
حكم الله في شاتم رسوله ﷺ
مايو 15, 2026
توغل الاحتلال يتصاعد في ريف القنيطرة الجنوبي بسوريا
مايو 16, 2026
د. عبد العزيز الطريفي
فك الله أسره*
وقد جعل الله عز وجل لهذا الركن العظيم مَزِيَّةً عظيمةً؛ حيثُ جَعَلَهُ مِن المباني التي يُبنى عليها الإسلام، وجعَلَهُ مِنْ أعظم مكفّرات الذنوب. فقد أخرج الشيخان من حديث منصور، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ؛ أنَّه قال: “مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُتْ وَلَمْ يَفْسُقُ، رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ”.
وكذلك ما جاء عن النبي ﷺ في الصحيحين وغيرهما من حديث مالك، عن سُمَيّ، عن أبي صالح، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عن النبي ﷺ، أنه قال: “العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَج المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ”.
والمراد بالحج المبرور: الذي لا معصية فيه، وجيء به تام الأركان والواجبات . وقيل: الذي لا يَعْقُبُهُ معصية، والأول أظهر وأقرب .
وبهذا الخبر احتَجَّ مَن قال بمشروعيَّةِ تَكرار العمرة في السنة الواحدة، ولو كانت العمرة مماثلةً للحج في السنة مرة، لسوى بينهما؛ وهذا قول الجمهور، خلافاً لمالك.
وكذلك ما أخرجه الإمام مسلم رحمه الله؛ من حديث يزيد بن أبي حَبِيبٍ، عن ابنِ شَمَاسَةَ المَهْرِيِّ، عن عمرو بن العاص رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، أنه قال: “الإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَالحَجُّ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ، وَالهِجْرَةُ تَهْدِمُ مَا قَبْلَهَا” .
فقرن النبي ﷺ الحَجَّ بالهِجْرَةِ والإسلام .
السَّنَةُ التي شُرِعَ فيها الحج
والحج قد شَرَعَهُ اللهُ فرضًا في السنة التاسعة -على الصحيح من أقوال أهل العلم- واختَلَفُوا:
- فمِنْهم مَنْ قال: شُرِعَ في السنة الخامسة؛ واستَدَلَّ بورود الحج في خبرِ ضِمَامِ بنِ ثَعْلَبَةَ، وقد ذكَرَ الواقدي أن قدومَ ضِمَامٍ كان سنةَ خمس.
- ومنهم من قال: شُرِعَ في السنة السادسة، عام الحديبية؛ حيثُ نزَلَ فيها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ وبهذا قال الجمهور، وقالوا: إنَّ المراد بالإتمام ابتداء الفرض؛ وبهذا فسره عَلْقَمة، ومسروق، والنَّخَعِيُّ؛ قالوا: ﴿وَأَتِمُوا﴾ يعني: “وأقيموا”؛ كما رواه الطبري، وغيره .
- ومنهم من قال: شُرِعَ في الثامنة .
- ومنهم من قال: شُرِعَ في التاسعةِ؛ صححه القاضي عياض، والقرطبي، وغيرهما .
والصحيح: أنه شُرع في السنة التاسعة من الهجرة.
حكم مُتابَعَةِ المرأة بين الحج والعمرة
والمتابعة بين الحَجِّ والعمرة سُنَّةٌ، وكَرِهَ بعض العلماء ذلك للنساء؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ حينما حَجَّ حَجَّةَ الوداع ومعه أزواجُهُ، قال لهنَّ: “هَذِهِ، ثُمَّ ظُهُورُ الحُصُرِ”؛ رواه أحمد؛ من حديث ابن أبي ذئب، عن أبي صالح مولى التَّوْءَمَةِ، عن أبي هريرة. ورواه هو وأبو داود عن زيد بن أَسْلَمَ، عن واقد بن أبي واقد الليثي، عن أبيه. وقد قال فيه الذهبي في الميزان: “هذا منكر، ولم يزَلْنَ يَحْجُجْنَ”، وجوّد إسناده ابن كثير في البداية. ومعناه: هذه الحَجَّةُ ثم المُكْثُ على ظهور الحصير في البيوت؛ فلا تَخْرُجْنَ .
أخَذَ منه بعضُهم: أنه منَعَ مِن تَكْرارِ الحج، وسَفَرِ المرأة بلا حاجة، وهكذا فَهِمَ عمر بن الخطاب؛ فمَنَعَ أُمَّهَاتِ المؤمنين من الحج، وخالفته عائشة وسائر أزواج النبي ﷺ في هذا الفهم، إلا سَوْدَةَ، وزينب بنتَ جَحْش، فقد وافقتا عمر على فهمه، وكانتا تقولان: “والله، لا تُحرِّكُنَا دابَّة بعد أنْ سَمِعْنا الرسول ﷺ يقول ذلك”.
وأما عائشةُ ومَنْ معها، فعارَضْنَ عمر، ورَغِبْنَ في الخروج للحَجِّ، واستَدْلَلْنَ بحث النبي ﷺ على ذلك؛ إذ قال عن الحج والعمرة: “جِهَادُ لَا قِتَالَ فِيهِ“، وجهاد الرجال لا ينقطع، فكذلك جهاد النساء.
وأما قوله: “ثُمَّ ظُهُورُ الحُصُرِ”؛ أي: إنه لا يجب الحج إلا مَرَّةً عليكنَّ في العُمْر؛ فنزَلَ عمرُ عندَ قول عائشةَ في آخر خلافتِه، وأرسل معهن عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عَوْف، ثم حَجَّ بهنَّ الخلفاء مِنْ بعده، إلا سَوْدة وزينب، فلم تَحُجَّا، وبَقِينَ على ما فهماه؛ اجتهادًا منهن، رضي الله عنهن .
وبفهم عائشةَ جَزَمَ البيهقي؛ أي: أنَّ الحديث دَلَالَتُهُ على أنَّ الحج في العمرِ مَرَّةً، لا المنع من الزيادة.
حكمُ الحَجِّ بالمالِ الحَرَامِ
ويجب الحج بمال حلال، ومَنْ حَجَّ بمال حرام، فحجه غير مبرور. واختلف العلماء في إجزائه:
فذهب جمهورهم: إلى أنه يُجْزِئُهُ؛ وهو غير مبرور .
وذهب الإمام أحمد -وهو المشهور في مذهب الحنابلة- إلى أنه يُجْزِئُ عنه؛ وذلك لما روى مسلمعن فضيل بن مرزوق، حدثني عَدِيُّ بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه؛ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: “أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقَالَ: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ۱۷۲]، ثُمَّ ذكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ”.
دفع الزكاةِ للحَاجِّ الفَقِيرِ
ودفع الزكاة والصدقةِ لِمَنْ لا يستطيعُ الحَجَّ لِيَحُجَّ رَخَّصَ فِيهِ ابْنُ عُمَرَ؛ رواه أبو عُبَيْدٍ في “الأموال”، بسند صحيح، وكذا ورد عن ابن عباس، وهو معلول مضطرب؛ قاله الإمام أحمد، وذكره البخاري معلقاً بصيغة التمريض.
الحَجُّ بمالِ الغَيْرِ
والحج بنفقةِ الغَيْرِ وتكفُلُهُ بالمَؤونة وارد عن السلف؛ فقد حَجَّ عَلْقَمَةُ والأَسْوَدُ مع عبد الله بن الحارث أخي الأَشْتَرِ؛ فكان يَكْفِيهِمْ نَفَقَتَهم.
وكذلك مَنْ يذهب موظفًا أو عاملاً أو أجيرًا في جهة أو عند رجل على نفقته، فيحج تبعًا لذلك؛ فقد رُوِيَ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سأله رجل، فقال: أؤاجر نفسي من هؤلاء، لقومٍ، فَأَنْسُكُ معهم؟ فقال: “نَعَمْ، أُولئِكَ لهم نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا”. رواه ابن أبي شَيْبة، ورواه عن الحسن ابن المسيب ومجاهد .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* عبد العزيز الطريفي، صفة حجة النبي ﷺ، دار المنهاج، ط5، 2015م، ص40-45.





