
كم في حياتنا الآن من أندلس!
يناير 17, 2026
مشاهد مُبكية من سقوط الأندلس
يناير 18, 2026محمد عبد الله عنان
صاحب موسوعة: دولة الإسلام في الأندلس*
ليس بين فواجع التاريخ الإسلامى أروع وأدعى إلى الحزن وذرف الدمع من مصرع غرناطة الأندلس؛ ففي تلك الصفحة المؤسية المشجية، ضروب روائع من البسالة، وتقديس الحرية والكرامة القومية والتفاني في الذود عن الوطن، وفيها ضروب روائع من الاضطهاد والاستشهاد والتضحية في سبيل الوطن والدين.
قصة شعب نبيل تالد، شاد صروح عظمته وحضارته في تلك المهاد قروناً، ولبث أحقاباً سيد الجزيرة يجوس خلالها في كبرياء وعزة، فإذا به يضعف تباعاً أمام عدوه ويفقد قواعده الزاهرة واحدةً فأخرى. ثم يصبح فلا نجد من نفسه إلا بقية ممزقة دامية، تمتنع بين أسوار آخر معقل إسلامي هو غرناطة.
ومن ثم كانت روعة المأساة: غرناطة التي لبثت أحقاباً سيدة الأندلس، تشرف من حمرائها على مصائر شعب عظيم عزيز الجانب، وترسل من معاهدها ومدارسها ضوء العلوم والفنون إلى جنبات الجزيرة، وإلى جنوبي أوربا، وفيها للإسلام دولة، تجد نفسها في سنة ١٤٩١م فريدة منبوذة من كل ناصر، تحيط بها جيوش النصرانية من كل صوب، ظمئة إلى حرياتها، متطلعة إلى حمرائها، فتشهد بذلك معركة الفصل ومصرع الإسلام في ديار الأندلس، ويُكتب عليها أن تكون قبراً لهذه الأندلس وحضارتها الزاهرة، وفنونها وعلومها، وكل أسباب مجدها وعظمتها.
كانت دولة الإسلام في الأندلس قبل ذلك حقبة يسيرة، قد أخذت تنحدر بسرعة إلى هاوية الانحلال والفناء، وأخذت قواعدها وثغورها الباقية تسقط تباعاً في يد إسبانيا النصرانية، ولم يبقَ منها في أواخر القرن الخامس عشر سوى مملكة غرناطة الصغيرة وفيها مدن وثغور قلائل. ثم حل الصراع الأخير، واتحدت إسبانيا النصرانية باتحاد مملكتي أراجون وقشتالة، وذلك بزواج الملكة إيسابيلا ملكة قشتالة من فرديناند الخامس (فرناندو) ملك أراجون (سنة ١٤٧٩م)، وهما اللذان عُرفا فيما بعد بالملكين الكاثوليكيين.
وكان مشروع غزو مملكة غرناطة والقضاء على الأمة الأندلسية المسلمة، يذكي في نفس هذين الملكين أشنع ضروب التعصب الديني والقومي. ومن ثم فقد اعتزمت إسبانيا النصرانية أن تقوم بضربتها الحاسمة للإسلام في الأندلس، فتدفقت جيوشها المتحدة على مملكة غرناطة.
وكانت أحوال مملكة غرناطة يومئذ تنذر بالويل، فقد دب إليها الخلاف الداخلي، ومزقتها المنافسات والمعارك الأهلية، وشطرتها إلى شطرين يتربص كل منهما بالآخر؛ أحدهما غرناطة وبعض أعمالها ويحكمها أبو عبد الله محمد بن السلطان علي أبي الحسن النصري. ووادي آش وأعمالها ويحكمها عمه أبو عبد الله محمد بن سعد المعروف بالزغل، أي الشجاع أو الباسل.
وكان فرديناند وإيسابيلا قد شهرا الحرب على مملكة غرناطة قبل ذلك بأعوام، واستوليا تباعاً على مالقة، أمنع ثغور الأندلس (شعبان سنة ٨٩٢هـ- أغسطس سنة ١٤٨٧م)، ثم على وادي آش والـمُنكب وألمرية أواخر ٨٩٤هـ- ١٤٨٩م)، ثم على بسطة (المحرم سنة ٨٩٥هـ- ديسمبر سنة ١٤٨٩م).
ثم جاء دور مدينة غرناطة آخر معقل للإسلام، وكان ملكها أبو عبد الله محمد يسالم فرديناند ويصانعه، ويعترف بطاعته. وفي فاتحة سنة ١٤٩٠م أوائل صفر سنة ٨٩٥هـ، أرسل الملكان الكاثوليكيان إلى السلطان أبي عبد الله سفارة يطلبان فيها إليه تسليم مدينة الحمراء، وهي قصر الملك، وأن يبقى هو مقيماً بغرناطة تحت حمايتهما. وكان هذا الأمير الضعيف آخر ملوك الإسلام بالأندلس قد عركته الخطوب والحوادث التي جازها مذ تولى الملك. وأدرك ما تنطوي عليه سياسة الملكين النصرانيين من ضروب النفاق والغدر، فردّ برفض هذا الطلب المهين، وجمع الكبراء والقادة، فأيدوه جميعاً في موقفه، وأعلنوا عزمهم الراسخ على الدفاع حتى الموت عن وطنهم ودينهم.
وهكذا حمل أبو عبد الله بعزم شعبة على القتال والجهاد، فاضطرمت الحرب ووقعت بين الغرناطيين والنصارى خلال سنة ٨٩٥هـ (١٤٩٠م) عدة معارك ثبت فيها المسلمون واستردوا عدة حصون. ووقفت الحرب خلال الشتاء مدى أشهر؛ ثم زحف النصارى منذ الربيع على غرناطة في جيش ضخم مزود بالمدافع والذخائر الوافرة، وهبطوا مرج غرناطة الجنوبي في جمادى الآخرة سنة ٨٩٦هـ مارس سنة ١٤٩١م، وضربوا حولها الحصار الصارم، وأنشأ فرديناند لجيشه في تلك البقعة مدينة صغيرة مسورة سميت سانتافيه، أو الإيمان المقدس، رمزاً للحرب الدينية، وبدأ الفصل الأخير في الصراع بين الإسلام والنصرانية في إسبانيا.
ولم يك ثمة شك في نهاية ذلك الصراع وجيوش النصرانية تضطرم حول غرناطة كالموج الزاخر، وافرة الأهبة والعدة والمؤن، وغرناطة لا قوام لها غير جندها القليل وعدتها ومؤنها المحدودة وشعبها المضنى؛ ولكن غرناطة لم تستسلم إلى قدرها القاهر قبل أن تستنفد في اجتنابه كل وسيلة بشرية، ومن ثم كان دفاعها من أمجد ما عُرف في تاريخ المدن المحصورة والقواعد الذاهبة.
ولم يكن هذا الدفاع قاصراً على تحمل ويلات الحصار وفتكه مدى سبعة أشهر، بل كان يتعدى ذلك إلى ضروب رائعة من الإقدام والبسالة؛ فقد خرج المسلمون خلال الحصار لقتال العدو المحاصر مراراً يهاجمونه ويثخنون في محلاته، ويفسدون عليه خططه وتدابيره. وكان الفرسان المسلمون يبدون خلال هذه المعارك من الشجاعة والبراعة والإقدام، ما يثير روعة العدو ودهشته وإعجابه؛ أولئك الأنجاد البواسل هم البقية الباقية من الفروسة الأندلسية التي لبثت قروناً زهرة الفروسة في العصور الوسطى.
فارس الأندلس الأخير
وكان روح الفروسة المسلمة في تلك الآونة العصيبة فارساً رفيع المنبت والخلال، وافر العزم والبراعة والشهامة، هو موسى بن أبي الغسان. وهو سليل أحد الفروع الملكية، وأحد هذه الأصول القديمة التي عُرفت برائع فروستها، وعميق بغضها للنصارى، والتي كانت ترى الموت خيراً ألف مرة من أن يصبح الوطن العزيز التالد مهاداً للكفر.
ولم يكن بين أنجاد غرناطة يومئذ من هو أبرع من موسى في الطعان وركوب الخيل. وكان يثير بمحياه الوسيم وظرفه وبراعته عطف المجتمع الغرناطي وإعجاب سيداته. وكان مذ رقي أبو عبد الله محمد عرش غرناطة، ينقم منه استسلامه وخضوعه لملك النصارى، ويعمل على إذكاء الروح الحربي، وتنظيم الفروسة الغرناطية وتدريبها، وقيادة السرايا إلى أراضي العدو، ومفاجأة حصونه وحامياته في الأنحاء المجاورة.
وكان وقت أن أشرف فرديناند الخامس بجموعه على مرج غرناطة (La Vega) وأرسل إلى أبي عبد الله يدعوه إلى التسليم، معبود الجند، يلتفون حوله، ويضطرمون لدعوته وحماسته. عندئذ كانت صرخة موسى:
“ليعلم ملك النصارى أن العربي قد وُلد للجواد والرمح، فإذا طمح إلى سيوفنا فليكسبها، وليكسبها غالية. أما أنا فخير لي قبر تحت أنقاض غرناطة في المكان الذي أموت مدافعاً عنه، من أفخم قصور نغنمها بالخضوع لأعداء الدين”.
وسرعان ما ضج الشعب حماسة، وسرت إلى غرناطة روح الحرب مرة أخرى، وتأثر أبو عبد الله ووزراؤه بالحماسة العامة، فأرسل إلى ملك النصارى يخبره بأنهم سيقاتلون حتى الموت.
دوت غرناطة بصيحة الحرب، وتولى موسى قيادة الفروسة، وقادها مراراً إلى الحصون والقلاع النصرانية المجاورة، حتى غدا اسمه مثار الرعب بين النصارى، وكانت عوداته الظافرة تثير في الشعب أيما حماسة، وكان فرديناند يرسل السرايا لإتلاف ما حول المدينة من المزارع والحقول تمهيداً للحصار، فكان موسى ينظم السرايا لإزعاج قواته، وقطع مواصلاته، وانتزاع مؤنه؛ ولكن جيوش النصارى ما لبثت أن ملأت سهل شنيل (النهر الذي تقع عليه غرناطة)، واعتزم فرديناند ألا يدخر وسعاً في إرهاق غرناطة، وألا يرفع الحصار حتى تسلم آخر المدن المسلمة وتختتم بذلك حياة الأندلس.
وكان موقف غرناطة حرجاً جداً، فإن جميع المدن والحصون المسلمة القريبة منها أو الواقعة حولها، مثل بسطة ووادي آش ولوشة والحامة وغيرها، قد وقعت في أيدي النصارى كما قدمنا، وسلم مولاي أبو عبد الله (الزغل) عم ملك غرناطة ملك البشرات ووادي آش جميع أراضيه، وقطعت علائق غرناطة مع البر والبحر من كل ناحية، ورابطت سفن النصارى في مضيق جبل طارق وما حوله، لتحول دون وصول أي مدد إليها من مسلمي إفريقية، ولم يبقَ أمامها سوى طريق البشرات الجنوبية من ناحية جبل شلير (سييرا تفادا) تجلب منها بعض الأقوات والمؤن بصعوبة.
ولبثت المدينة المحصورة أشهراً تعاني مصائب الحصار صابرة جلدة، حتى دخل الشتاء وغصت هذه الوهاد والشعب بالثلوج، واشتد الجوع والبلاء بالمحصورين. عندئذ تقدم حاكم المدينة (أبو القاسم عبد الملك) ذات يوم إلى مجلس الحكم وقرر أن المؤن الباقية لا تكفي إلا لبضعة أشهر. وأن اليأس قد دب إلى قلوب الجند والعامة، وأن الدفاع عبث لا يجدي. ولكن موسى اعترض كعادته بشدة، وقرر أن الدفاع ممكن وواجب، وبث بادرة جديدة من الحماسة في الرؤساء والقادة، فاستسلم أبو عبد الله إلى تلك الروح، وسلم إلى القادة أمر الدفاع.
وتولى موسى كعادته قيادة الفرسان، وكان من مساعديه نعيم بن رضوان ومحمد بن زائدة، وهما من أنجاد عصرهما، ثم أمر بفتح الأبواب وأعد فرسانه أمامها ليل نهار. فإذا اقتربت سرية من النصارى، داهمها بفرسانه في لمح البصر وأثخن فيها. ومُزقت على هذا النحو صفوف برمتها من النصارى، وكان يقول لفرسانه:
“لم يبق لنا إلا الأرض التي نقف عليها، فإذا فقدناها فقدنا الاسم والوطن”.
وأخيراً رأى فرديناند الخامس أن يزحف بقواته على أسوار المدينة، فخرج المسلمون إلى لقائه وعلى رأسهم أبو عبد الله وموسى، ونشبت بين الفريقين في المرج الواقع في ظاهر غرناطة La Vega عدة معارك محلية هائلة؛ وكان الفرسان وعلى رأسهم موسى كالعادة روح المعركة، وكان أبو عبد الله يقود الحرس الملكي، وكان القتال رائعاً خضب فيه كل شبر من الأرض بدماء الفريقين، ولكن المشاة المسلمين كانوا ضعافاً لا يعتمد عليهم، فمزقوا بسرعة وفروا هنا وهنالك، وتبعهم فرسان الحرس الملكي إلى أبواب المدينة وعلى رأسهم أبو عبد الله، وعبثاً حاول موسى أن يجمع شمل الجند وأن يدعوهم للذود عن أوطانهم ونسائهم وكل ما هو مقدس لديهم، وألفى نفسه وحيداً في الميدان مع فرسانه المخلصين وقد تضاءل عددهم، وأثخن الباقون منهم جراحاً، فاضطر عندئذ أن يرتد إلى المدينة وهو يرتجف غضباً ويأساً.
وهنا أوصد المسلمون أبواب المدينة، وامتنعوا بأسوارها جزعين مكتئبين، وأبدى النصارى وطيد العزم على متابعة الحصار، وضيقوا على المدينة المحصورة بكل الوسائل وشددوا في قطع علائقها ومواصلاتها، والمسلمون داخل غرناطة يعانون أهوال الجوع والحرمان والمرض، حتى دب اليأس إلى قلوب الناس جميعاً. فدعا أبو عبد الله مجلساً من كبار الجند والفقهاء والأعيان، فاجتمعوا في بهو الحمراء الكبير (بهو قمارش)، واليأس مائل في وجوههم، وشرح لهم أبو القاسم عبد الملك حاكم المدينة ما انتهى إليه الخطب من تفاقم، والأقوات والمؤن من نضوب، وما يعانيه الشعب من بلاء، وصرح الجماعة بأن الشعب لا يقوى بعد على تحمل مصائب الدفاع، وأن ليس لهم إلا التسليم أو الموت، وأجمعوا على طلب التسليم.
ولكن موسى ابن أبى الغسان انفرد كعادته بالمعارضة وحاول أن يبث بكلماته الملتهبة قبساً أخيراً من الحماسة، وكان مما قال:
“لم يحن الوقت بعد للكلام عن التسليم، فلم تنضب كل مواردنا؛ بل ما زال لدينا مورد هائل للقوة كثيراً ما أدى المعجزات، ذلك هو يأسنا، فلنعمل على إثارة الشعب، ولنضع السلاح في يده، ولنقاتل العدو حتى آخر نسمة، وإنه لخير لي أن أحصى بين الذين ماتوا دفاعاً عن غرناطة، من أن أحصى بين الذين شهدوا تسليمها”.
على أن كلماته لم تؤثر في تلك المرة، فقد كان يخاطب رجالاً نضب الأمل في قلوبهم وغاضت فيهم كل حماسة، ووصلوا إلى حالة من اليأس لا تنجح فيها البطولة ولا يحسب فيها للأبطال حساب، بل يعلو نصح الشيوخ ويغلب؛ وهكذا حدث فإن أبا عبد الله أصغى إلى رأي الجماعة واعتزم التسليم، وأرسل أبا القاسم عبد الملك إلى ملك النصارى ليفاوضه في الشروط، فاستقبله فرديناند الخامس بحفاوة، ولبثت غرناطة ترتجف من أقصاها إلى أقصاها، حتى عاد الوزير يحمل آخر الشروط التي رضيها ملك النصارى، وخلاصتها:
- أن يقف القتال بين الفريقين سبعين يوماً إذا لم تصل خلالها أمداد إلى المسلمين من إخوانهم في إفريقية سلمت غرناطة ودخلت في طاعة ملك النصارى.
- وأن يُطلق سراح جميع الأسرى من النصارى بلا فدية، وأن يُطلق الأسرى المسلمون كذلك.
- وأن يؤمَن المسلمون في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، وأن يحتفظوا بشريعتهم وقضاتهم.
- وأن يتمتعوا أحراراً بشعائر دينهم من الصلاة والصوم والأذان وغيرها.
- وأن تبقى المساجد حرماً مصونة، وألا يدخل نصرانى مسجداً أو دار مسلم.
- وألا يولَّى على المسلمين نصراني أو يهودي.
- وأن يجوز إلى إفريقية من شاء من المسلمين، في سفن يقدمها ملك النصارى في ظرف ثلاثة أعوام.
- وألا يُقهر مسلم على التنصر.
- وأن يوافق البابا على هذه الشروط.
- واتفق أيضاً على أن يغادر أبو عبد الله غرناطة إلى البشرات؛ حيث يقطع ضياعاً يعيش فيها، ويكون مقره بلدة أندرش من أعمالها.
- وأن تقدم غرناطة خمسمائة من أعيانها كفالة بالإخلاص والطاعة.
هذه خلاصة الشروط التي وُضعت لتسليم غرناطة، وقد كانت بلا ريب أفضل ما يمكن الحصول عليه في مثل هذا الظرف العصيب، لو أخلص النصارى في عهودهم.
ولكن سنرى أنها كانت عهود غدر وخيانة، وأنها نُقضت جميعاً لأعوام قلائل من تسليم غرناطة. وهذا ما تنبأ به موسى بن أبي الغسان حينما اجتمع الزعماء في الساعة العصيبة التي أتوا ليوقعوا فيها قرار التسليم، وليحكموا على دولتهم بالذهاب وأمتهم بالمحو.
عندئذ لم يملك كثير منهم نفسه من البكاء والعويل، ولكن موسى لبث وحده هادئاً صامتاً عابساً، وقال:
“اتركوا أيها السادة العويل للنساء والأطفال، نحن رجال لنا قلوب لم تُخلق لإرسال الدمع ولكن لتقطر الدماء، وإني لأرى روح الشعب قد خبت حتى ليستحيل علينا أن ننقذ غرناطة. ولكن مازال ثمة بديل للنفوس النبيلة، ذلك هو موت مجيد؛ فلنمت دفاعاً عن حريتنا، وانتقاماً لمصائب غرناطة. وسوف تحتضن أمنا الغبراء أبناءها أحراراً من أغلال الفاتح وعسفه؛ ولئن لم يظفر أحدنا بقبر يستر رفاته فإنه لن يُعدم سماء تغطيه، وحاشا لله أن يقال إن أشراف غرناطة خافوا أن يموتوا دفاعاً عنها”.
ثم صمت موسى، وساد المجلس سكوت الموت، وسرح أبو عبد الله البصر حوله. فإذا اليأس ماثل في تلك الوجوه التي أضناها العناء، وإذا كل حماسة قد غاضت في تلك القلوب الكسيرة الدامية. عندئذ صاح: “الله أكبر، لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولا راد لقضاء الله، تالله لقد كُتب علي أن أكون شقياً، وأن يذهب الملك على يدي”. وصاح الكبراء على أثره: “الله أكبر؛ ولا راد لقضاء الله”. وكرروا جميعاً أنها إرادة الله ولتكن، وأن لا مفر من قضائه ولا مهرب، وأن شروط ملك النصارى أفضل ما يمكن الحصول عليه.
فلما رأى موسى بن أبي الغسان أنهم هموا بتوقيع صك التسليم نهض مغضباً وصاح:
“لا تخدعوا أنفسكم، ولا تظنوا أن النصارى سيوفون بعهدهم، ولا تركنوا إلى شهامة ملكهم. إن الموت أقل ما نخشى، فأمامنا نهب مدينتنا وتدميرها، وتدنيس مساجدنا وخراب بيوتنا، وهتك نسائنا، وأمامنا الجور الفاحش، والتعصب الوحشي، والسياط والأغلال، وأمامنا السجون، والأنطاع، والمحارق، هذا ما سوف نعاني من مصائب وعسف، وهذا ما سوف تراه على الأقل هذه النفوس الوضيعة التي تخشى الآن الموت الشريف. أما أنا فوالله لن أراه”.
ثم غادر المجلس، واخترق (بهو الأسود) عابساً حزيناً، وجاز إلى أبهاء الحمراء الخارجية، دون أن يرمق أحداً أو يفوه بكلمة. ثم ذهب إلى داره وغطى نفسه بسلاحه، واقتعد غارب جواده المحبوب، واخترق شوارع غرناطة حتى غادرها من باب إلبيرة، ولم يره إنسان أو يسمع به بعد ذلك قط.
هذا ما تقوله الرواية العربية عن نهاية موسى بن أبي الغسان، ولكن مؤرخاً إسبانياً قديماً هو القس أنطونيو أجابيدا، يحاول أن يلقي ضياء على مصيره فيقول: “إن سرية من الفرسان الإسبان تبلغ زهاء الخمسة عشر، كانت تسير في ذلك المساء بعينه على ضفة نهر شنيل، فرأوا على ضوء الشفق فارساً مسلماً يدنو وقد دججه السلاح من رأسه إلى قدمه، وكان مغلقاً خوذته، شاهراً رمحه؛ وكان جواده القوي غارقاً مثله في رداء من الصلب. فلما رأوه يعدو على ذلك النحو طلبوا إليه أن يقف وأن يعرف بنفسه. فلم يجب الفارس المسلم، ولكنه وثب إلى وسطهم، وطعن أحدهم برمحه وانتزعه من سرجه فألقاه إلى الأرض، ثم انقض على الباقين. وكانت ضرباته ثائرة قاتلة، وكأنه لم يشعر بما أثخنه من جراح، ولم يرد إلا أن يقتل وأن يسيل الدم، وكأنه إنما يقاتل للانتقام فقط، وكأنما يتوق إلى أن يقتل دون رغبة في أن يعيش لينعم بظفره. وهكذا لبث يبطش بالفرسان حتى أفنى أكثر من نصفهم. غير أنه جُرح في النهاية جرحاً خطراً، ثم سقط جواده من تحته قتيلاً بطعنة أخرى، فسقط على الأرض، ولكنه ركع على ركبتبه واستل خنجره وأخذ يناضل عن نفسه، فلما رأى قواه قد نضبت، ولم يرد أن يقع أسيراً في يد خصومه ارتد إلى ورائه بوثبة أخيرة، وألقى بنفسه إلى مياه النهر، فابتلعه لفوره، ودفعه سلاحه الثقيل إلى الأعماق”.
يقول الراوية المذكور إن هذا الفارس هو موسى بن أبى الغسان، وإن بعض العرب المتنصرين في المعسكر الإسباني عرفوا جواده المقتول. وهي رواية لا بأس بها غير أن الحقيقة لم تُعرف قط.
وهكذا أذعنت غرناطة وسلمت (صفر ۸۹۷هـ – ديسمبر سنة ١٤٩١م) ودخل النصارى غرناطة في الثاني من ربيع الأول سنة ٨٩٧ (٢ يناير سنة ١٤٩٢) واحتلوا حمراءها وباقي قصورها وحصونها، ورفعوا الصليب وعلم القديس ياقب فوق برج الحراسة، أرفع أبراجها.
وخفق علم النصرانية فوق صرح الإسلام المنهار، وانتهت دولة الإسلام في الأندلس، وطُويت إلى الأبد تلك الصفحة المجيدة الخالدة من تاريخ الإسلام، وقضى على تلك الحضارة الأندلسية الزاهرة، وآدابها وعلومها وفنونها وكل ذلك التراث الباهر بالمحو والفناء.
تلك قصة غرناطة المشجية المبكية؛ وتلك قصة فارسها موسى بن أبي الغسان؛ قصة فارس مسلم، يمثل أسمى خلال الفروسة، وأجمل معاني التضحية والإخلاص والإباء والشهامة، وإذا كانت الأساطير الإسبانية قد اتخذت من (السيد الكمبيادور) مثلاً أعلى للبطولة والفروسة النصرانية، وجعلت منه فارس إسبانيا القومي، فإن في سيرة الفارس الغرناطي المؤسية وخلاله الرفيعة ما يجعله بحق مثلاً أعلى للفروسة الإسلامية، ومن ثم فارس الأندلس القومي.
————————–
* محمد عبد الله عنان، مواقف حاسمة في تاريخ الإسلام، ط5 (القاهرة: حسين عنان، 1997م)، ص 293 وما بعدها.





