
محمد ﷺ القدوة التي لا تغيب
أبريل 9, 2026
صفة شعره ﷺ واعتناؤُه به
أبريل 10, 2026بقلم: راجح الجنيدي – فك الله أسره*
نعم سأكتب، بعد قهر.. عذاب.. لكنني سأكتب، سيطول العذاب وتتراكم الأحزان وتمتد المعاناة لكن الواجب أن أكتب …رفقتي قالوا: نخشى أن يطول عذابك وتمتد آهاتك. لكني مُصر.. لو أنا وهو آثارنا الجبن وصمتنا فمن سيسمع صرخة المعذبين؟ إن لم أكن أنا أو أنت فمن سيصرخ في وجه الظالمين ومن سيكون للمظلومين؟
نعم سأكتب للجميع.. لمن فقدوا إنسانيتهم أولاً لعل منهم مَن فيه بقية من إنسانية.. لمن ظنوا أن في المحتل بقية من إنسانية لهؤلاء أيضاً سأكتب وأصرخ..
أعداؤنا أبداً ليس فيهم بقية من إنسانية.. لشعبي العظيم سأكتب وأقول: إخوة لكم يعيشون قهراً في مقابر للأحياء..
لشعبي الجبار سأكتب وأصرخ: الأسرى يُعَذبون ويُقهرون على يد مَن ليس فيهم بقية من إنسانية..
نعم، للأسرى مآسٍ كثيرة وآلام لا تنتهي.. فصغيري إبراهيم وكل إخوته لهم حق عليّ أن أكتب عن حرقة دموعهم حينما علموا أن أباهم قد مُدد حبسه، ولن يفرحوا باحتضانهم له قريباً..
غاليتي الصابرة أم أحمد لها واجب أن أكتب لها شاكراً صبرها وأحمالاً ثقيلة حملتْها.. ووالدي الغالي ولهفة قلبه المكلوم، فالواجب عليّ أن أكتب..
لكني إلى كل هؤلاء أقول: معذرة أيها الغوالي فصرخة في عالم السواد الذي يلف أرجاء سجني هي أوجب أن أكتب فيها.. هي لوحة عذاب تمتد على طول عمر الاحتلال، وما الذي سأكتبه إلا يسير مما يعانيه شعبنا بعامته ونحن الأسرى خاصة هو حدث صغير لكنه يعكس هَماً كبيراً.. هي قصة يومية -بل كل ساعة وكل دقيقة- تتكرر مع إخوة القيد، لكن كل من هؤلاء يعبر عن مشاعره بأسلوبه، أما أنا فقط سأكتب..
وأبدأ بما حدث منذ أيام بعيدة خلت.. يعود إلى بداية الجزء الأخير من العذاب الذي امتد بي منذ ربع قرن من الزمان، ما حصل منذ أربعة عشر شهر خلت حينما هاجمني الوجع بأشرس أنيابه ومزقني الألم وتوجهت إلى عيادة السجن فأمدوني بالمسكنات، والتي ما حاصرت نوبات الوجع التي انتزعت روحي قبل انتزاعها، ولما ألححت على حقي في معالجتي قالوا: سنسجلك كي تذهب إلى المختص. وبعد أربعة عشر شهراً يأتي دوري لأذهب للعيادة، وليت دوري لم يأتِ!
فآلام النقل كانت أضعاف آلام المرض.. ثلاثة أيام كاملة والقيد يكوي معصمي! ثلاثة أيام ككل أسير وأسيرة يُنقلون للعلاج ذُقت فيهم أقسى أنواع العذاب والمعاناة. وبعدما وصلت إلى ما يسمونه المستشفى في الرملة كي أقابل الطبيبة المختصة والتي ما قامت عن الكرسي قط، وفي دقائق معدودة سألت بعض الأسئلة ومن ثم أرجع من حيث أتيت، وسياط الألم ازدادت قسوة.
ومرارة المسير في حافلة النقل (البوسطة) لا تفارق أصحابها أبداً، وكالجميع سياط القيد تلهب كل جسدي لكنني أزيد عليهم بأن ألماً فوق ألمي وعذاباً يصب فوق عذابي، فقد فعلت مثلهم وامتنعت عن شرب الماء؛ فجميع من بالبوسطة يمتنعون عن شرب الماء قدر الإمكان لئلا يقضون حاجتهم، أما أنا فيا حسرتي! مضطر لشرب مزيد من الماء لأنني أصلاً ذاهب لعلاج كليتي، وشرب الماء أساسي في مثل حالتي كي لا تصرعني نوبات الألم.. والحصيلة أني اضطررت لقضاء حاجتي.
وعندما توقفت البوسطة في بعض محطاتها في سجن ريمون طلبت من ذاك السجان بأني أريد قضاء حاجتي فرفض، وألححت عليه، عندها اقتُلعت منه الإنسانية بكل ذراتها، فاقتحم الحافلة وانتزعني من بين رفاق السفر، ثم أطبق زرد قيدي على معصمي حتى كادت الدماء تتجمد في عروقي.. كادت يداي أن تُشل من قوة ما شدّ القيد على يدي، ولم يكفِه ذلك فقد ألقاني في زنزانة انفرادية!
هذه ليست قصتي وحدي، لكنه ألم يتكرر بأشكال كثيرة معي ومع إخوة القيد جميعاً.. أبسط حقوق البشر إن أنت طالبت بها ستُعنف وتُعنف وتُعنف.
أيها السادة :
هذا يسير مما يعانيه أبناؤكم في سجون القهر اليهودي..
أيها الناس:
إن هذه ما هي إلا صورة مصغرة لمعاناة لا يراها إلا أصحابها، لكنها تعكس هَماً كبيراً وجُرحاً عظيماً خلف الشمس ينزف..
أيها الناس:
بالله عليكم.. أَمِثل هؤلاء فيهم بقية من إنسانية؟
ـــــــــــــــــــــ
* راجح الجنيدي، مقال: بقية من إنسانية، موقع إلكتروني: الصفصاف، مايو 2022م.





