
شهيدان بقصف الاحتلال وانتهاك متواصل للهدنة
يوليو 14, 2026
موقعة العقاب
يوليو 15, 2026
بقلم أمين الحسيني .. المفتي العام للقدس ورئيس الهيئة العربية العليا*
كان سقوط مدينة يافا في أيدي اليهود كارثة من أشد كوارث الحرب الفلسطينية إيلاماً للنفوس، ويافا هي المدينة الباسلة التي طالما أقضت مضاجع الصهيونيين، وردّت قواتهم وعصاباتهم المسلحة على أعقابهم خاسرين، بل طالما توغل مجاهدوها في أحياء تل أبيب والمستعمرات اليهودية المجاورة، موقعين الرعب في قلوب الأعداء، ومبرهنين على أن في سويداء فلسطين رجالاً، وفي ربوعها أبطالاً.
وقد استمرت يافا بعد صدور قرار تقسيم فلسطين في 29-11-1947 أكثر من أربعة أشهر وهي تقارع القوات اليهودية المسلحة، فتكبدها الخسائر العظيمة، إلى ما قبل دخول الجماعات المتطوعة لجيش الإنقاذ.. ومن هنا بدأت عوامل الانهيار في البلد المجاهد.
وفيما يلي بعض الإيضاحات التي ينبغي إيرادها بإيجاز:
كانت اللجنة العسكرية بدمشق -التي ألفتها جامعة الدول العربية وناطت بها أمر تنظيم الدفاع عن المدن الفلسطينية، وصدّ الخطر اليهودي عنها، ريثما ينتهي الانتداب البريطاني على فلسطين- قد عهدت أمر الدفاع عن فلسطين إلى جماعات متطوعة من بعض الأقطار العربية، تألّف منهم (جيش الإنقاذ) بألويته المتعددة، وبقيادة عدد من الضباط الذين سبقت لهم بعض الممارسات العسكرية، وكان المفروض في هؤلاء المتطوعين وضباطهم أن يتعاونوا تعاوناً وثيقاً مع إخوانهم المجاهدين الفلسطينيين. وكانت اللجنة العسكرية المذكورة قد اختارت الضابط العراقي الرئيس عبد الوهاب الشيخ علي، من أفاضل العراقيين المعروفين بالإخلاص والمشهود لهم بالكفاءة، ليكون آمراً عسكرياً على حامية يافا، من المتطوعين القادمين من الخارج ومن المناضلين من أهل يافا وما جاورها، لتتكون منهم حامية المدينة، وزودته ببعض الأسلحة الخفيفة، من بنادق ومسدسات وقليل من الذخيرة، لم تكن تغني في حماية المدينة من هجمات اليهود المتوالية بأسلحتهم المتفوقة وذخائرها المتوفرة.
فلما وصل الرئيس عبد الوهاب ودرس وضع مدينة يافا العسكري وما يفتقر إليه الدفاع عنها من سلاح وعتاد، وأحس بثقل المسؤولية التي ألقتها اللجنة العسكرية على عاتقه وبضآلة السلاح الذي زودته به، مما ينذر بسوء العاقبة وعِظم الخطر الذي تواجهه مدينة يافا ومنطقتها، لم يلبث أن عاد أدراجه إلى دمشق، لمصارحة اللجنة العسكرية بخطورة الوضع، وضرورة تأمين السلاح ووسائل الدفاع الكافية، وكتب بذلك تقريراً ضافياً إلى الفريق طه الهاشمي، المشرف على جميع الشؤون العسكرية، لكن الهاشمي لم يستجِب لمطالبه، وأصرّ عليه بالعودة إلى يافا ثانية، دون أن يزوده بشيء جديد، فاضطر الرئيس عبد الوهاب لتقديم استقالته والعودة إلى بغداد، والأسى يملأ قلبه لما سيؤدي إليه تهاون اللجنة العسكرية في الدفاع عن يافا من سوء العاقبة.
وكان أن عمدت اللجنة العسكرية بعد استقالة عبد الوهاب، إلى اختيار المقدم العراقي عادل نجم الدين آمراً لحامية يافا، فلم يلبث أن جاءها على رأس قوة من المتطوعين، لكن هؤلاء لم يكونوا على شيء مما ينبغي أن يتحلى به الجندي من الطاعة والانضباط والخُلق القويم، بل كانوا خلال الأيام القليلة التي قضوها في يافا مثالاً سيئاً للجندي الشريف، ولم يكن الانهيار الذي أصاب يافا وأدى إلى سقوطها في أيدي العصابات اليهودية انهياراً مفاجئاً، بل كانت له أسباب سأوردها موجزة من تقرير مفصل بعث به إليّ الضابط المجاهد الباسل صلاح الناظر، آمر قوة “الجهاد المقدس” وكان يساعده المجاهدان حسن حسونة وعبد الله الناقة وغيرهما.
جاء في التقرير أن بعض أولئك المتطوعة تطلعوا منذ دخولهم يافا إلى سلب أسلحة الأهليين ومصادرتها وبيعها للانتفاع بأثمانها، فحمل هذا العمل الأهليين على إخفاء أسلحتهم، ونتج عن ذلك تقاعس عن نجدة الجبهات عند اشتداد المعارك، خوفاً على الأسلحة من المصادرة.
وحاول المتطوعة السيطرة على المجاهدين في يافا، وإخضاعهم لترتيبات لم تكن في صالح الدفاع عن البلد، متجاهلين أعمال الجهاد والفداء التي حمل أعباءها أولئك المجاهدون طيلة الشهور الأربعة التي سبقت مجيء المتطوعة، حتى أنهم حاولوا تنحية عدد منهم بينما كانت الحاجة تدعو إلى زيادة عدد المسلحين للدفاع عن المدينة، فحمل ذلك التصرف السيء بعض أولئك المجاهدين على مغادرتها. ولم يهتم أولئك المتطوعة الاهتمام الواجب للدفاع عن المدينة، وعندما كانت رحى المعارك دائرة، كان ضباطهم يقضون وقتاً طويلاً في ارتياد أماكن اللهو بدلاً من أن يكونوا في مراكز القيادة أو جبهات القتال.
ولم يكن قائد الحامية عادل نجم الدين وضباطه يستطيعون السيطرة على جنودهم، حتى أن هؤلاء هاجموا مقر القيادة، وأطلقوا النار عليها، ولم يستطع قائد الحامية معاقبة أحد منهم بالسجن أو بالنقل إلى مناطق أخرى، وأصر الجنود على الانفراد بالعمل، ومنعوا المجاهدين من أهل المدينة من الاشتراك معهم، لينفردوا وحدهم بالمكاسب والأسلاب! ولم يتمكن الضباط العراقيون وقائد الحامية من إجبار جنودهم على المرابطة في الاستحكامات والخنادق، والوقوف على حدود المدينة لمجابهة اليهود، وكان عملهم الأساسي التجول في الطرقات والمحلات العامة.
ورفض الجنود العمل بأوامر قوادهم بتقسيمهم على جبهات القتال، وكذلك رفضت قوة من متطوعي مدينة حماه مؤلفة من ٢٧ شخصاً أوامر قيادتها بأن تعمل في المدينة إلا في جبهة واحدة، بينما كانت الحاجة تقضي بتقسيمها على عدة جبهات، وبعدما عملت مدة يومين وزودتها اللجنة القومية بالملابس وبرشاشات وذخيرة وسيارات وأطعمة، خرجت من المدينة حاملةً معها كل ما تزودت به رافضة إطاعة آمر الحامية!
(ذكر العميد محمد فائز القصري1، الذي كان من ضباط جيش الإنقاذ، في الجزء الثاني من كتابه (حرب فلسطين) في الصفحة ١١٦، أن الملازم الأول عبد الجبار القيسي، حرّض جنود الملازم حمود الخطيب في يافا على قائدهم، ودعاهم إلى العصيان ومغادرة مواقعهم).
والخلاصة أن القوة التي دخلت يافا للدفاع عنها لم يكن لها أي أثر في الهدف الذي جاءت من أجله، بل كانت أداة هدم لجهاز الدفاع السابق، وسبباً لحمل كثير من الناس على الخروج من المدينة، لعدم وثوقهم بقدرتها على الدفاع عن يافا، وحفظها من السقوط في أيدي الأعداء.
وفي ٨ نيسان (أبريل) ١٩٤٨ أرسلت اللجنة القومية بيافا رسالة إلى قيادة جيش الإنقاذ، طالبةً أن تولي القيادة مدينة يافا ما تستحقه من الأهمية، وقد استهلت اللجنة كتابها بالإشارة إلى أهمية موقع مدينة يافا، لأنها مجاورة لمدينة تل أبيب التي هي العاصمة الصناعية والفكرية للصهيونية، ولِما يحيط بها من المستعمرات الصهيونية من الشمال والشرق والجنوب، ولأن عدد سكان تل أبيب والمستعمرات المجاورة لها يزيد على نصف مجموع اليهود في فلسطين، وهذا النصف يقرب من أربعمائة ألف نسمة، يسكنون أماكن سهلية ومتصلة ببعضها بشبكة من المواصلات.
وأشارت اللجنة إلى أن اليهود أعدوا في تل أبيب والمستعمرات المجاورة قوة عسكرية هجومية ودفاعية لا تقل عن عشرة آلاف مقاتل، وهي مزودة بسيارات مصفحة وأسلحة حديثة، عدا الزوارق المصفحة لحماية ميناء تل أبيب ومهاجمة يافا من البحر، وأن اليهود الذين اشترك قسم منهم في الحرب العالمية الثانية قد اكتسبوا خبرة واسعة في الصناعات الحربية، وبذلك حولوا كثير من مصانعهم العادية إلى مصانع حربية، أفاد منها الجيش البريطاني نفسه، وتمرس فيها كثير من الشبان الصهيونيين، وأنهم استخدموا في معركتهم هذه أسلحة حديثة مصنوعة محلياً.
(تأكيداً لذلك أشير هنا إلى ما سبق لي أن أوردته في هذه المذكرات، وهو أن اليهود انتهزوا فرصة نشوب الحرب العالمية الثانية لتقوية أنفسهم، وتعزيز أسلحتهم، ومضاعفة قواتهم العسكرية، وأن السلطات العسكرية البريطانية جنّدت خلال الحرب ألوفاً من شبانهم في الجيش البريطاني، فدربتهم وسلحتهم وأشركتهم في بعض العمليات الحربية، واستخدمت عدداً كبيراً منهم في مصانع الجيش البريطاني وثكناته ومستودعاته، وفي الوظائف الفنية والرئيسية، وأنها اعتمدت بعض المصانع اليهودية لإنتاج الذخائر والمتفجرات وغيرها من اللوازم العسكرية، وأن عدد الذين درّبهم الإنكليز وجنّدوهم في الجيش البريطاني ثلاثة وثلاثون ألفاً، وأن هذا الرقم لا يشمل عدد المجندين منهم في قوات الشرطة والدفاع السلبي ولا قوة الهاغانا، وأن اليهود نَقلوا بمساعدة الإنكليز كميات عظيمة من مختلف الأسلحة إلى فلسطين، ووزعوها على مدنهم ومستعمراتهم ومنظماتهم العسكرية والإرهابية).
وأشارت اللجنة في كتابها إلى أن مدينة يافا، تجاه استعداد العدو الضخم، وقفت صامدة مدة طويلة تدرأ عنها عدوان الصهيونيين وهجومهم، وقد جندت ٥٠٠ رجل من أهل المدينة، ثم أمدتها قيادة جيش الإنقاذ بثلاثمائة رجل كانت البنادق أغلب سلاحهم، وأكدت اللجنة أن الدفاع الحالي لا يستطيع أن يصد هجوماً يهودياً كبيراً معززاً بالأسلحة التي أشارت إليها، وقالت: إن السلطة البريطانية ستنسحب من يافا يوم 7-5-1984، وأن اليهود سينتهزون الفرصة لاحتلال دوائر الحكومة ومكاتبها المشرفة على المدينة، ويُخشى أن تقع في أيديهم وتُصاب يافا من جرّاء ذلك بضربة شديدة. وقالت: إن سكان يافا الثمانين ألفاً يعيشون آملين أن تعمل الجامعة العربية على القضاء على المطامع الصهيونية، ومعتمدين على أكبر هيئة عسكرية عربية لإنقاذ يافا من الدمار والفناء.
كان اليهود يملكون أعداداً كبيرة من مدافع الهاون والمورتر، ويقذفون يافا بالألغام الطائرة، التي يزيد طول الواحد منها على المتر، فهدموا بذلك معظم استحكامات محلات أبي كبير، والمنشية، والجبالية، وتل الريش، والبصة وكثيراً من المباني فيها، وقد ذهب آمر حامية الجهاد المقدس صلاح الناظر ومحمد سليم أبو لبن وعبد الله الناقة من أعضاء جبهة الدفاع عن المدينة إلى دمشق، حاملين معهم أحد هذه الألغام، وعرضوها على الفريق طه الهاشمي المشرف على اللجنة العسكرية، فكان عمله قاصراً على تسليم اللغم إلى مخزن الجيش السوري، دون تزويد جبهة الدفاع عن يافا بمدفع واحد للرد على هذه الألغام الطائرة، وكانت حجته في ذلك أن: لا مدافع لديه.
وكان المقاتلون الفلسطينيون في يافا يقومون بمواجهة الأعداء في جميع الجبهات، دون أن يكون لديهم قوة احتياطية لتعزيز الجبهة أو استبدال الجنود أو شنّ هجوم تدعو إليه الضرورة، كما حدث عندما هاجمت قوة العدو محلتي تل الريش والمنشية، فأخذ عدد المقاتلين ينقص، إذ كانوا يقضون ليلة كاملة أو ما يزيد في قتال ضارٍ، وذلك ما يسّر للعدو احتلال المواقع المهمة في تل الريش والتوغل في المنشية. لكن نجدة بقيادة الرائد ميشال العيسى مكنت المقاتلين من إنجاد تل الريش والمنشية، وإخراج العدو من الأولى وصد زحفه على الثانية.
وعلى إثر ذلك تعددت الوفود من مدينة يافا، ممثلة المجلس البلدي، واللجنة القومية، ووجوه البلد، والمسؤولين عن شؤون الدفاع، إلى اللجنة العسكرية بدمشق، مظهرة لرئيسها وأعضائها خطورة وضع مدينة يافا، وعدم التكافؤ بين قوى الدفاع عنها وقوى العدو المهاجم، والمصير السيء الذي ستؤول إليه المدينة إن لم يتم تزويدها بالأسلحة الخفيفة والثقيلة. فكانت الوفود تعود فاشلة، إذ لم توافق اللجنة العسكرية على إرسال مدافع إلى يافا، ووصلت برقية من طه باشا إلى آمر الحامية قال فيها: “إن فوجاً كاملاً مع مدفعيته ومصفحاته قد غادر دمشق للانضمام إلى حاميتكم”.
لكن ما وصل مما تحدثت عنه البرقية لم يكن إلا ثلث فوج. أما المدفعية فتوقفت في الطريق، ولم تدخل يافا رغم إلحاح رجال الحامية على دخولها، وعادت إلى مدينة رام الله بدعوى أن واجبها ليس إلا تأمين دخول المشاة بقيادة الرائد ميشيل العيسى إلى يافا، ولو دخلت هذه المدفعية -التي كانت بقيادة المقدم مهدي- إلى يافا لتغير الموقف تغيراً تاماً لصالح حامية يافا، ولم يسمع رجال الحامية عن مدفعية القائد فوزي القاوقجي، التي أمرتها اللجنة العسكرية بتعزيز حامية يافا، إلا إذاعات من محطة جيش الإنقاذ بأنها دكت حصون (نيتر) اليهودية وجعلتها أطلالاً، وأشعلت الحرائق في تل أبيب، دون أن يكون لذلك أي أثر من الواقع؛ مما اضطر عادل نجم الدين آمر حامية يافا أن يبرق إلى اللجنة العسكرية بدمشق مكذباً هذه الأخبار والإذاعات.
وعندما شعر اليهود بأن الدول العربية جادة في إدخال جيوشها إلى فلسطين، قرروا احتلال يافا قبل أن يحل موعد الجلاء البريطاني، فركزوا قواتهم وشددوا إطلاق مدافعهم وهجومهم على يافا تشديداً حمل البقية الباقية من سكانها على الجلاء عنها، واستمر قصف المدافع اليهودية ليافا ثلاثة أيام متوالية.
وكانت الكارثة التي حلت بيافا أخيراً، نتيجة أمر لاسلكي أصدره القاوقجي لآمر الحامية عادل نجم الدين بالانسحاب من المدينة، وتسليم الحامية للرائد ميشيل العيسى، فأغضب ذلك عادل نجم الدين، فأراد أن يسيء إلى القاوقجي بمثل ما أساء هذا إليه، لكن الإساءة كانت على حساب مدينة يافا؛ إذ جمع عادل ضباط الحامية ودعاهم إلى الانسحاب مع جنودهم، فنزل الجنود من الجبهات إلى أسواق المدينة، ودهموا الحوانيت وحطموا أقفالها ونهبوها، وصادروا السيارات وملأوها بأسلحتهم، وبالأسلحة التي صادروها من الأهالي ومن المناضلين، وبالذخائر التي كانت في مستودعات القيادة، وانطلقوا خارج يافا. أما عادل نجم الدين فلم يتمكن من مغادرة يافا براً فغادرها بحراً، دون أن يلبي طلب أعضاء اللجنة القومية ورئيس البلدية وأعضائها بالبقاء في يافا، وقال على مسمع من الناس: “سأري فوزي القاوقجي نتيجة أمره، وليتقدم هو للدفاع عن المدينة”!
وقد عمت الفوضى المدينة إثر انسحاب نجم الدين وقوة الحامية، وحل الذعر في من بقي من الأهليين، فسارعوا بهجرها، حتى أصبحت أجرة سيارة النقل إلى خارج يافا مائتي جنيه.
أما قوة الرائد ميشيل العيسى فقد تضاءلت حتى الربع بعد أن أعمل هؤلاء أيضاً أيديهم بالنهب والسلب في المدينة، وهكذا بقيت يافا دون قوة دفاعية، وفي الفترة ما بين الخامس والخامس عشر من شهر أيار (مايو) عانت المدينة من اللصوص الذين أخذوا يسطون عليها من البر والبحر.
ووجد ميشيل العيسى نفسه مضطراً لمغادرة المدينة مع البقية الباقية من الجنود، بعد انسحاب نجم الدين ببضعة أيام، وبعدما أرسل عدة برقيات إلى اللجنة العسكرية باسطاً حالة المدينة وما يحدق بها من خطر، دون أن يتلقى أي جواب عليها.
وبعد انسحاب نجم الدين استدعى مستر فولر حاكم يافا الإنكليزي عدداً من وجوه يافا وهيئة البلدية واللجنة القومية وميشيل العيسى، وتحدث معهم في وضع يافا، وطلب منهم أن يسعوا جهدهم “لإنقاذ هذه المدينة التاريخية الجميلة والميناء العربي من الدمار إذا دخلها اليهود عنوة، واقترح عليهم لصيانة المدينة ولضعف وسائل الدفاع عنها أن يعلنوا يافا مدينة غير مدافع عنها (مفتوحة)”.
فخرج المدعوون من عنده، وتداولوا في الأمر، وقال ميشيل العيسى إنه بعد أن عجز عن تلقي أي رد على برقياته التي أرسلها إلى اللجنة العسكرية، يحمل على عاتقه مسؤولية إعلان يافا مدينة غير مدافع عنها، وعلى إثر ذلك نزح عن يافا رئيس البلدية وأعضاؤها وأعضاء اللجنة القومية ورئيس الحامية، وسادت الفوضى المدينة والبقية الباقية من سكانها، وقام بعض الفوضويين بمهاجمة مستودعات المؤونة على البحر ونهبوا قسماً منها، لكن الجيش الإنكليزي عاد فاستولى عليها، وكان ذلك يوم ٨ أيار (مايو)، وأخذ الجنود الإنكليز أنفسهم ينهبون ما فيها ويبيعونه للصوص والفوضويين بأثمان بخسة، وأخيراً جاء جواب اليهود طالبين المفاوضة مع لجنة من أهل يافا، لاعتبارها مدينة غير مدافع عنها.
وانتُخبت لجنة طوارئ من الحاج أحمد أبو لبن وصلاح الناظر وأمين أندراوس للتفاهم على ذلك، وتم الاتفاق على إبلاغ الأمر إلى هيئة الأمم والمندوب السامي البريطاني، وكان عبد الرحمن عزام باشا قد أعلن بالإذاعة الموافقة على اعتبار يافا مدينة غير مدافع عنها، وفي 13-5-1948 استدعى حاكم اللواء لجنة الطوارئ وبعض وجوه المدينة إلى مكتبه، وكذلك ممثلي اليهود، وقابل كل وفد على حدة، وكان وفد يافا مؤلفاً من السادة محمد عبد الرحيم، وأحمد أبو لبن وصلاح الناظر وأمين أندرواس وخليل أبو الهدى وغيرهم، وأبلغهم أن مجلس الأمن انتدب شخصاً سويدياً ليكون المراقب لشرط جعل يافا مدينة غير مدافع عنها، وأنه سيحضر قريباً.
وفي صباح اليوم التالي غادر يافا حاكم اللواء الإنكليزي مع قافلة الجيش، بعد أن سلّم مفاتيح الدوائر والبنايات الحكومية إلى السيد أحمد أبو لبن، وبعد ذلك بساعتين دخل اليهود مدينة يافا.
وتمكّن السيد صلاح الناظر من أن يحمل من يافا، قبل أن يدخلها اليهود، ما كان لديه من المتفجرات والذخائر والبنادق والرشاشات ومدافع المورتر وبعض مواد التموين، وأن يشحنها إلى مركز قيادة الشيخ حسن سلامة قائد المنطقة.
أذكر لهذه المناسبة الأليمة، وهي سقوط يافا في يد العدو، حديثاً دار بين الفريق طه الهاشمي وبيني، في اجتماع مع اللجنة العسكرية في دار وزارة الخارجية السورية بدمشق، وكان الفريق طه هو المشرف على هذه اللجنة؛ فقد كنت طلبت من اللجنة المذكورة إيضاح الأسباب التي تجعلها تهمل أمر الدفاع عن المدن الثلاثة الكبرى، وهي القدس ويافا وحيفا، وعدم إمدادها بما تقضي به الضرورة من الجنود والأسلحة. فأجابني الفريق طه بأن مشروع التقسيم الذي وضعه الإنكليز، يقضي بأن تكون يافا من حصة العرب، أما حيفا فستكون ميناء دولياً حراً، وأما القدس فليست موقعاً استراتيجياً، وإذا استولى عليها اليهود فإننا نستطيع أن نستردها منهم في أي وقت!
فدهشت مما قاله طه باشا، وقلت له إن مشروع التقسيم الذي تشير إليه كانت اللجنة الملكية البريطانية وضعته عام ١٩٣٧، وهو يقضي بأن تكون يافا (البلد والميناء فقط) داخلة في منطقة الانتداب البريطانية، لكن هذا التقسيم قد أُلغي، وسحبته الحكومة البريطانية منذ عشرة أعوام، وجاء بعده تقسيم ١٩٤٧ الذي أقرته الأمم المتحدة، وجعل مدينة يافا ومنطقتها من حصة اليهود، وهل لنا أن نطمئن إلى مشروع تقسيم يضعه الإنكليز المتواطئون مع اليهود على سياسة وعد بلفور وتحويل فلسطين إلى وطن يهودي؟
أما القدس فذات موقع استراتيجي عظيم الأهمية، لوقوعها في أعلى سلسلة الجبال التي تشرف على سهول فلسطين الساحلية حتى ساحل البحر المتوسط غرباً، وعلى منطقة الأغوار وجبال شرق الأردن شرقاً، ولكونها ملتقى الطرق التي تصل بين جميع أنحاء فلسطين، مما يجعل الذي يستولي عليها مسيطراً على الجزء الأكبر من فلسطين، وفيها مواقع عالية مشرفة على كل من البحر الأبيض المتوسط غرباً، والبحر الميت وسلسلة جبال جبال الأردن شرقاً، كجبل الطور وجبل النبي شمويل، وفي ساحة المسجد الأقصى المبارك مصطبة تُعرف بمصطبة الكرك، لأن الواقف عليها يستطيع أن يشاهد منها مدينة الكرك في شرق الأردن، الواقعة على بعد نحو مائة كيلومتر على خط مستقيم.
وبالإضافة إلى هذا فإن منزلة القدس الدينية في نفوس العرب، مسلمين ومسيحيين، ذات أثر معنوي كبير في الدفاع عنها، ومقاتلة كل مَن يعتدي عليها.
وفيما بعد برهنت الأحداث الأليمة على أن الفريق طه باشا كان بعيداً جداً عن واقع الأمر، وغير ملم بعِظم الخطر اليهودي والمطامع الصهيونية، وهو لم يزُر فلسطين ولا تعرّف على بلادها ومواقعها، وها هم اليهود الآن، وقد أصبحت القدس في أيديهم بعد كارثة ١٩٦٧، يستقتلون في سبيل بقائها في حوزتهم، وعاصمة لدولتهم، القائمة على الغصب والعدوان، وعلى دعم الدول الاستعمارية لهم، وفي طليعتها بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
وفيما عدا هذا فإن المرحوم الفريق طه الهاشمي كان رجلاً فاضلاً عفيف اليد واللسان، ومستقيماً في جميع المناصب التي تقلدها في العراق، في رئاسة أركان الجيش وفي وزارة الدفاع وفي رئاسة الوزارة، وقد كانت تربطني به صداقة شخصية.





