
الآيات البينات في كمال خِلقة سيد الكائنات ﷺ
يوليو 8, 2026
الاحتلال يسرّع خطى ضم الضفة عبر الاستيطان
يوليو 8, 2026بقلم: الشيخ حسن الخطيب – عضو رابط علماء فلسطين
ماذا أقول عن الهجرة؟
- فالهجرة سُنة من سنن الله تعالى؛ يتضح مفهومها من خلال أهميتها وحاجة الإنسان إليها، فالنجاة من بلد خَطِر إلى بلد آمن أمر فطري، والانتقال من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة القوة ومن ضيق الباطل إلى سعة الحق من حِكَمِ الله تعالى، التي تستحضر سنة التدافع حال صراع الحق والباطل، لتكون الهجرة إحدى آليات التمكين التي أرادها الله لعباده المؤمنين لإعمار الأرض.. قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [إبراهيم: ٥].
- كما أنها محطة تمحيص الصفوف؛ للحفاظ على الدعوة وحمايتها من الاستئصال؛ لينال المؤمن شرف الجهاد بصبره وثباته ورضاه، ويحقق مراد الله من جهاده، لينال المثوبة والأجر في الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤١].
- والهجرة منهج رباني ليس مقتصراً على زمان أو مكان، فقد وسَّع النبي ﷺ مفهوم الهجرة لتشمل جهاد النفس، حيث قال ﷺ: “وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ”1.
- إن الهجرة مرحلة من أهم مراحل إعمار الأرض؛ كما أنها قصة سنوات طويلة من الصبر تحكي قصة ظلم الطغاة والمستبدين؛ ليفضح الله بصبر المؤمنين مستور الطغاة أينما كانوا وأينما حلوا.
- والهجرة تتعدد فيها المعاني وتكثر، خاصة أن الهجرة قد توقفت عند فتح مكة؛ ليبقى الجهاد والنِّيَّة حلقة الوصل مع رب العالمين، لقوله ﷺ: “لا هِجرةَ بَعدَ الفَتحِ، ولَكِنْ جِهادٌ ونيَّةٌ، وإذا استُنفِرتُم فانفِروا”2.
- الهجرة جهاد كل عدو قائم ينتقص من هيبة المسلمين وقدرهم وحقهم؛ مع دوام النِّيَّةِ بالهجرة الدائمة بمجاهدة النفس والهوى والشيطان وترك كل الضلالات والذنوب والمعاصي؛ لقوله ﷺ: “المسلمُ من سَلِمَ المسلمونَ من لسانهِ ويدهِ، والمهاجرُ من هجر ما نهى اللهُ عنه”3. والقيام بكل عمل يرضي الله تعالى على منهاج رسوله ﷺ.
- الهجرة محاربة الاستبداد، مهما عَظُمَت التضحية وكَثُرَ الشهداء.
- الهجرة ترك تبعية الكفر وأهله.
- الهجرة لا يستوي أمرها إلا بتمام حرية العبد في الناس، وتمام عبوديته لله تعالى.
- الهجرة تعني إقامة دولة الإسلام بالاكتفاء الذاتي، بكل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والأمنية، وتحقيق الأمن الغذائي والدوائي؛ وتقرير مصيرهم بيدهم، دون أية وصاية خارجية.
- الهجرة أن يستظل المسلمون براية الإسلام؛ وألا يحتكم أهلها إلا للقرآن وسنة النبي ﷺ؛ مع اختفاء أي راية من رايات الكفر والضلال في ديار المسلمين.
الطوفان وذكرى الهجرة
نعيش الذكرى الثالثة للهجرة النبوية الشريفة، ونحن في الشهر الثالث والثلاثين لحرب الإبادة الجماعية على غزة؛ وأهلها يعيشون أسوأ أيامهم، وهم يتعرضون لأشد أنواع الظلم والطغيان، باستمرار حرب غدرِ ﴿أشد الناس عداوةً للذين آمنوا﴾ [المائدة: ٨٢]، وخذلانِ أتباعهم؛ فيزداد أهل غزة ثباتاً وإيماناً.
ولتتكرر إرهاصات الأحداث التي مَرَّ بها الرسول ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم، والأشد وطأة استيلاء العصابات الصهيونية على أرض فلسطين كاملة؛ مما يُوْجِبُ تفعيل سُنَّةُ التدافع، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦]. فكان الطوفان الذي أحيا فينا الهجرة بمفهومها الخاص والعام.
- الطوفان الذي أحيا الله به روح الأمة التي شارفت على الهلاك وأنهكها الذل والفرقة والتبعية لغير المسلمين.
- الطوفان الذي أعلن بداية انهيار العدو ومنظومته الأمنية.
- الطوفان الذي كسر نظرية الردع التي عربد بها العدو على أمتنا دهراً طويلاً.
- الطوفان الذي حرك الشارع العالمي ضد غطرسة العدو واستفراده بالإعلام العالمي.
- الطوفان الذي وضع نهاية سنوات من الذل والهوان والاستعمار الذي شمل معظم الأرض الإسلامية؛ ونَهَبَ فيها معظم ثرواتها ومقدراتها.
- الطوفان الذي أسس لهجر العبودية، والتبرؤ من أي ذنب وأي ولاء لغير الله تعالى.
- الطوفان الذي كان مصداقاً لآيات الله عز وجل: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠]؛ ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].
- الطوفان الذي رسّخ ثبات أهل فلسطين على أرض فلسطين فكان تطبيقاً لحديث النبي ﷺ: “سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بعدَ هِجْرَةٍ، فَخِيارُ أهلِ الأرضِ أَلْزَمُهُمْ مُهاجَرَ إبراهيمَ، ويَبْقَى في الأرضِ شِرَارُ أهلِهِا، تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللهِ، وتَحْشُرُهُمُ النارُ مع القِرَدَةِ والخَنازِيرِ”4.
الهجرة بين الأمس واليوم
١- عاشت الجزيرة العربية لعقودٍ طويلة، بنظام الفرد الواحد، فالقبائل كثيرة والأصول واحدة.
٢- كثرة القبائل وقلة الموارد أدى إلى التناحر الدائم.
٣- معظم القبائل شيوخها شديدو البطش على بعضهم، ولا يألو أحدهم جهداً في التخلص من خصومه.
٤- كذلك معظم رؤساء العشائر والقبائل يمتلكون معظم موارد القبيلة، وباقي الناس حالتهم يرثى لها.
٥- معظم القبائل ضعيفة في ذاتها تستقوي بغيرها.
٦- معظم القبائل وثّقت علاقتها وعززت قوتها بانتمائها وولائها بغير أهلها، إلى قوى كبرى مجاورة، كفارس والروم.
بقي حال العرب هكذا حتى بعثة الرسول ﷺ، ثم نشأت دولة الإسلام بعد الهجرة بعيداً عن التبعية لأي دولة.
• أهم ما يميز حال دولنا اليوم:
– نعيش اليوم حالة من التشرذم والفرقة، وكذلك معظم دولنا ربطت مصيرها بمصير دول كبرى تستعدي بها جيرانها.
– كما كانت صورة الماضي، هي نفسها اليوم بشيء من التطور الكاذب.
– ضعف قبائل الماضي، ضعفها وقلة حيلتها وإن كان شيخها حاتم الطائي بجوده وكرمه؛ هو نفسه ضعف دول اليوم رغم الذهب الأسود الذي تمتلكه دول اليوم.
– معظم رؤساء القبائل شيوخاً وأبناء شيوخ؛ أغنياء وأبناء أغنياء توارثوا المشيخة والغِنى كابراً عن كابر.. كذلك رؤساء وملوك دول اليوم.
– معظم أبناء القبيلة يعيشون حالة الاستعباد والفقر والرضا بهذا الحال؛ للأسف حال شعوبنا التي غلب عليها الضعف والهوان والخور.
– استباحت قريش أعراض المستضعفين في مكة؛ بعد استباحت دمائهم؛ كذلك استباح قطاع واسع من العرب والمسلمين أعراض أهل غزة بعد أن سمحوا للعدو الصهيوني أن يعدوا على دمائهم وممتلكاتهم ومقدراتهم قريباً من ثلاث سنوات؛ بل ووظفوا كل قنواتهم الإعلامية للطعن في المقاومة ورجالها؛ حين قالوا: “مجنون بيرمي حجر في بير مائة عاقل ما بيطلعه”؛ وقالوا: “فرقوا بين الناس وأفسدوا عليهم معيشتهم”. وهذا ما كانت تقوله قريش عندما سمحوا لأنفسهم أن يطعنوا في الصادق الأمين ﷺ، قالوا: “ساحر”.. “مجنون”.. “كاهن”.. قالوا: “مذمم”.. وهو بينهم قد عرفوا خُلُقِه ومكانته.
ولم يكتفوا بأن يقولوا ما قالوا، بل طاردوا أصحابه في الحبشة؛ حين أرسلوا عمرو بن العاص إلى النجاشي ليقول في حق رسول الله ﷺ وجماعة المسلمين: “أيها الملك إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم، من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم”5.
فكان ردّ جعفر بن أبي طالب عليه بقوله: “كنَّا قَومًا على الشِّركِ؛ نَعبُدُ الأوْثانَ، ونَأكُلُ المَيْتةَ، ونُسيءُ الجِوارَ، ونَستحِلُّ المَحارمَ والدِّماءَ، فبعَثَ اللهُ إلينا نَبيًّا مِن أنفُسِنا، نَعرِفُ وَفاءَه وصِدقَه وأمانَتَه”6.
ويتكرر المشهد ثانية، عندما اتهموا رجال الطوفان، بألفاظ بذيئة وطعنوا في دينهم وأخلاقهم..
فما أشبه الليلة بالبارحة.. قبائل الأمس هم دول اليوم.. وأعداء الأمس هم أعداء اليوم.. وعبيد الأمس هم عبيد اليوم
رجال الطوفان والقدوة الصالحة
عاش الرسول ﷺ أربعين سنة صالحاً فأحبه الناس جميعاً؛ فقالوا الصادق الأمين، وعندما أصبح مصلحاً كرهه أصحاب النفوذ والمصالح؛ رافضين بذلك فكرة الامتثال والعبودية لله؛ ولم يبق مع الرسول ﷺ إلا الذين آمنوا به وصدقوه ووثقوا به ﷺ، دون تردد ولا ريب بصدقه ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ١٥]. هم ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٣-٤].
هكذا التابعون.. أهل الله وخاصته الذين اتخذوا الرسول ﷺ وأصحابه قدوة لهم؛ آمنت قلوبهم صدقاً؛ ففروا بدينهم إلى الله مهاجرين، فاطمأنت أرواحهم؛ صبروا وثبتوا فتحركت جوارحهم وأركانهم استجابة لأوامر الله ورسوله ﷺ؛ ليتحقق لهم موعود الله، رغم الزلزلة التي أصابتهم، وما تبع ذلك من الضر والبأساء؛ قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
فساروا على الطريق، ولسان حالهم: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
لم يَسُبُّوا كما سبَّ غيرهم، ولم يطعنوا كما طُعن غيرهم، بل صبروا واحتسبوا بأرواحهم الصافية وقلوبهم الطاهرة النقية؛ فكان منهم الرضا بلا سخط؛ والصبر بلا ضجر، والثبات والشكر، والبذل والعطاء والإيثار والإيمان الذي لا ريب فيه؛ إضافة إلى حسن الظن بالله الذي يرافقه حسن العمل؛ العمل الموافق للمنهج النبوي؛ عمل بلا رياء، إخلاص بلا شرك؛ اطمئنان يصاحبه يقين؛ ثقة تلازمها المحبة التي يزدهر بها القلب، ويزداد العامل إيماناً ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].
ازدادت إيماناً فازدادوا ثباتاً، رغم عظم الخطوب واشتداد الكروب وكثرة الرزايا والملمات ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦].
هذا حال رجال الطوفان الصادقين بفضل الله وكرمه ومَنِّهِ؛ ولو لم يكن هذا حالهم لما بقي أحدٌ منهم على الطريق، رحل من رحل بصدقه؛ وبقي من بقي بثباته، لا يعلمهم إلا الله؛ قال الله تعالى: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (الأحزاب:٢٣).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البخاري.
2 أخرجه البخاري.
3 متفق عليه.
4 رواه أحمد وأبو داود بسند حسن؛ وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة وقال: قوي بغيره.
5 السيرة النبوية لابن هشام، من البعثة إلى الهجرة.
6 أخرجه أحمد ١٧٤٠.





