
خوارج الدعم السريع يحرقون بقصف المسيرات محطة كهرباء الدبة
يوليو 16, 2026بقلم: شوقي جهاد البشير – أستاذ التعليم الثانوي في التاريخ والجغرافيا
روى البخاري في صحيحه عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الْكَرْبُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَاكَرْبَ أَبَتَاهْ. فَقَالَ: “لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ”. فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهْ، أَجَابَ رَبّاً دَعَاهْ، يَا أَبَتَاهْ، جَنَّةُ الْفَرْدَوْسِ مَأْوَاهْ، يَا أَبَتَاهْ، إِلَى جَبْرِيلَ نَنْعَاهْ. فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التُّرَابَ؟
سأتناول في هذا المقال ومضات وتأملات تزكوية من قصص أخيار البرية انطلاقا من إلهام هذا الحديث الشريف، وهي من باب ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55]، وأيضا ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: 37]. نفعني الله وإياكم بما فيه.
حقيقة لا أستطيع نسيان شعوري عندما قرأت هذا الحديث لأول مرة في كتاب “رياض الصالحين”.
لقد كانت كل كلمة في هذا الحديث القصير تعمل على تشكيل صور هذا المشهد العسير في وجداني، وكلما تقدمت في القراءة وكررتها يصحبه ذلك تدفق هائل للمشاعر والعواطف الجياشة والمعاني العظيمة في أعماق فؤادي، ولعل أبلغ وصف لهذا الحدث العظيم قول السهيلي: “وَقَدْ كَانَ مَوْتُهُ ﷺ خَطْبًا كَالِحًا، وَرِزْءًا لِأَهْلِ الإِسْلَامِ فَادِحًا، كَادَتْ تَهُدُّ لَهُ الْجِبَالُ، وَتَرْجُفُ الأَرْضُ، وَتَكْسِفُ النَّيِّرَاتُ؛ لِانْقِطَاعِ خَبَرِ السَّمَاءِ، مَعَ مَا آذَنَ بِهِ مَوْتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ إِقْبَالِ الْفِتَنِ السُّحْمِ، وَالْحَوَادِثِ الدُّهْمِ، وَالْكُرَبِ الْمُدْلَهِمَّةِ… وَلَقَدْ كَانَ مَنْ قَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَئِذٍ مِنَ النَّاسِ، إِذَا أَشْرَفُوا عَلَيْهَا، سَمِعُوا لِأَهْلِهَا ضَجِيجًا، وَلِلْبُكَاءِ فِي أَرْجَائِهَا عَجِيجًا، وَحَقَّ ذَلِكَ لَهُمْ وَلِمَنْ بَعْدَهُمْ”.
ويصف لنا أبو ذؤيب الهذلي الحالة العامة ليلة وفاة النبي ﷺ كشاهد عيان فيقول: “بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلِيلٌ، فَاسْتَشْعَرْنَا حُزْنًا، وَبِتُّ بِأَطْوَلِ لَيْلَةٍ لَا يَنْجَابُ دَيْجُورُهَا وَلَا يَطْلُعُ نُورُهَا، فَظَلِلْتُ أُقَاسِي طُولَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ قُرْبُ السَّحَرِ أَغْفَيْتُ، فَهَتَفَ بِي هَاتِفٌ وَهُوَ يَقُولُ:
| بين النخيــل ومعقد الآطام
|
خطب أجل أناخ بالإسلام | |
| تهمى الدموع عليه بِالتَّسْجَام”ِ | قبـض النبي محمد فعيوننا |
إلا أن ما أثر بي أيما تأثير هو حزن وبث الابنة البارة فاطمة ترضي الله عنها، على ما أصاب أباها من كرب لشدة المرض وثقله، وقهرتها عندما ووري جسده الشريف التراب؛ لتعيش بعد وفاته عليه الصلاة والسلام ستة أشهر فما ضحكت تلك المدة وحُق لها ذلك، وروي أنها قالت:
| شمس النهار وأظلم العصران
|
اغبر آفاق السماء وكورت |
|
| أسفا عليـه كثيرة الرجفان
|
والأرض من بعد النبي كئيبة | |
| ولتبـكه مضر وكل يماني
|
فليبكه شرق البلاد وغربها |
بعد هذا الكلام الحزين عن موت سيد المرسلين الذي بعثه الله رحمة للعالمين، أرجو أن أكون قد نقلت لك أيها القارئ الكريم بعضا مما أصابني من حزن هذا اليوم وقهرة دفن الرسول ﷺ وحثو التراب عليه. لكن -والكلام موجه لي قبلك أخي الفاضل- السؤال الجوهري في هذا الموضوع: هل نحن صادقون في حزننا بهذا الفقد الأليم؟
لن أجيب على ذلك وسأدع الإجابة للقارئ بعد استعراض عدد ومضات تزكوية وإيمانية؛ لعلها تحيي هذا الموات، وتوقظنا من السبات، وتعلمنا أن حثو التراب له صور معنوية عدة تختلف عن تلك الصورة المادية التي يدركها القارئ من ظاهر الحديث.
الومضة الأولى
قال الله تعالى: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]؛ فمن أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه فقد أطاع المولى عز وجل؛ لكونه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه، ووحيه وتنزيله، وفي هذا عصمة الرسول ﷺ.
وأنا أذكر هذا الكلام الذي يفترض أنه من البديهيات عند كل المسلمين، إلا أنه توجد فئة وقعت ضحية لشبهات مغرضة صارت تنمو في مجتمعاتنا الإسلامية تسمي نفسها: “القرآنيون” التي تدعي الإيمان بالقرآن الكريم وحده، وتنكر السنة المحمدية التي عملت أعظم عقول البشرية على حفظها وتدوينها وتصنيفها في شتى الفنون والموضوعات، من خلال منهج علمي رصين مبتكر يشهد له العدو قبل الصديق، والكافر قبل المؤمن.
وهذا الانحراف هو نتاج جهل مركب بأصول تدوين السنة النبوية، وقواعد الجرح والتعديل، مع الاستسلام التام لشبهات خصوم الإسلام من الزنادقة وأهل الأهواء.
وقد كان لي موقف مع أحد أفراد هذه المجموعة الذي كان يتكلم عن الأحاديث النبوية بازدراء، وينكر جهود المحدثين والحفاظ، ويدعي أنه يتبع منهج “العقلانيين” و”التنويريين” وكل هذه الكلمات الرنانة التي تخفي وراءها ظلمة العقل، وضحالة الفهم. وصدق المثل السائر “من جهل شيئا عاداه”.
وانطلاقا من القاعدة الأصولية: الحكم على الشيء فرع عن تصوره. وتصور الشيء يكون بدراسته ومعرفة منهجه، فطلبت منه أن يتحفني باسم كتاب أو متن للمبتدئين فضلا عن المتعمقين في علم أصول الحديث؟
فكان الحصاد بكل أسف هو ما قال الشاعر:
| يا له من ببغاء عقله في أذنيه | أثر البهتان فيه وانطلى الزور عليه |
فلم يستطع أن يذكر لي مؤلفا واحدًا فقط.
المقصود أن هؤلاء البؤساء يرددون ما يسمعون دون فهم أو إدراك، ويغطون جهلهم وضحالة فهمهم بقناع العقل والتنوير، وحقيقة أمره أنه كلابس ثوب زور.
مثله كمثل عجوز شمطاء لطخت وجهها بالمساحيق لتبدي حسنها، فينخدع الجاهل بحقيقتها، فهي كما قيل فيها:
بالمكياج مثل البدر تبدو ** فإن نزعته صارت الحاج عبده
ولعل هذا البائس المتشبع بما ليس عنده لسان حاله ممن قال الله فيهم: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان:30].
فلا يمس القرآن لا تلاوة ولا فهما في رمضان فضلا عن بقية الأوقات، وإن مسه فهو ينثر آياته نثر الدقل والله المستعان. وعلى الرغم من تهافت هؤلاء علما وأدبا، إلا أنهم ونظرا لكونهم صدى صوت الزنادقة خصوم الإسلام، وما لدى كبارهم من منابر إعلامية في منطقتنا، فهم يعملون على تشويه الدين وإضلال من يغتر بكلامهم المسموم الممزوج بالعسل.
فنصيحتي لأحبتي قبل إقدامك على أي شيء أن تجعل نيتك خالصة للمولى ولا تبحث إلا عن الحق، ويكفيك شرف السير على الطريق وإن لم تصل، والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل. فلا تحثُ -هداني الله وإياك- على رسول الله ﷺ وسنته التراب.
الومضة الثانية
دائما ما كنت أقرأ وأسمع من أستاذنا الفاضل أ: محمد إلهامي -حفظه الله- في كتبه ومرئياته، عن نقطة غاية في الأهمية تتميز بالبديهية إلا أن أكثرنا عنها غافل؛ ففي سياق حديثه عن قوة العالم الإسلامي وضعفه تكلم أنه في عصر قوة المسلمين هناك مسلمون سيدخلون النار، وعن مسلمين سيدخلون الجنة في عصر الضعف.
إن من يتأمل هذه الحقيقة التي لا يختلف عليها مسلمان سيفتح على المرء بابا كبيرا من الإيمان وتزكية النفس، وشواهد وأمثلة ذلك لا حصر لها في تاريخنا وواقعنا؛ ففي التاريخ مثلا: على الرغم من قوة الخلافة العباسية في العصر الأول إلا أننا نجد من حارب الإسلام من أبنائه وما حدث من فتن ومحن، هذا غير مرتكبي المعاصي والذنوب وما انتشر من مجون وفساد.
وبطبيعة الحال الذي يعنينا ظاهر أمرهم، أما توبتهم فمردها للعليم الخبير. بينما تجد على الصعيد الآخر في عصر الضعف: فئة المجاهدين في غزة، الذين كان بوسعهم العيش منعمين مع أولادهم وذويهم والركون إلى الدنيا إذا أرادوا ذلك فقط، إلا أنهم كما وصفهم الشاعر:
| طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا | إن لله عبـادا فـطنــا | |
| أنها ليسـت لحي وطنـا | نظـروا فيها فلما علموا | |
| صالح الأعمال فيها سفنا | جعلـوها لجة واتخـذوا |
وهل هناك عمل أشرف وأعظم من الجهاد -ذروة سنام الإسلام- وتحرير البلاد والعباد؟ إن نهاية المجاهدين بالشهادة لخير دليل من أدلة كثيرة على حسن خاتمتهم ولا نزكي على الله أحداً.
العبرة من إيراد هذين المثلين هي بيان حقيقة يغفل الناس عنها كثيراً، وهي رسالتنا التي ورثناها عن سيدنا آدم عليه السلام، رسالة الخلافة مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]؛ فلكل إنسان رسالة منوطة به في هذا الكون، والمسلم أدرى الناس بذلك، والمسلمون في أداء هذه الرسالة في الدنيا متفاوتون، والموفق هو الذي يجتهد في تأدية رسالته ما دام حيا، حسب موقعه ومواهبه ومهاراته. وكما قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69]. فاجتهد لتكون ابنا من أبناء الإسلام البارة ولسانا من ألسنته البليغة وسيفا من سيوفه المسلولة، كي لا تكون في زمرة من حثوا على ميراث رسول الله ﷺ التراب.
الومضة الثالثة
عندما وجهت فاطمة خطابها لأنس ولعموم الصحابة رضي الله عنهم أجمعين بقولها: “أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ التُّرَابَ”؟ كان هذا القول لشدة التأثر والحزن على أبيها صلوات الله وتسليماته عليه، فقد كان هذا الفعل على خلاف ما عرفته منهم من رقة قلوبهم عليه لشدة محبتهم له. حينئذ سكت أنس عن جوابها رعاية لها ولسان حاله يقول: لم تطب أنفسنا بذلك، إلا أنا قهرناها على فعله امتثالا لأمره. وهذه الجملة الأخيرة والله لكنز من كنوز الدنيا، فكثير من الناس يتناسون أننا بشر نصيب ونخطئ، نجاهد في الطاعة ونتراخى، نتأثر ونؤثر وهكذا.. لكن السعيد المحظوظ هو من يتدارك نفسه قبل استقرار الران على القلب والبُعد عن رسالته في الأرض جملة وتفصيلا، فالصحابة على الرغم من عدم مطاوعة قلوبهم لهم إلا أنهم دفنوا النبي ﷺ امتثالا لأمره. وكذلك عليك -أخي الفاضل وأختي الفاضلة-، بمقاومة شهواتك ووساوس شيطانك ونفسك الأمارة بالسوء امتثالا لأمر المصطفى ﷺ.
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: 112] ولا تحث على رسول الله التراب بأفعالك.
أيها الأحبة.. بهذا تم مني ذا المقال الذي أرجو أن أكون قد أوصلت من خلاله رسالتي، فكم حثونا على ميراث رسولنا ﷺ التراب، إلا أنه -ولحسن الحظ- لا يزال أمامنا متسع وفسحة من الوقت ما لم نغرغر، فلله الفضل والمنة.
والشكر لك يا الله على ما في مقالتي من توفيق وبيان، وغفرانك يا رحمان على ما حوته من خطأ أو نسيان.
والحمد لله وصلواته وتسليماته، كلما طلع الشمس نهارا وأفل للذي حاز العلا من هاشم أحمد المختار من ساد الأول، وعلى آل وصحب سادة ليس فيهم عاجز إلا بطل.





