
مجلة الأنصار.. سهمٌ في نصرة النبي المختار
يونيو 3, 2026
حسين رضا – باحث في علوم القرآن
لم يكن النبيُّ ﷺ يقيم قواعد الإيمان وأركانه وأعمدته في القلوب متمثلاً في الاعتماد على حضوره الشخصي وبقائه فحسب، حتى لا يبقى جيل الدعوة الأول بشبابه ورجاله متعلقًا بوجوده الجسدي ﷺ، وإنما أقام الإيمان على أصلٍ لا يزول: التعلق بالله وحده.
لأنه ﷺ كان يعلم أن التعلق الَمرَضي بالرموز عقبة كؤود، قد تجعل من تعلق الإنسان بالإنسان سداً حاجزاً بين العباد وخالقهم، لذا عمل ﷺ على تعبيد الناس لربهم، وتعلقهم بالله الباقي الذي لا يموت.
ولأنه ﷺ يعلم أن أعظم اختبار يمرّ على إيمان المؤمن هو اختبار لحظة الفقد، ويعلم أن المحبة إن لم تُضبط بالمنهج السماوي المتزن المنضبط تحولت إلى تعلّقٍ ينهار مع أول ساعات الغياب، جاءت تربيته لشباب ورجال الجيل الأول الذي سيحمل هذه الرسالة إلى الدنيا بأسرها دقيقة في هذا الباب؛ تُنمي الحب، وتؤكد الاتباع، وهي في الوقت ذاته تحرر القلوب من الارتهان الأبدي لأي شخص، والتعلق الَمرضي بأي إنسان مهما علت منزلته، فصنع ﷺ بهذا جيلًا أحبّه حباً صادقاً في حياته، وثبت ثباتاً أصدق وأعظم بعد وفاته، لا لشيء إلا لأن قلوبهم كانت موجهة صوب الله خالقهم لا سواه.
(١) حدٌّ فاصل بين المحبة والعبودية
وضع رسول الله ﷺ حداً فاصلاً واضحاً يفصل بين عمق المحبة وعمق العبودية، حداً يقول لهذا الجيل الكريم إن النبي ﷺ عبدٌ يُتَّبع وليس معبوداً يُقصد، فخاطبهم ﷺ قائلاً: “لا تُطروني كما أطرت النصارى ابنَ مريم، إنما أنا عبدٌ، فقولوا عبدُ الله ورسولُه”.
لم يخرج هذا الكلام من رسول الله في لحظة ضعف يستجدي بها نصرا، وإنما خرج في أوج زمن التمكين، وقد كان الحب ساعتها في ذروته، إذ يمكن للنفوس حينها أن تنزلق إلى الغلو في شخصه الكريم، فأراد ﷺ أن يضع ميزانًا لا يُكسَر، وقانونا لا يخالَف من بعده، فحواه: محبة بلا تأليه، وتعظيم بلا عبودية.
بهذا التوجيه الصريح تعلم الجيل الأول أن أعظم ما يُقال في حقه ﷺ، إنه عبد الله، وأن مقام العبودية هو أشرف المقامات وأسماها، وأن كمال المرء لا يكون إلا بتمام الخضوع والعبودية لله، فليست العبودية نقصًا في القدر بل كمالًا فيه وعزًّا.
يقول أهل العلم: الإطراء هو مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه، وقد نهى عنه ﷺ خوفاً من أن يُفضي ذلك بالأمة إلى ما أفضى بالنصارى من الغلو في عيسى حتى عبدوه من دون الله كما أن من حكمته ﷺ: أن منع هذا الإطراء تواضعاً لربه، وإشفاقاً على أمته.
فيا صاحبي وأخي: ليس أشرف لي ولك من أن نقطع هذه الدنيا عبيداً لله، وأن يقال يوم مماتنا: مات عبد الله فلان ابن فلان، وأن نقابل الله في الآخرة فنقول له: كنا عبيداً لك، إذا سألنا أين كنتم؟ وماذا فعلتم في دنياكم؟ وليس أدل على العبودية من أن يراك الله في كل موطن خير، وأن يفتقدك في كل موطن سوء.
(٢) من يطِع الرسول فقد أطاع الله
كان ﷺ حريصًا أن يفهم الشباب أن طاعة شخصه الكريم ليست طاعة لهواه ولا ما يتوهمه، وإنما طاعتهم له هي طاعة لله الذي أرسله مرآة وحيه، كما أن طاعة الناس له ليست أمراً من شخص النبي ﷺ إلى الناس، وإنما هي فرض فرضه الله على كل من آمن به، فقال سبحانه: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ليكشف لهم ﷺ أن الله سبحانه جعل شخص النبي ﷺ هو المنهج العملي والتفسيري لوحيه، فيقول ﷺ: “صلّوا كما رأيتموني أُصلّي”، ويقول مبيناً أن المنهج العقدي التعبدي لرسالة الإسلام مكتمل لا يحتمل حذفاً ولا إضافة: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”. لقد أسقط ﷺ الطاعة على العصبية لصالح الطاعة على أمر الوحي، فلم يوجههم أن يفعلوا ما يفعله لمجرد أنه محمد بن عبد الله الذي هو من نسب بني هاشم نسب العز والفخر، وإنما لأنه محمد النبي الذي يعلمهم دين الله كما علمه الله بوحيه، وعلى هذا الفهم الرصين نشأ شباب الدعوة في الجيل الأول مؤمناً أن النبي ﷺ مبلِّغ ومبيِّن، فاتبعوا شخصه امتثالاً لأمر الله الجليل.
يقول أهل العلم: طاعة الرسول طاعة لله، ومعصيته معصية لله.. وهذا يبين أن الرسول ﷺ ليس له من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وإنما هو مبلّغ عن الله، فطاعته من لوازم توحيد الله.
فيا صاحبي وأخي؛ لقد عايشت ناساً من شتى الأرض وأجناس البشر، ووالله ما وجدت حريصاً بين المسلمين على العمل بسنة رسول الله ﷺ إلا القليل بين القليل، فيا ليتك تكون واحداً منهم، افتح كتب السُّنة النبوية فطالعها، وقلّد حبيبك ﷺ في كافة أحواله وجميع سلوكياته، ثم حدثني بعد عن الراحة النفسية التي ستشعر بها فضلاً عن الثواب الرباني الذي ستناله.
(٣) التربية للمستقبل تقتضي بيان الحقيقة
وقف النبي ﷺ في خطبة الوداع بين أصحابه، والقوة يومئذ في أيديهم، وقال كلمته الجامعة: “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتابَ الله وسنتي”. لم يقل ﷺ: ما رأيتموني بينكم فلن تضلوا، فهو لم يربط الاستقامة والهداية بحضور شخصه وإنما ربطها بمرجعية معجزته الباقية المتملثة في الوحيين: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: 113] القرآن والسنة الشريفة، ليربي الجيل على الاستقلال الإيماني، ويعدّهم ليوم حزين على قلوبهم لن يكون هو فيه بينهم، وإن هذا لمن أنفع صور التربية، لأنه يجعل الأتباع قادرين على الاستمرار دون الموجِّه والمعلِّم، ويبقيهم يوم مماته متصلين مؤمنين بالله لا بشخصه، فلا ينقلبوا على الأعقاب، ولا تميد بهم الأهواء، ولهذا ظهرت آثار التربية يوم وفاته ﷺ أقوى وأرسخ من آثار الصدمة التي زلزلت المدينة والدنيا، فوقف سيدنا أبو بكر يثبّت أركان الكون وقلوب الأتباع وهو يقول “ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”.
يقول أهل العلم: إن أبا بكر رضي الله عنه قد قام مقام الأنبياء في الصبر والدعوة إلى الله والتوحيد، وكشف عن القلوب غشاوة التعلق بالفاني ليردها إلى الحي الباقي كما علمنا تعزية النفوس عن الذهول عند المصائب العظام، وتثبيت القلوب على التوحيد عند فقد العظماء.
فيا صاحبي وأخي؛ إياك ثم إياك مهما عظم قدر الداعية أو المُربي في قلبك أن تربط استقامتك على أمر الله ببقائه أو موته، فإن مات لك شيخ، أو انتكس أمام عينيك داعية، أو حاد عن جادة الطريق معلم، كن على يقين بأن دين الله باقٍ، فاستقِم لربك، فإن إليه المنتهى.
(٤) طاعة الوحي غير الاجتهاد البشري
كان مما يؤكده رسول الله ﷺ للجيل الأول للدعوة؛ أن طاعته في الوحي السماوي غير طاعته في الاجتهاد المحمدي البشري، فيقول ﷺ: “إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيءٍ من دينكم فخذوه، وإذا أمرتكم بشيءٍ من رأيي فإنما أنا بشر”. وأدلّ الأمثلة على هذا ما أخرجه مسلم وغيره بروايات عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ مر بقوم يلّقحون النخل فقال: “لو لم تفعلوا لصلح”، قال: فخرج شيصاً -أي تمراً رديئاً- فمر بهم فقال: “ما لنخلكم؟” قالوا: قلت كذا وكذا.. قال: “أنتم أعلم بأمور دنياكم”.
لقد أراد ﷺ أن يُحرر العقول من التبعية العمياء في شؤون الدنيا، لأجل ذلك علّمهم أن يفرقوا بين ما يُؤخذ بوصفه وحياً مقدساً يجب اتباعه وعدم الحياد عنه، وبين ما يُفهم على أنه اجتهاد بشري يقبل النظر والتجربة. وبهذا السلوك الرشيد حفظ الدين من الجمود، وحمى الأمة من الانقياد الأعمى، الذي يستغله الطغاة وسحرتهم للسيطرة على عقول عوام المسلمين.
يقول أهل العلم؛ لقد بوّب العلماء لهذا الحديث بباب وجوب امتثال ما قاله شرعاً دون ما ذكره ﷺ من معايش الدنيا على سبيل الرأي، ليفهموا ونفهم من بعدهم أن لكل أحد أن يجتهد في أموره الدنيوية الخاصة بما يناسبه ويحقق منفعته، فإذا ما أراد أن يشتري سلعة أو يبني داراً أو يزرع أرضاً أو يسافر بلداً، فهذه شؤونه، مع الأخذ في الاعتبار ما جاء في الدين من معايير تخص كل شأن بما لا يخرجه عن الحلال، فلا يُرابي بماله ولا يُؤذي جاره ببنائه وغير هذا.
فيا صاحبي وأخي؛ لا يوهمك أحد بأن الدين عائق عن التطور الدنيوي بدعوى أن السلف لم يفعلوا هذا ولا ذاك، فأنتم أعلم بأمور دنياكم -في الطب، والهندسة، والإدارة، والتكنولوجيا وغيرها- ترشدنا إلى استثمار العقول في عمارة الأرض، فلا تنتظر نصاً شرعياً يعلمك كيف تزرع أو تصنع.
(٥) شيطان الألقاب والتواضع لله
عن مطرف بن عبد الله عن أبيه قال: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا. فَقَالَ: السَّيِّدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. قُلْنَا: وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا. فَقَالَ: قُولُوا بِقَوْلِكُمْ، أَوْ بَعْضِ قَوْلِكُمْ، وَلَا يَسْتَجْرِيَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ.
لقد حذرهم ﷺ من المنزلقات النفسية الخفية، فرغم أن النبي ﷺ هو سيد ولد آدم يقيناً كما صح عنه، إلا أنه خشي في هذا الموقف على الوفد من الاسترسال في التعظيم بما قد يقودهم إلى التعلق بشخصه لا بربه، وأن تكون هذه الألفاظ مدخلاً للشيطان يفسد من خلاله إيمان قلوبهم، فأنبأهم أن السيادة المطلقة لله، وأن سيادة البشر هي سيادة تكليف ومسؤولية لا سيادة قهر وتشريف مطلق.
يقول أهل العلم: إن رسول الله ﷺ أراد أن يعلمهم أن السؤدد الحق لله عز وجل، وأن الخلق كلهم عبيد له، وإنما كره أن يواجه بالمدح فيزكى بما ليس من شيمته التكبر، ولئلا يتعاظم ذلك في نفسه. وبينوا أن مقصد قوله ﷺ: “ولا يستجريَنكم الشيطان” أي لا يتخذكم جرياً ووكيلاً له في تعظيم غير الله، فيوقعكم في الشرك أو في الكذب.
فيا صاحبي وأخي؛ إياك ومسابقة الألسن في إطلاق ألقاب التفخيم (مولانا، قُدس سره، حجة الإسلام، العلامة الأوحد، أسد السنة…) التي تكاد تطمس بشرية الممدوح، فإن تقديس الأشخاص داءٌ مهلك، رأينا بسببه من ينافق الظالمين وينزلهم مقام الآلهة، فأنزِل الناس منازلهم، مع يقينك أن السيادة الحقيقية لله وحده.
السباعية العملية
لتحرير قلبك من التعلق بغير الله أوصيك بسبع:
الأولى: راقب لسانك جيداً، ولا تتكلم بكل كلمة تتوهم منها الشراكة بين الله وخلقه مثل: (اعتمدت على الله وعليك، لولا الله وفلان، أو أنا معتمد عليك، لولا فلان ما انقضت حاجتي) واستبدلها بعبارات التوحيد (معتمد على الله ثم عليك، لولا الله ثم فلان).
الثانية: تعلم تجريد القدوة، فعندما تقرأ سيرة النبي ﷺ أو الصحابة، ركّز على “المنهج” الذي حملوه، والمبادئ التي ماتوا من أجلها، ولا تقف عند حدود الإعجاب الشخصي المجرد، لأن هذا المنهج هو الذي صنع هذا الإنسان الذي أحببته، ولربما لو قرأت عنه قبل الإيمان بهذا المنهج لكرهته.
الثالثة: تمرّن على الفقد، وأهّل نفسك بسؤال: ماذا لو مات شيخي أو قدوتي اليوم؟ ثم ابنِ خطتك الإيمانية والدعوية على أسس لا تهتز بغياب الأشخاص.
الرابعة: أكثر الدعاء بالثبات، فقد كان نبينا ﷺ يكثر أن يقول: “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك” واستحضر دائماً أن الثبات منحة إلهية لا يملكها لك أحد من البشر.
الخامسة: انشر ثقافة “بشرية الرسل” في حديثك مع أهلك ومن حولك، وحدّثهم وعرفهم على الجوانب البشرية في حياة الأنبياء والصالحين (مرضهم، جوعهم، حزنهم) لترسخ فيهم أن الكمال لله وحده.
السادسة: ارفض الغلو في المدح، إذا مدحك أحد بما ليس فيك، أو رأيت مَن يبالغ في مدح أحد حتى يكاد أن يخرجه عن كونه بشراً، فتأدّب بأدب النبوة وذكّره بأن “السيد الله”، وجميعنا تحت ستره سبحانه.
السابعة: لا تتعلق إلا بالحي القيوم؛ واجعل لك خبيئة وعبادة في السر لا يعلمها إلا الله، تكن لك حبلاً سرياً يربطك بالله الحي الذي لا يموت، بعيداً عن أعين الناس وتقييماتهم لك.





