سببها التعصب الديني الأعمى. وأصبح السجن والتعذيب والحرق وسط النيران هي عقوبات من يمارس شعائر الإسلام أو ينطق لغتهم، أو يتغنى بأشعارهم. وأصبحت زيارة الحمام جريمة، وما تبقى من الكتب والمخطوطات العربية، والذي لم يسلب أو ينهب، جمعه رجال الأسقف بمنتهى العناية ليوقدوا فيه النار. وهكذا حرقت يد التعصب مليوناً وخمسة آلاف من المجلدات، هي مجهود العرب في الأندلس وثمرة نهضتهم في ثمانية قرون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
* زيجريد هونكه، شمس العرب تسطع على الغرب: أثر الحضارة العربية في أوروبا، ترجمة: فاروق بيضون وكمال دسوقي، ط8 (بيروت: دار الجيل – دار الآفاق الجديدة، 1993م)، ص528 وما بعدها.





