
حكومة نتنياهو ترصد مليارات لتوسيع الاستيطان بالضفة
يوليو 15, 2026
السلام مع إسرائيل انتحار للأمة العربية
يوليو 16, 2026بقلم: ستانلي لين بول .. المؤرخ الإنجليزي الشهير*
الحرب المقدسة انتهت، مباراة خمس السنوات خُتمت قبل الانتصار العظيم في حطين تموز ۱۱۸۷م، لم يكن هنالك إنش واحد من فلسطين غربي نهر الأردن في يد المسلمين. بعد صلح الرملة في أيلول ۱۱۹۲م، كانت كل الأرض للمسلمين سوى قطاع ضيق من الشاطئ يمتد من صور حتى يافا. لم يكن هنالك سبب يدعو صلاح الدين للخجل من الصلح، حقيقة أن الإفرنج احتفظوا بمعظم ما كسبه الصليبيون، لكن النتيجة كانت تستحق الاحتقار بالنسبة إلى كلفتها الباهظة.
عند نداء البابا جميع الأمم المسيحية هبت تحمل السلاح.. الإمبراطور، ملوك إنجلترا وفرنسا وصقلية، ليوبولد حاكم النمسا، دوق بيرقاندي، الكونت حاكم فلاندرز، مئات من البارونات والفرسان الشهيرين من جميع الأمم، رافقوا ملك وأمراء فلسطين، والإخوان الذين لا يقهرون، الهيكليون والهوسبتاليون، شاركوا في الجهاد لتحرير المدينة المقدسة واستعادة مملكة القدس المنقرضة.
مات الإمبراطور وعاد الملوك لبلادهم وتركوا العديد من أنبل أتباعهم مدفونين في الأرض المقدسة، لكن القدس بقيت مدينة صلاح الدين، وملكها الأسمي حكم مملكة ضئيلة في عكا.
كل قوة المسيحية المركزة في الحملة الصليبية الثالثة لم تستطع أن تهز سلطة صلاح الدين.. من الممكن أن يكون جنوده قد تذمروا طوال الأشهر من الخدمة الصعبة والخطرة سنة بعد سنة، ولكنهم لم يرفضوا أبداً طلباً له للحضور وقدّموا أرواحهم في سبيل تنفيذ غايته.. أتباعه في الأودية البعيدة كنهر دجلة لربما تأوهوا لطلباته الدائمة، ولكنهم قدموا خدماتهم بإخلاص تحت رايته.. أخيراً في موقعة أرسوف الأخيرة أظهرت فرقة الموصل شجاعة فائقة وعظيمة.
خلال جميع هذه الحملات المتعبة كان صلاح الدين دائماً يعتمد على الفرق الوافدة من مصر ووادي الرافدين، كما اعتمد على فرق من شمالي وأواسط سوريا، من الأكراد والتركمان والعرب والمصريين، كلهم مسلمون وهم خدمه عندما يدعوهم.. بالرغم من الفروق في أعراقهم وغيرتهم الوطنية وفخارهم القبلي، فقد جمعهم كلهم كفريق واحد، ليس بصعوبة لكن لمرتين أو ثلاث بحساسية متشككة..
بالرغم من تملص بعضهم في يافا فإنهم ظلوا جيشاً متحداً تحت إمرته في خريف عام ۱۱۹۲م كما كانوا في أول مرة قادهم “على طريق الله” عام ۱۱۸۷م. لم تسقط أية مقاطعة ولم يتخل رئيس ولا تابع عن الطاعة، بالرغم من متطلبات إخلاصهم وتحملهم كانت كافية لتجرب أقسى الإيمان وترهق قوة العمالقة. الفرار القصير والسماح السريع لأحد الأمراء الصغار من أقاربه في وادي النهرين، تؤكد بانفصاليتها تأثير صلاح الدين الكبير في رعاياه.
عندما انتهت تجربة ومعاناة حرب السنوات الخمس، كان مازال يحكم بدون منازع من جبال كردستان إلى الصحراء الليبية، وأبعد من هذه الحدود فإن ملك جورجيا (في الاتحاد السوفياتي سابقاً) وكاثوليك أرمينيا وسلطان قونيا وإمبراطور القسطنطينية كانوا متشوقين أن يسموه صديقهم وحليفهم.
لم يكن مديناً لمثل هؤلاء الحلفاء بشيء، لم يحضروا ليساعدوا بل ليهنئوا. (الصراع كان محتدماً من قبل صلاح الدين فقط، إلا عندما حضر أخوه أخيراً وظهر بوضوح في الأمام). لا أحد يستطيع أن يشير إلى قائد أو مستشار يمكن أن يقال عنه إنه قاد أو حتى حاول السيطرة على السلطان. بدون أدنى شك مجلس الحرب أثر في قراراته العسكرية، وفي بعض الأحيان سيطر على رأيه الأفضل، كما حصل أمام صور وعكا. لكن في ذلك المجلس كان من المستحيل أن يشار إلى صوت واحد كان له وزن أكثر من غيره في التأثير بفكر صلاح الدين. الأخ، الابن، أبناء الإخوان، الأصدقاء القدماء، التابعون الجدد القضاة الدهاة، أمناء السر الحذرون، المبشرون المتطرفون، كلهم كان لهم حصتهم في اتخاذ القرار العام، جميعهم عاضدوا سيدهم بولاء حسب مقدرتهم، لكن لم ينس رجل منهم أبداً من هو السيد.. في كل ذلك الوقت العصيب والمتعب والحساس، كان الفكر واحداً وإرادة واحدة، كانت إرادة صلاح الدين هي العليا.
عند انتهاء الصراع أخيراً دحر الإفرنج إلى الساحل، الأماكن المقدسة صارت للمسلمين كما هي للمسيحيين، وعادت مرة أخرى تحت حماية صلاح الدين، لربما حلم صلاح الدين بإمبراطورية أوسع ومشاريع أكبر.. ذكرى انتصار العرب في المد العظيم الأول، حتى المثل الأخير لانتصار السلاجقة، هذا لربما ينعش أفكار صلاح الدين لوجود عوالم أخرى لاحتلالها. ولكن هذه التخيلات لم تكن ناضجة للاحتفاظ بالموجود حديثاً. كان هم صلاح الدين الأول هو إراحة قواته التعِبة.. فوراً بعد توقيع الاتفاقية أرسلهم إلى ديارهم، وفي العاشر والحادي عشر من أيلول المسيرة الطويلة لرجال وادي الرافدين بدأت سيرها بالمرح نحو قراهم على الأنهر العظيمة وفي مرتفعات الأراضي العليا.
اهتمامه الآخر كان متجهاً نحو قوافل الحجاج المسيحيين الذين جاؤوا ليريحوا أرواحهم المشتاقة لرؤية المكان الذي مات فيه السيد، كان هنالك جنود عرب خشنون في القدس متشوقون للانتقام من ذابحي أقاربهم في سهل عكا؛ لكن مرافقي صلاح الدين في الطرق، وحكم جورديك الصادق الإنساني في المدينة، حمى الحجيج من كل الأخطار…
مرة أخرى كان صلاح الدين في بيته وبين أولاده، تراه جالساً في البيت الصيفي في حرم القلعة وأولاده الصغار حوله، أعلن عن قدوم مبعوثين من الإفرنج، لكن لما حضروا بين يديه حليقي الذقون وشعورهم مجزوزة بملابسهم الغريبة، أخافت الصغير أبا بكر الذي أخذ يبكي.. فكر الأب فقط بالابن، فأذن للسفراء بالمغادرة بعذر ما، قبل أن يسلّموا رسالتهم. أولاده الكبار كانوا هناك، رجال حاربوا معه في معاركه، ومع هؤلاء وأخيه العادل كان يذهب يوماً بعد يوم لصيد الغزلان في السهل الواسع حول دمشق. كان يفكر بالحج إلى مكة، الواجب الأعلى للمسلم الورع؛ تمنى أن يزور مرة أخرى مصر التي كانت العتبة الأولى التي صعدها نحو السلطة.
في يوم الجمعة العشرون من شباط ۱۱۹۳م.. ركب ومعه بهاء الدين لاستقبال قافلة الحجاج، لم يكن بصحة جيدة مؤخراً، وكان الفصل رطباً وتحولت الطرق إلى جداول من المطر الغزير، ولعدم تحفظه نسي أن يرتدي معطفه من الجلد المبطن، في تلك الليلة داهمته الحمى، ولم يستطع مشاركة أصدقائه العشاء في اليوم التالي. وعند رؤية الابن يجلس في كرسي الأب انهمرت الدموع من عيون كثيرة.. تشاءموا ورأوا أنه فأل سيء.
في كل يوم كانت تسوء حالة السلطان، كان رأسه مرهقاً من الوجع وعانى داخلياً.. قصده الأطباء في اليوم الرابع، ومنذ ذلك الوقت ساءت حالته، الحمى لفحت جلده وأصبح أضعف فأضعف. في اليوم التاسع فكره تشتت وغط في سبات فلم يستطع تناول جرعة الدواء.. في كل مساء كان بهاء الدين والمستشار الفاضل يذهبان لرؤيته أو على الأقل لسماع تقرير الأطباء، وفي بعض الأحيان كانا يخرجان ودموعهما منهمرة، وكانا يجاهدان لمنع تلك الدموع لئلا تراهما الجماهير خارج البوابات التي كانت تنتظر رؤية وجهيهما لتعلم عن حالة سيدهم.
نهار الأحد، اليوم العاشر للمرض، أعطى العلاج بعض الراحة وتناول الرجل المريض جرعة جيدة من ماء الشعير وعرق عرقاً مستفيضاً.. “نشكر الله… وخرجا فرحين”. كانت هذه آخر محاولة.. ليلة الثلاثاء دُعي أمين السر المخلص والمستشار إلى القلعة، ولكنهم لم يشاهدوا السلطان الذي كان يتداعى بسرعة، كان معه رجل دين، يكرر اعتراف الإيمان ويقرأ من القرآن الكريم. وعندما قال: “صدق الله العظيم” تمتم السلطان: “صدق”. ابتسم الرجل المريض وأضاء وجهه، ثم سلم روحه لربه.
تُوفي صلاح الدين يوم الأربعاء، الرابع من آذار ۱۱۹۳م وعمره خمسة وخمسون عاماً..
كتب الطبيب الحكيم عبد اللطيف ببعض الارتياب أنه حسب علمه كانت هذه المرة الوحيدة التي حزن فيها الشعب حقاً لموت ملك.. سر قوة صلاح الدين تكمن في حب أتباعه له.. ذلك الذي حاول الآخرون الحصول عليه بالخوف، بالقسوة، بالملكية، حققه باللطف.
كان كرم الأخلاق النغمة المسيطرة على سلوكه.. بحثنا دون جدوى في الأوصاف المعاصرة للصفات المميزة للملوك..
الجلالة؟ غير مذكورة لأن الاحترام الذي أوجده نبع من الحب الذي طرد الرعب.
الدولة؟ بعيداً عن تبني مظهر متكلف ومفرط في مراعاة دقائق الأمور على أشكالها.. لم يوجد ملك أكثر طيبة نفس وسهل الاتصال به، كان يحب أن يحيطه متحدثون أذكياء، كان نفسه “محبباً للتكلم معه”. لقد علم عادات العرب، وأيام أبطالهم القدامى، وسلالات خيولهم الشهيرة. عطفه واهتمامه الحقيقي جعل الجميع مرتاحين وبدلاً من أن يضغط على حرية المناقشات، جعل الحديث يجري حتى يكاد المتكلم لا يسمع صوته، المراسلون القدماء كانوا يأسفون للتشدد في استقبال نور الدين، حيث يجلس كل رجل صامتاً “وكأن الطير حط على رؤوسهم”، حتى يسمح له بالحديث. في بلاط صلاح الدين الجميع كانوا في محادثات مشوقة – طنين غير ملوكي.
مع كل هذا كانت هنالك حدود لا يجسر أحد على أن يتخطاها في حضرة السلطان.. لم يكن ليتحمل كلاماً بلا معنى، ولم يكن يسمح بالكلام المبتذل أو البعد عن المهابة والاحترام لأي شخص.. لم يكن يستعمل أو يسمح باستعمال لغة خشنة.. كان يحفظ لسانه حتى في أكثر الحالات إثارة وإغاظة تحت سيطرة قاسية، ولم يكن قلمه بأقل تنظيماً.. لم يُعرف عنه أنه كتب كلمة واحدة مرة لأي مسلم.
ترك الطبيب البغدادي سجلاً مختصراً جداً عن أول انطباعاته عن صلاح الدين، حيث نرى السلطان من ناحيته الاجتماعية. قال عبد اللطيف: “لقد وجدته أميراً عظيماً يوحي منظره للحال بالاحترام والحب، كان قريباً، مثقفاً بعمق، متنعماً ونبيلاً في أفكاره. كل من اقترب منه اتخذه مثالاً… في أول ليلة كنت معه وجدته محاطاً بحشد كبير من العلماء الذين كانوا يبحثون مختلف العلوم، استمع بسرور وشارك في أحاديثهم. تكلم عن التحصينات ومر على بعض أسئلة القانون، وكان حديثه خصباً بأفكار بديعة. كان حينئذ (2-1191م) مشغولاً بشغف في تحصينات دفاعات القدس وراقب العمل بنفسه، حتى أنه كان يحمل الحجارة على كتفيه. والجميع أغنياء وفقراء اقتدوا به، حتى عماد الدين الكاتب والقاضي الفاضل.. كان على صهوة حصانه من قبل الفجر يراقب العمل حتى الظهر.. ومرة أخرى من بعد صلاة العصر وحتى يعود على ضوء المشعل. ثم يقضي معظم ليله بالإعداد لأعمال الغد”.
كانت حياته جميعها بسيطة، فاعلة، زاهدة عندما كان يرى صيواناً بُني له في دمشق، نادراً ما كان ينظر إليه.. ويقول: “لن نسكن هنا للأبد، هذا البيت ليس لرجل يتطلع إلى الموت، نحن هنا لخدمة الله”. كان يكره الفخفخة وإشباع الرغبات، وعندما وجد أن أحد أبنائه كان يهمل واجباته بإشغال عواطفه ببنت مملوكة (أَمَة) أنّب ابنه الشهواني بعنف وأبعد الصبية.
يقول بهاء الدين: “كان سلطاننا نبيل القلب، واللطافة تلمع في وجهه، كان متواضعاً كثير الترحيب جداً”.. التواريخ ملأى بحسناته، لم يكن يتحمل أن يضرب خدمه مع أن الضرب في تلك الأوقات كان شيئاً عادياً. إذا سرق عماله فإنه يطردهم، لكنه كان يكره استعمال الكرباج. انهماكه وجدّه لم يعرفا حدوداً، ولم يمتلك مخزناً حفظاً لكرامته”.. يسرد بهاء الدين بخوف كيف وهما راكبان معاً نحو القدس في يوم ماطر، بطّخت بغلته السلطان بالوحل؛ لكن صلاح الدين ضحك فقط، ولم يسمح لأمين السر المرتبك السير خلفه.
مرة أخرى رمى أحد الخدم بفردة حذاء كادت أن تصيب السلطان، لكنه التفت مبتسماً إلى الجانب الآخر، وكأنه لم يلحظها..
مملوك قديم ألح في طلب له عندما كان السلطان متعباً من الإجهاد، لكنه أحضر قرن الحبر بنفسه وأمر بلا أي علامة للمضايقة.
عندما كان يجلس للاستماع للمظالم كان أصحاب الطلبات يتجمهرون حوله بكثرة حتى أنهم يدوسون على ديوانه بأرجلهم، ولكنه كان دائماً يأخذ طلباتهم بيديه ويهتم بمشكلاتهم، ولم يذهب أحد فارغ اليدين.. في كل يوم كان يتلقى هذه الوثائق المزعجة، ويخصص بعض الوقت ليمر على أوراقها مع أمين سره ويوافق على أجوبتها المناسبة.
في أيام الاثنين والخميس كان يجلس على كرسي القضاء، مع القضاة والفقهاء في محكمة القانون، ويحكم بالعدل الجميع الحاضرين. لم يدع أو يسمح بأية امتيازات أمام المحكمة، وإذا كان لرجل دعوى ضد أحد الأمراء أو حتى السلطان نفسه، كان يجب عليهم المثول أمام القاضي كأي مدعى عليهم آخرين ويخضعون للقانون. ولكن إذا حكم لصلاح الدين بالقضية فكان يلبس المدعي لباس الشرف، يدفع رسوم الدعوى، ويرسله مسروراً دهشاً. من مثل هذا القاضي لم يخف الناس صلابته؟ ولكن في الحرب للإيمان يمكن أن يكون عنيفاً.. حتى غير متسامح… ولكن الأمر لم يكن كذلك دائماً، يحكى كيف أن أحد أسرى الإفرنج أُحضر مرتجفاً أمام صلاح الدين، ثم صاح قائلاً: “كنت خائفاً جداً قبل رؤية وجهه، ولكن بعد أن رأيته الآن فإنني أعرف أنه لن يضرني”. فذهب رجلاً حراً.
هذه الصفحات سجلت حوادث سماحته ولين قلبه، ولكن يمكن زيادة الكثير.. هنالك القصة المؤثرة لامرأة حضرت من معسكر الصليبيين في عكا تبحث عن طفلتها، التي خطفها الجنود العرب.. سمحت لها حامية المراقبة بالمرور وقادوها إلى السلطان حيث توسلت لأنه “كثير الرحمة”، هكذا قالوا، انفعل صلاح الدين لمصيبتها، وتجمدت الدموع في عينيه، وأمر بتفتيش معسكره حتى وجدت البنت الصغيرة وأعيدت إلى أمها سالمة وأوصلتها إلى خطوط العدو.
فحبه للأطفال كان جزءاً جميلاً من أخلاقه.. كان يشعر بأن كل طفل يتيم هو من مسؤوليته، كان متعلقاً بشدة بأطفاله هو نفسه. وعن زوجاته لم نقرأ شيئاً، الرجال الفضلاء في الشرق لا يتكلمون عن زوجاتهم، ولكن هنالك إشارات كثيرة لسروره بأولاده.. لم يكن يسمح لهم برؤية مناظر الدم.. حذر طبيعي كفاية في نظرنا ولكنه كان نادراً في أيامه. قال صلاح الدين: “لا أريدهم أن يعتادوا سفك الدماء في حقدهم أو يسروا بالقتل، في حين أنهم لا يعرفون الفرق بعد بين المسلم والمسيحي”. كان يعلمهم بنفسه ولربما يسر أكثر منهم في ملء عقولهم اليافعة بشيء من خلاصة الفقه، الذي يجب عليهم حفظه عن غيب.
فوق كل شيء كان صلاح الدين مسلماً مخلصاً، وكان دينه كل شيء له في العالم، في هذا فقط كان متطرفاً، والعمل الوحيد من القسوة إبان السلم الذي يمكن أن يسجل ضده هو إعدام الفيلسوف الصوفي السهروردي على أساس السماع فقط.. كان صلاح الدين يكره الفلاسفة الذين يدعون بأن الإنسان مخير والماديين وأحرار التفكير بغضب مقدس.. كان إيمانه مستقيماً متشدداً كما كان بسيطاً، قوياً ومخلصاً.. الإسلام في جوهره وكما يعترف به فهو دين نبيل في بساطته وشدة تضحية النفس، والقول بأنه كان اعتيادياً بمتابعة الشعائر فهو قليل، عدا أن تصميمه على تعويض شهرين من الصوم أجبر على إهمالها إبان حروبه، لربما أسرعت في نهايته. مرضه المتكرر وأعماله المرهقة معاً جعلا الصيام خطراً على صحته. كانت تحذيرات أطبائه تذهب هباء، وتأكيده على تأدية هذا الواجب الديني لما كان هو في القدس في سنته الأخيرة أضعفت تكوينه وجعله أقل قدرة على مقاومة الحمى القاتلة.
لم يكن أحد أكثر منه مواظبة في أداء الصلوات الخمس اليومية وحضوره إلى الجامع في كل أسبوع، حتى عندما يكون شديد المرض، كان يدعو الإمام ويرغم نفسه على الوقوف وإعادة الخطوات المتبعة ليوم الجمعة.. كان يسر بسماع القرآن الكريم يتلى له، ولكن على قارئه أن يكون خبيراً ومتدرباً، ويستمع صلاح الدين حتى يذوب قلبه وتنهمر الدموع على خديه.
كان ضعيفاً تجاه المرأة، ولكن يعجب المرء بالعاطفة الحساسة في طبعه، “كان قلبه متواضعاً ومليئاً بالحنان، وكانت الدموع تذرف بسهولة من عينيه”. لقد كان محزناً له أنه لم يكن أبداً قادراً على تأدية فريضة الحج، ولكنه على الأقل كان من المحسنين للحجاج.. إحدى أوليات أحكامه عندما تولى السلطة كانت إلغاء الضريبة الباهظة التي أرهقت كاهل المؤمنين الذين يزورون مكة لقرون خلت، وكان آخر ظهور عام له هو للترحيب بالحجاج العائدين، عندما حيّاه الحجاج لوحظ كم كان محياه مبتهجاً. وكان قد بقي له أسبوع واحد من الحياة.
لم يظهر حماسته الدينية أكثر من تجنيده لواجب المسلمين الرئيسي، ألا وهو الجهاد أو الحرب المقدسة. بطبيعته لم يكن يحب سفك الدماء، وحتى ولم يحب الحرب، ولكنه يصبح رجلاً آخر عند محاربته للمسيحيين.. يقول بهاء الدين: “لم أكن أعرف عنه أنه اهتم يوماً لعدد أو قوة العدو.. كان يستمع لخطط من جميع الأصناف ويبحث نتائجها بدون أية حماسة أو فقدان هدوئه”.
كان يركب، كما رأينا، بين خطوط القتال يرافقه خادم له؛ وفي إحدى المرات امتطى حصانه محاطاً بضباط يستمع بهدوء لما كانت الآيات الكريمة تتلى له بصوت عال أمام الأعداء. إشعال حرب الله كان متأصلاً في عواطفه، كل قلبه كان مملوء بها، ومن أجلها خصص نفسه جسماً وروحاً، لم يستطع التحدث في السنوات الأخيرة أو التفكير في شيء سواها، وقد ضحى بكل انبساط أو راحة أو السعادة البيتية لخدمتها. حتى أنه حلم بحروب أوسع من أجل الإيمان.. عندما يطرد الإفرنج خارج فلسطين، قال لأمين سره إنه سيلاحقهم عبر البحار ويغلبهم حتى لا يبقى واحد غير مؤمن على وجه الأرض. سأل صديقه: “ما أعظم موت؟” كان جوابه: “الموت على طريق الله”. فقال صلاح الدين: “لذلك أمشي إلى الباب الذي يقودني للموت العظيم”.
عندما خارت قواه من المرض الموجع عند حصار عكا حيث لم يستطع الحضور إلى الطاولة، لكنه كان يمتطي حصانه طوال اليوم مواجهاً العدو، وعندما يعجب رجاله بإقدامه كان يقول: “الألم يزول عنّي وأنا على صهوة الحصان، ويعود الألم فقط عندما أترجل”. ما دام يعمل عمل الله، لا يشعر بألم؛ ولكن عدم القيام بأي عمل كان يعذبه.
في الحرب المقدسة أفنى كل شيء، قوته وصحته، حتى يستطاع القول: حياته نفسها. أفرغ ما لديه من مال في سبيلها.. كان من الطبيعي له أن يعطي، وقد أعطى بغير شح، بيديه المفتوحتين وبيديه الاثنتين بسخاء عندما كان فقيراً كما كان لما أضحى غنياً. المال عنده كان كالغبار وكان يكره أن يمنعه عمن يطلبه. كان دائماً يعطي أكثر من المتوقع، ولم يقل أبداً “إننا أعطيناه قبلاً”. كان يتكالب عليه الشحاذون الجشعون، وكان بهاء الدين يخجل من استغلالية الطلبات التي تمر بين يديه، ولو تركت الأمور له شخصياً لكانت حملاته قد فشلت لقلة الموارد، لأنه كانت قاعدته بأن إدارته العسكرية للأرزاق واللوازم يجب أن تدفع للأرزاق التي تؤخذ من الشعب. كان أمناء صندوقه يبقون دائماً جانباً رصيداً سرياً للطوارئ، وحتى عندما كان السلطان يبيع آخر مزرعة له أسرع من أن يرفض إعطاء رجل فقير.
وهكذا حدث عندما توفي لم يجدوا سوى دينار واحد ضرب في صور و٤٧ درهماً فضياً في الخزنة. لم يبق لا منزلاً أو بضاعة ولا حتى أفدنة أو قرى ولا حتى متاعاً شخصياً.. مات السلطان العظيم مفلساً تقريباً.
إنه من الصعب إيجاد شخصية أكثر سخاء من صلاح الدين، ومخلصة للمثل العليا، أو أكثر محبة للناس. كان مصنوعاً من مادة أصلب أو أمهر في الأمور الاقتصادية الحذرة ولما هو أبعد من أعمال السياسة الأنانية، ولربما أسس إمبراطورية دائمة ومتحدة، ولكنه لم يكن من الممكن أن يكون غير صلاح الدين على نمط الفروسية الكريمة.
وعندما أنهى أمين السر المخلص سيرة حياة سيده كتب: “لقد أنهيت سجلي يوم موته، رحمة الله عليه. كان هدفي أن أكسب عطف الإله الأعلى، وأن أحرك الرجال ليصلّوا لصلاح الدين ويتذكروا حسناته”.





