
الجيش السوري يوسع سيطرته شرق حلب باتجاه الرقة
يناير 17, 2026
فارس الأندلس الأخير: موسى بن أبي الغسان
يناير 17, 2026أحمد رائف
الكاتب الإسلامي المعروف*
الأندلس بلاد يسكن فيها قلبي، وتعيش دائماً في وجداني، ولا تفوتني ذكراها ساعة من ليل أو نهار ما دمت مستيقظاً، وقد يأتيني طيفها في حلم ليلة، وأود لو أحج إليها كل عام، ولكني أخشى على نفسى دائماً من لحظة اللقاء..
قرطبة، إشبيلية، طليطلة، برشلونة، غرناطة، الجزيرة الخضراء، مرسية، رندة، سرقسطة، لشبونة، شلب، مالقا، بلد الوليد.. وغيرها وغيرها، حبات في عقد من اللؤلؤ الثمين ضاع من صاحبه في بحار الزمن المخوفة، وجُن صاحبه حسرة عليه عندما فقده، وجاء الورثة السفهاء، فصارت المأساة قصة يتسلون بروايتها أحياناً أمام المدفأة في ليالي الشتاء.
وتعاقبت الأجيال وبعُدَت الشُّقة، وصارت ذكرى غامضة في ضباب القرون. وتغيرت معالم كل شيء، وانشغل الناس بمصائب أدهى وأعظم من ذلك العقد الثمين الذي ضاع منذ زمن بعيد..
سافرت كثيراً وضربت في الأرض أطوف بالبلاد، وأقترب في رحلاتي من شواطئ الأندلس، ولا أجد الشجاعة في النزول إلى ساحتها، ففي القلب رهبة شديدة من زيارة مكان صنعه الآباء وفتحوه وأقاموه، ثم ذلوا وهانوا وطُردوا، وهناك العِرض السليب، والكرامة الضائعة، والهوان الذي تمرغ الأسلاف فيه قروناً يتميزون غضباً.. يتلفتون يمنة ويسرة فلا مغيث ولا ناصر، ولا ملجأ من الله إلا إليه، وفي يوم وجدت نفسي في المغرب مع الأهل وبعض الأصدقاء في رحلة لم يُقدر لها، ولكنها جاءت على قدر..
وعند قبر يوسف بن تاشفين هبت رياح الأندلس وملأ شذاها أنفي، وأطفالي من حولي يعجبون، وأنا أقف خاشعاً أمام بطل الزلاقة وهازم ألفونسو السادس، ومؤسس دولة المرابطين، وزاد من خشوعي قبره البسيط، في زاوية مهملة ربما لا يشعر بها أحد، ولافتة صغيرة تحمل اسمه ومتى مات، ولا أحد يعرف على وجه التقريب متى وُلد. ولعل قبره صورة لحياته الزاهدة المتقشفة التي اشتهر بها.
فرغم ملكه للمغرب، واجتيازه العدوة إلى الأندلس بجيوشه الجرارة إلى الزلاقة، وهزيمته جيوش قشتالة، ثم قضائه بعد ذلك على ملك الطوائف، وتوحيد الأندلس في دولة قوية مهيبة عاصمتها مراكش، ولكنه عاش حياة بسيطة حتى مات؛ فقد ظل فقير الملبس والمأكل ولم تغيره الدنيا، ولم تشده إليها، ولم تقدر عليه، ثم ترك ملكاً عريضاً ضيعه من جاء بعده.
وهذه سنة الدول ودرس التاريخ!
حملتنا السيارة أنا والأطفال وأمهم إلى (أغمات)، وهم في دهشة، وقالت صغراهن، وكانت أميرة حين ذاك :هل قطعنا هذه المسافة الطويلة لنزور المقابر؟
وصرت أصف الطريق للسائق المغربي، وهو طريق أقطعه لأول مرة، ورغم هذا فقد حفظته من سطور الكتب ومجلدات التاريخ. ولم نستدل على قبر المعتمد بن عباد أكبر ملوك الطوائف في إشبيلية، الذي نصحه مستشاروه بعدم الاستعانة بيوسف بن تاشفين، حيث لا ضرورة لكي يأتي لمساعدتهم في حرب ألفونسو السادس، وأنه إذا جاء لن يغادر حتى يملك الأندلس.. فقال لهم قولته الشهيرة :
“رعي الجمال خير من رعي الخنازير”.
ويقصد بهذا أن الخضوع لملك مسلم خير من اتباع الملك القشتالي.. ولكنها فورة مسلم في لحظة صدق خبت بعد الانتصار في المعارك وعند تقسيم الغنائم، التي تعفف عنها يوسف بن تاشفين، وأدرك ابن تاشفين أن مشكلة الأندلس هي دول الطوائف، وقرر القضاء عليها وإقامة دولة قوية تصمد أمام الممالك النصرانية. وعرض هذا سلماً عليهم فأبوا، فحاربهم وانتصر عليهم.
وجاء ابن تاشفين بالمعتمد وغيره أسرى إلى أغمات، وبقوا في السجن حتى ماتوا، وكان في رأيي بهم رحيماً شفيقاً، فقد كانت عقوبتهم القتل بمفاهيم ذلك العصر، وهو الأمر الذي يتناسب مع جرمهم في تفتيت المسلمين.
وكدنا نعود أدراجنا، فليس هناك من يعرف المعتمد بن عباد. وفكرت أن أذهب إلى قسم الشرطة القريب لأسأل عن مكانه، وقد وصلت إلى المكان بالدقة التي وصفت لي في الكتب، ثم ظهر شيخ هرم فسألته فقال :هناك سيدي عباد. وقلت له: هو من نبحث. ووصف لنا الطريق، حيث مقامه تحت قبة يرقد تحتها هو وزوجه اعتماد الرميكية، التي شاركته نعيمه وبؤسه، وقد سجل هذا على القبر.
وكانت هناك قبور ثلاثة، واحد للمعتمد، وآخر لزوجه اعتماد، وثالث صغير لابنته بثينة، وشعر قد كُتب، قاله بعض الذين زاروه في تلك الأثناء. وصار قبره مزاراً يقصده الناس للبركة والدعاء. كما صار في أذهان الناس شيخاً مباركاً له كرامات، رغم أنه قد عبث بقضايا المسلمين ومستقبل الأندلس.
على عكس قبر يوسف بن تاشفين الذي لا يكاد يشعر به إنسان، وربما ضاع تاريخه في غبار الدروب الضيقة التي تحيط بالمكان في تلك الزاوية البعيدة من أطراف مراكش. أما المعتمد فمقامه حوله الخضرة والزروع والبساتين والماء الدافق ذو الحرير، والجبال البعيدة وقد غطتها الثلوج؛ فهي تعكس نورها على المكان فيبدو فضياً رائعاً قد غشاه الجمال والجلال.
والمعتمد مظلوم مهضوم الحق في نظر المؤرخين، عومل بقسوة يستحقها. ونسوا أن ابن تاشفين كان به رحيماً عندما سجنه مدى الحياة في جريمة عقوبتها القتل، واستخدم حقه (الدستوري) في العفو.
ولكن شعره الرقيق وخياله الخصب ومأساته المروعة في ضياع الملك والسلطان، جعلت على الأعين حجاباً يغطي الحقائق في عالم مغرق في الأوهام، وإن ضاعت منه فهو يبحث عنها.
يجب أن لا تنسينا عواطفنا حقائق التاريخ، وينبغي أن نعي الدروس التي قدمها لنا التاريخ الإسلامي بعاطفة لا تذهب العقل، وعلينا أن نقرأ قصة الأندلس، أو الفصول الأخيرة من هذه القصة -على ما تثيره من عواطف وتأثر- بنظرة عاقلة مستبصرة، فقد فرط المسلمون في دينهم عبر قرون لعوامل شتى ليس هذا مكان تحليلها، ولكن دراسة التاريخ الإسلامي هامة وضرورية للدعاة الذين أثروا الإسلام ديناً، وينوون وضع لبنة ولبنات في صرح الإسلام الذي يوشك أن يكون.
وأعظم فصل في تاريخ الإسلام هو قصة الأندلس الذي ضاع منا -أو أضعناه- وعلينا قراءة هذا الفصل بإمعان، وعلينا أن نتعلم الملاحة في بحار النار والزيتون. وأن نتخلص من واقعنا المؤلم في أقرب فرصة ممكنة، فنحن نعيش قصة أسلافنا في عصر الضعف والانحلال، ولكن في هذه الأيام والعياذ بالله هناك أكثر من أندلس تضيع !
ففي ألبانيا المسلمة يؤدي المسلمون شعائر دينهم سراً وخوفاً من صاحب الشرطة ومن الحكم القشتالي الذي نزع شعار الصليب ورفع لواء شيطانياً أقحواني اللون، ينكر الله سبحانه وتعالى، ويعود بالناس إلى عصر سحيق قد تركته البشرية منذ زمن بعيد، وقد تربع الوثن على هيئة طاغية قد صنع عرشاً أقامه على تل من جماجم المسلمين، وهناك في ألبانيا وقعوا معاهدة التسليم وهم يمرون ببرنامج الإبادة الذي مر به أسلافهم من قبل في غرناطة الشهيدة.
وما يحدث في يوغوسلافيا هو نفسه ما يحدث في ألبانيا !
وقبرص الإسلامية تحتضر وصاحبها يستنجد بسلاطين بني مرين في العدوة الأخرى من البحر بلا مجيب، وليس هناك غير كلمات العطف والرثاء، وشجب ما يفعله القشتاليون في قبرص الإسلامية..
لقد اختلط ماضينا بحاضرنا، بعد أن انفصلت بدايته المجيدة عن ماضٍ قريب وحاضر قائم يحدث فيه اليوم ما كان يحدث منذ قرون..
مازلنا نعيش هذه الأيام في غرناطة بعد توقيع معاهدة التسليم وفي انتظار الإبادة، والمخطط يسير بنفس الخطوات التي سار بها في الأمس القريب..
ولا يزال ملوك بني الأحمر يحكمون البلاد الإسلامية، بأحقادهم وإحنهم وحرصهم على الحكم والعروش، ويلعبون بمستقبل البلاد والعباد، والقشتاليون يكسبون كل يوم أراضي جديدة، ويوقعون العداوة والبغضاء بين حكامنا من بني الأحمر، وتنطلق صيحات المصلحين والدعاة المسلمين فلا تكاد تبين وسط جوقة صاخبة قد استأجرها القشتاليون ليغطي صوتها أنين المجروحين والمنكوبين الذين ضاعت ديارهم، وغاب عنها صوت الأذان.
ابتلعت قشتالة الجمهوريات الإسلامية الست في جنوب روسيا، وتحولت المساجد بها إلى متاحف، يفتحون أبوابها لأبناء الأندلس الزائرين، والذين لم تستسلم بلادهم بعد ليروا عدل القشتاليين وسماحتهم، وأن من يدخل في صلحهم لن يخسر شيئاً، وسيظل على عقيدته ودينه وهو حر في كل ما يريد ويفعل، والويل كل الويل لمن يصلي أو يصوم أو يقرأ القرآن !
أخذ القشتاليون فلسطين، وهم يبيدون المسلمين بها، بينما سائر الولايات الإسلامية الأندلسية تبدي ألمها وأسفها، والدور قادم عليها وإليها رضيت أم أبت !
أفغانستان المجاهدة الصامدة خلف جبال (البشرات) المحيطة بغرناطة، ترسل صيحتها وتستغيث ولا مغيث، ونابالم القشتاليين يحصد النساء والأطفال والشيوخ ولا يفرق بين صغير وكبير في جبال الهندوكوش، وحول قندهار !
وملوك بني الأحمر يتواثبون كالقردة المدربة لنزع التيجان والعروش من بعضهم البعض، وهذا غاية مبلغهم من العلم والعمل..
وتركيا المسلمة التي كان سلطانها هو الصخرة التي تحمي بناء الإسلام في هذه الأيام الكالحة الغبراء، اجتمع عليها القشتاليون ومن خلفهم البابا، واستغلوا ضعف الخلافة والسلاطين، وأرغموهم على معاهدة التسليم وبدءوا معهم حرب الإبادة والتنصير !
ونسمع في هذه الأيام صيحات الجهاد تدوي من خلف جبال البشرات الغرناطية، مأوى المجاهدين والشهداء، وهم يستعدون في تصميم لاستعادة تركيا الشهيدة من سلطان القشتاليين وعملائهم..
وهناك فرق الأحبار والرهبان تملأ إندونيسيا ومعها أكياس الذهب، وخلفها جيش من الخبراء يقوم على بناء المدارس والمستشفيات، ثم يرفع صليب (شانت يعقوب) فوق كل مسجد..
والبابا ينزل من عليائه ويزور إفريقية، وتنشر كل وكالات الأنباء أن زيارته لإفريقية ليحول بين الإفريقيين والاتصال بإخوانهم مجاهدي غرناطة في جبال البشرات..
لم يعد أمام المسلمين من سبيل إلا واحدة واضحة.. يجب التخلص من حكم بني الأحمر في كل بلاد المسلمين. ويجب القضاء على دول الطوائف التي زخر بها عالم الإسلام اليوم. والجهاد هو الطريق إلى الجنة، أو إلى حياة كريمة عزيزة أبية، في بلاد لها كرامة وكبرياء تستمد وجودها من دينها وشريعة ربها. ويتجمع كل المجاهدين تحت راية واحدة غايتها واضحة وسبيلها مفهومة.
ولن يعود الجيش قشتالة تأثير كبير أو صغير؛ فأهل غرناطة يستطيعون الصمود أمام الحصار، ولا ينبغي عليهم الاستسلام، والموت عند الأسوار خير من حياة الذل والعار.
صارت بلاد الإسلام غرناطة كبيرة، والقشتاليون يحيطون بها من كل مكان، وصاحب الشرطة ينقل أخبار المجاهدين من غرناطة إلى قشتالة في إيقاع منتظم رتيب، وهو يخدع ملوك بني الأحمر من حكامنا ليستجيبوا لنداء القشتاليين. وهي ملاحة في بحار النار والزيتون، لن تفهم ألغازها حتى تنتهي من قراءة هذه الورقات، ولن تهتم بصاحب الشرطة وتذبذبه بين الكفر والإيمان ومطاردة المجاهدين وعندها لن يحتار المجاهدون في الاختيار.
فليس هناك إلا إحدى الحسنيين، إما شهادة كريمة أو نصر مؤزر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحمد رائف، وتذكروا من الأندلس الإبادة، (القاهرة: ديوان المطبوعات الجامعية، 1991م)، ص15 وما بعدها.





