
الاحتلال ينسف منازل غزة ويصادر أراضي الضفة
يونيو 3, 2026
التربية المحمدية (1): فقه طاعة الرسول ﷺ
يونيو 4, 2026بقلم: عماد إبراهيم – مدير مشروع بصيرة الدعوي
الحمد لله معز أوليائه المؤمنين، وناصر المستضعفين ومعلي راية الدين، وقاهر المتجبرين، والآمر بالجهاد في سبيله إلى يوم الدين، والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه، نبينا وقدوتنا وقائدنا محمد ﷺ إمام المجاهدين وخاتم الأنبياء والمرسلين.
في زمنٍ تضطرب فيه الموازين، وتتنازع فيه العقول أمواجُ الشبهات، وتتعالى فيه أصوات التغريب والتشويه، تبقى الكلمة الصادقة واحدةً من أمضى الأسلحة أثرًا، وأبقاها حضورًا، وأشدها رسوخًا في صناعة الوعي وتثبيت الهوية. وإن الأمة التي تُحسن صناعة الكلمة، وتُتقن توجيه الفكر، وتربط حاضرها بأصولها وثوابتها العقدية، هي أمةٌ قادرة على حماية مقدساتها، والدفاع عن نبيها ﷺ، والقيام برسالتها الحضارية بين الأمم، والتي شرفها الله بهذا التكليف المشروط حين قال عز وجل في كتابه الكريم: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 110].
ومن هنا انطلقت مجلة أنصار النبي ﷺ؛ لتكون سهمًا من سهام الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في ميدان النصرة الفكرية والعلمية، ومنبرًا يحمل همَّ الأمة، ويجمع بين أصالة الطرح الشرعي، وعمق المعالجة الفكرية، ووعي الواقع، واستشراف المستقبل. فمنذ انطلاقتها الأولى في شهر مايو من عام 2022م، حملت المجلة رسالةً واضحة المعالم، سامية المقاصد، مفادها أن نصرة النبي ﷺ لا تكون بالعاطفة المجردة وحدها، بل تكون كذلك ببناء العقل المسلم، وتحصين الوعي، وربط الأمة بميراثها العلمي والشرعي والفكري، وإحياء الانتماء الصادق إلى هدي النبوة ومنهج الرسالة، وتفنيد شبهات المبطلين المجرمين الذين يسعون للطعن في رسول الله ﷺ، وكذلك السعي لتجييش طاقات الأمة لنصرة رسول الله ﷺ بالوسائل المختلفة.
وها هي مجلة الأنصار اليوم تستقبل عامها الخامس، بعد مسيرةٍ امتدت أربعة أعوام كاملة من البذل والعطاء، أثبتت خلالها أن الكلمة المخلصة قادرة على أن تتجاوز الحدود، وأن تصل إلى القلوب والعقول في أرجاء المعمورة، وأن تتحول إلى جسرٍ يربط بين العلماء والمفكرين والدعاة وجمهور الأمة من القراء، في مشروعٍ فكرى متكامل، غايته نصرة النبي المختارﷺ، وخدمة الإسلام، وإحياء الوعي في الأمة. وقد تراكمت خلال هذه السنوات تجربةٌ فكرية وإعلامية جعلت المجلة أكثر رسوخًا في منهجها، وأعمق وعيًا بتحديات الواقع، وأكثر قدرة على الجمع بين الخطاب الشرعي الأصيل ومتطلبات العصر المتجددة.
لقد تأسست مجلة أنصار النبيﷺ في مرحلة كانت الأمة فيها أحوج ما تكون إلى خطابٍ شرعي رصين، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويبتعد عن الإفراط والتفريط، ويحفظ ثوابت الدين من العبث والتشويه. فجاءت المجلة لتؤكد أن الفكر الشرعي المنضبط هو أحد أعظم ميادين نصرة النبي المختار ﷺ، وأن حماية الأمة من الانحرافات الفكرية والثقافية لا تقل أهمية عن أي ميدانٍ آخر من ميادين الدفاع عن الدين والمقدسات، بل ربما كانت أكثر تأثيرًا في تشكيل الوعي وصناعة الاتجاهات.
ومع تطور مسيرتها واتساع آفاق رسالتها، لم تعد مجلة الأنصار مجرد منبرٍ للمقالات المتفرقة، بل غدت بناءً معرفيًا متكاملًا تتكئ عليه رؤيةٌ دعوية وفكرية شاملة، تجلت في ثمانية أقسامٍ رئيسة، لكلٍّ منها روحه الخاصة، ومجاله الذي يرفد مشروع النصرة بمدده العلمي والإنساني، في تناغمٍ يربط بين الفكرة والواقع، وبين العلم والتجربة، وبين الخطاب وجمهور القراء.
ففي القسم الأول، تفتح المجلة أبوابها لأقلام رموز الفكر والعلم والثقافة من علماء الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ وخارجها، ليكون هذا القسم صوت الحكمة الراسخة، والكلمة الصادقة في الموضوعات المتعلقة بالنبي ﷺ وهديه وسنته وسيرته، ومعالجة قضايا الأمة بميزان الشرع، ووعي الواقع في ضوء الهدي النبوي، ونَفَس المسؤولية الدعوية التي تحفظ للدين صفاءه، وللفكر استقامته، وتمنح القارئ رؤية متزنة لا تنفصل عن الأصول ولا تغفل عن التحديات المعاصرة.
ثم يأتي قسم الراحلين من العلماء والدعاة والشهداء، تقف المجلة وقفة وفاءٍ واعترافٍ بالجميل، فتستعيد من تراثهم ما يضيء الدرب، وتبعث من كلماتهم ما يوقظ الهمم، وكأن أرواحهم ما تزال حاضرة بين السطور، تمد الحاضر بتجارب الماضي، وتصل الأجيال بجذور العلم والدعوة التي لا تنقطع، لتؤكد أن العلماء لا يغيبون بالموت، بل يبقون بأثرهم وعلمهم وإلهامهم الممتد.
ثم يأتي قسم الأسرى من العلماء والدعاة -فك الله أسرهم-، ليحمل في طياته صوتًا مكبوتًا خلف القضبان، لكنه حاضرٌ في الوعي والقلوب. فيه تُنتقى كتاباتهم ورسائلهم، لتبقى أفكارهم طليقةً رغم الأسر، شاهدةً على أن الكلمة الصادقة قد تُحاصر الأجساد، لكنها لا تُقيد المعاني ولا تُطفئ الرسالة، بل تتحول إلى رمزٍ للصبر والثبات وقوة الفكرة أمام القيد.
ثم ننتقل إلى قسم “بصيرة” ليحمل نبضًا مختلفًا، إذ لا يكتفي بنقل التجربة وفقط، بل يروي رحلة القلوب حين تخرج من ظلمات التيه إلى نور الهداية. فيه تُسرد قصص الداخلين في الإسلام بأقلامهم عبر مشروع “بصيرة” والذي أطلقته الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام من غير الناطقين بالعربية، قصصٌ إنسانية نابضة، تُظهر كيف يطرق نور الإسلام القلوب في أرجاء المعمورة وكيف يتحول الإنسان من باحثٍ دنيوي حائر إلى مؤمنٍ مطمئن، فاعل في مجتمعه، في مشاهد تمتلئ بالصدق وتفيض باليقين، لتؤكد أن الهداية ليست حدثًا عابرًا بل تحولًا جذرياً كاملًا يعيد تشكيل الإنسان من الباطن قبل الظاهر.
أما قسم “سفراء الأنصار”، فهو نافذة المجلة على العالم، حيث تنطلق أقلام السفراء من مختلف البلدان، تحمل همَّ الرسالة في لغاتٍ وسياقاتٍ متعددة، وتنقل صورة الدعوة في ميادينها الحية، ليظهر من خلاله كيف تتحول النصرة إلى حركةٍ عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية، وتخاطب الإنسان حيثما كان، وتتعامل مع واقعه بثقة الرسالة ووضوح المنهج واتساع الأفق.
ويبرز “قسم المنصفين” من غير المسلمين بوصفه مساحةً للإنصاف الإنساني، حيث تُقدم فيه كتابات أولئك الذين نظروا إلى الإسلام بعين العدل والتجرد، فشهدوا له بعظمته، وللنبي ﷺ بمكانته، ولحضارته بثرائها. إنه قسم يكشف كيف يمكن للحقيقة أن تفرض حضورها حتى على من لم ينتموا إليها، وكيف أن الإنصاف العلمي قادر على تجاوز الحواجز الثقافية والدينية.
ثم يأتي قسم بريد القراء، ليكون همزة وصلٍ بين المجلة وجمهورها، حيث تتلاقى الأقلام المتابعة مع روح المجلة، فتشارك في صناعة الخطاب، وتضيف إلى مسيرته نبضًا حيًّا يعكس تفاعل جمهور أمتنا مع رسالتها الفكرية والدعوية، ويجعل من المجلة مساحة حوارٍ حيّ لا مجرد منبرٍ أحادي الاتجاه.
وأخيرًا، ومع انطلاقة العام الخامس، أُضيفَ إلى هذا البناء المتكامل قسمٌ ثامنٌ “للفتاوى”، يُعنى بما تصدره دار الإفتاء الإلكترونية التي أسستها الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ، من إجاباتٍ شرعية تمس واقع الأمة ونوازل العصر، وتلامس احتياجاتها اليومية، وتقدم الحلول المستندة إلى العلم الشرعي الرصين، في زمنٍ كثرت فيه الفتاوى المضطربة، وتداخلت فيه الأصوات غير المؤهلة مع خطاب الدين. فجاء هذا القسم ليعيد ضبط البوصلة، ويضع السائل أمام مرجعيةٍ موثوقة تجمع بين العلم والوعي والمقاصد، وتربط الحكم الشرعي بحياة الناس لا من أجل التنظير المجرد.
إن دخول مجلة أنصار النبي ﷺ أ عامها الخامس ليس مجرد رقمٍ يُضاف إلى سنوات عمرها، بل هو شاهدٌ على ثبات المشروع، ونضج التجربة، واتساع الأثر. فالمشاريع الفكرية التي تُبنى على الإخلاص والصدق والرؤية الواضحة لا تذبل سريعًا، بل تنمو مع الزمن، وتزداد رسوخًا وتأثيرًا، حتى تصبح جزءًا من الوعي الجمعي للأمة.
وإذا كانت نصرة النبي ﷺ واجبًا تتشرف به الأمة، فإن من أعظم صور هذه النصرة اليوم: حماية وعي المسلمين، وربطهم بسيرة نبيهم وهديه ﷺ، وتحصينهم من حملات التشويه والانحراف، وبناء جيلٍ يعرف دينه بعلمٍ وبصيرة، ويعيش الإسلام فهمًا وسلوكًا لا مجرد انتماءٍ سطحي!
فنسأل الله أن يبارك هذه المسيرة، وأن يتقبل هذا الجهد، وأن يجعل هذه المجلة المباركة سهمًا نافذًا في نصرة نبيه الكريم ﷺ، ومنبرًا للحق والوعي والخير، وأن يكتب لها مزيدًا من الثبات والقبول والانتشار، حتى تبقى -كما أرادها مؤسّسوها والعاملون عليها- صوتًا للأنصار في زمنٍ كثرت فيه الأصوات، وقلَّ فيه الصادقون من العاملين.
والحمد لله رب العالمين.





