
الإيمان وإدارة الأزمات (2)
يونيو 16, 2026
د. حسين عبد العال – رئيس هيئة أمة واحدة
لم تكن الهجرة النبوية المباركة مجرد حدث عابر، ولا قصة مسلية، ولا هروب من بطش كما يروي البعض وفقط، ولكنها كانت بمثابة ثورة عارمة على دولة الظلم، وسعي حثيث لإقامة دولة العدل، فقد تمت الهجرة بتدبير من الحكيم الخبير، الذي أراد اللحظة التي لابد أن يشرق فيها نور الإسلام على البشرية، فتكون له دولة تقوم عليه وتدافع عنه، وتنشره في ربوع الأرض، وفي نفس الوقت تنتهي تلك الغطرسة التي مارستها دولة الظلم والقهر، فيرجع الذين عذبوا وهم يحملون سيوفهم للانتقام من جلاديهم، وأخذ ثأر إخوانهم، والعودة خلف قائدهم وسيدهم لفتح البلاد التي خرجوا مطاردين منها، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾ [القصص: 85].
الهجرة النبوية المباركة
جاءت هجرة النبي ﷺ في العام الثالث عشر من البعثة، والتي أصبحت فيما بعد العام الأول من تقويم المسلمين، والذي يجب العمل به وإحياؤه في نفوس المسلمين وفي تعاملاتهم الحياتية، فجاءت هذه الهجرة تتويجًا لهجرتين سابقتين لأصحاب النبي ﷺ كانتا في العام الخامس من البعثة، وكلتاهما كانت إلى الحبشة، بأمر من النبي ﷺ إنقاذًا للضعفاء من بطش قريش وظلمها وجبروتها، فلما بايع وفد الأنصار رسول الله ﷺ على أن يؤووه وينصروه وذلك في بيعة العقبة الثانية في شهر ذي الحجة من العام الثاني عشر من البعثة، بعدها وجه النبي ﷺ أصحابه للهجرة إلى يثرب والتي سُميت بالمدينة بعد هجرة النبي ﷺ إليها، ثم لحقهم ﷺ ومعه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وذلك في ربيع الأول من العام الثالث عشر من البعثة.
الهجرة ثورة على الظلم
لم تكن هجرة النبي ﷺ فرارًا من ظلم واضطهاد قريش بقدر ما كانت هجرته ثورة على ظلم وطغيان قريش، فليست الثورة فقط خروجاً على الطغاة ومواجهتهم، ولكن الهجرة التي تنتوي وتعمل على العودة والانتقام وأخذ واسترداد الحق السليب لهي ثورة على الظلم وليست هروبًا منه، ولو كانت الهجرة هروبًا من الظلم وفقط لما اعترضتها قريش، بل ولعملت على تشجيعها، لكن قريشًا كانت تفهم معنى ومغزى الهجرة جيداً، فهي التي عرفت بالبيعة وأن أهل يثرب بايعوا محمدًا ﷺ على النصرة، إذًا هناك حرب قادمة لا محالة مع هؤلاء المهاجرين، وهذا عين ما قاله لهم الشيطان (الشيخ النجدي) الذي حضر معهم الاجتماع في دار الندوة قبل هجرة النبي ﷺ.
قال الشيخ صفي الرحمن المباركفوري: وبعد أن تكامل الاجتماع بدأ عرض الاقتراحات والحلول، ودار النقاش طويلاً. قال أبو الأسود: “نخرجه من بين أظهرنا وننفيه من بلادنا، ولا نبالي أين ذهب، ولا حيث وقع، فقد أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت”. قال الشيخ النجدي: “لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حُسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب، ثم يسير بهم إليكم- بعد أن يتابعوه- حتى يطأكم بهم في بلادكم، ثم يفعل بكم ما أراد”.
ومن مثل هذا القول كانت تتخوف قريش، أي أنها كانت تخاف ثورة عارمة تأتيها من خارج بلادها فلا تدع فيها حجرًا على حجر.
بل إن قريشًا كانت تفطن لهذا منذ الهجرة الثانية إلى الحبشة لذلك سارعت بإرسال عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة يحملان الهدايا للنجاشي والبطارقة من أجل أن يردوا المهاجرين إلى مكة، وذلك خشية أن يدعوا هناك ويكونوا ركيزة للإسلام تعمل على تهديدهم في مكة.
وقد حدث بالفعل ما كانت تخشاه قريش، فقد قام المسلمون المهاجرون ومعهم الأنصار المبايعون على النصرة بقيادة النبي ﷺ، قاموا بثورة على قريش من أول يوم من استقرارهم في المدينة المنورة، حيث بدأ النبي ﷺ بعدما بنى المسجد وآخى بين المهاجرين والأنصار، بدأ في إعداد العدة لمهاجمة قوافل قريش والاستيلاء عليها، فسيّر العديد من السرايا، ثم كانت بدر وأحد والأحزاب، حتى حانت الساعة المرتقبة التي طوق فيها النبي ﷺ وصحابته من مهاجرين وأنصار، طوّقوا مكة وفتحوها بعد قرابة ثمان سنوات من الهجرة منها، مما يدل على أن الهجرة كانت بمثابة ثورة على الظلم لا هروبًا منه.
الهجرة أقامت دولة العدل
لقد كانت الهجرة نبيلة المقصد، ولقد رتبها الله تعالى لنبيه ﷺ من أجل أن يقيم بها دولة الإسلام المنتظرة، وبالفعل ما أن وطأت قدما النبي ﷺ أرض يثرب حتى حول اسمها إلى مدينة رسول الله ﷺ والتي صارت تعرف بعد باسم المدينة اختصارًا، فتمم بها المؤاخاة بين المسلمين جميعًا، ثم بنى المسجد لانطلاق كل تحركاته منه، وعقد المعاهدات مع قبائل اليهود بالمدينة، وبدأ يسيّر الجيوش لملاقاة المشركين سواء في اقتصادهم أو لشن حرب عسكرية عليهم، وهذه هي الدولة التي تأتمر بأمر قائدها وسيدها ﷺ.
والشاهد هنا أن هذه الدولة لم تكن قائمة على الظلم مثل الدول السابقة، فهي ليست كدولة الفرس أو الروم في ظلمهما، وليست قائمة على العصبية والقبلية كمثل دول العرب التي كانت آنذاك، لكنها كانت قائمة على العدل الإلهي ثم النبوي، فكان رأس الدولة ﷺ ينصف أضعف الناس من نفسه ﷺ، ويأخذ الحق من القوي مهما كان ليرده للضعيف، وكان يخبرهم أنه مأمور بالعدل بينهم، وهذا أمر لا يقوله ملك من ملوك الدنيا أبدًا، قال تعالى على لسان محمد ﷺ: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: 15]، بل وكان يعدل حتى مع خصومه، وقد خاطبه ربه بذلك قائلًا له: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8].
ومن هنا قامت دولة العدل بهجرة النبي ﷺ، حتى عادت لمكة لا للانتقام من أهلها، بل بالرحمة لهم والعدل فيهم، فوقف النبي ﷺ على رؤوسهم قائلًا لهم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”. “لا تثريب عليكم اليوم”. في مشهد تقف الدنيا كلها إجلالًا وإعظامًا له، ولم لا؟ وهو من محمد ﷺ رئيس الدولة المسلمة التي جاءت لرفع الظلم، ولنشر العدل بين الناس.
هكذا فلتكن جميع الثورات في الدنيا
الروح الثورية لا تغيب عن الناس، ففي كل زمان ومكان تجد هناك من الأحرار الذين تتوق نفوسهم إلى التحرر من العبودية لغير الله تعالى، فهي نفوس تأبى الظلم والقهر، فتراها دائمًا تثور على الظلم وعلى الطغيان، هي لا ترى في الأسر ولا في الهجرة إلا الثورة على الظلم، لا تحب رغد العيش طالما فيه ذل وعبودية، فتراها دائمًا ثائرة على جلاديها، لكن كثيرًا منهم في الأرض يثور على الظلم ليعود هو للظلم مجددًا، وكأنه لم يتعلم من ماضيه، والقليل من هؤلاء من يقوم لرفع الظلم من أجل إحلال العدل في الأرض بدلًا منه، فثورة محمد ﷺ على الظلم ثم إحلال العدل بدلاً منه، لا يسير عليها إلا أتباع محمد ﷺ الذين تربوا على سيرته وسنته وهديه، وأيّ ثورة تريد النجاح والفلاح عليها باقتفاء أثر محمد ﷺ في كيفية رفع الظلم وإقامة العدل، وأي هجرة في الأرض يجب عليها أن تنوي نية صادقة للعودة بالعدل كعودة النبي ﷺ لمكة حتى يكتب لها النجاح والفلاح.
مجلة الأنصار والثورة على الظلم
لقد أنشئت مجلة أنصار النبي ﷺ قبل أعوام أربعة وها هي تستهل عامها الخامس، أُنشئت منبثقة من هيئة أنصار النبي ﷺ لأجل الوقوف للظلم البين الذي يحدث في الأرض، وأول هذا الظلم هو الاعتداء الوقح الذي يصدر من بعض دول الكفر ضد سيد البشرية سيدنا محمد ﷺ، فدافعت الهيئة والمجلة عن جنابه ﷺ دفاعًا مستميتًا، دفع بعض هؤلاء الظالمين لأن يرتدعوا ويكفوا عن اعتداءاتهم، ثم تطور عمل الهيئة والمجلة بالدفاع عن حقوق المسلمين المضطهدين في مشارق الأرض ومغاربها، وكان من أهمها الوقفة الجادة القوية مع إخواننا في غزة ضد العدوان الهمجي الصهيوني، وذلك انطلاقًا من الواجب الديني والعقدي الذي تعلمناه من ثورة النبي ﷺ على الظلم والكفر والطغيان.
واليوم تنطلق هيئة الأنصار انطلاقة جديدة في عامها الخامس بفروعها المتعددة والتي تحارب بها في ميادين شتى، فهذا ميدان الذب عن السنة، وهذا ميدان الذب عن علماء الأمة، وهذا ميدان التبصير للضالين الكافرين لتعريفهم بالتوحيد الصحيح، وذاك ميدان السؤال والجواب والفتوى التي ربما لا يجدها المرء في غير هذا المكان، إلى غيرها من ميادين الجهاد.
والله نسأل أن يوفق مجلتنا والقائمين عليها لكل ما يخدم الإسلام والمسلمين، وأن يجعل هذا العمل العظيم شاهداً لأصحابه لا شاهداً عليهم، وأن يجعلنا جميعاً والقراء والمسلمين من أحباب رسول الله ﷺ.





