
الزائر العربي.. ورحلتى إلى الإسلام!
يوليو 24, 2026
حين بدأتُ أهاجم الإسلام.. أسلمت!
يوليو 24, 2026بقلم: كلارا ماتي – إحدى المهتديات الجدد من جمهورية بنين
اسمي كلارا ماتي، أبلغ من العمر أربعًا وثلاثين سنة، وأعيش في إحدى المدن القريبة من خطوط السكك الحديدية في جمهورية بنين. كنت مسيحية منذ ولادتي، كما كان والداي وأجدادي من قبلي. لم أكن أفكر يومًا في تغيير ديني أو البحث عن عقيدة أخرى، فقد نشأت على ما وجدته حولي، وكنت أظن أن الإنسان يولد على دينه ويمضي عمره عليه حتى النهاية.
أعمل موظفة في محطة القطار الرئيسية في مدينتنا. كانت مهمتي تنظيم حركة المسافرين ومتابعة الجداول والإجابة عن استفسارات الركاب. أحببت عملي رغم ما فيه من تعب وضجيج دائم. كانت حياتي تسير بصورة عادية؛ أستيقظ قبل شروق الشمس، أجهز ابني الوحيد “دانيال” للمدرسة، ثم أذهب إلى عملي، وأعود مساءً لأقضي بعض الوقت مع زوجي وأسرتي.
لم تكن حياتي مثالية، لكنها كانت مستقرة نوعاً ما. ومع ذلك، كان هناك فراغ ما بداخل قلبي لم أكن أستطيع تفسيره. كنت أمارس شعائري الدينية كما اعتدت منذ الصغر، لكنني كثيرًا ما كنت أشعر أن هناك أسئلة تدور في ذهني ولا أجد لها جوابًا. كنت أهرب من التفكير فيها بسبب انشغالي بالحياة والعمل.
في محطة القطار كان يعمل رجل اسمه “إبراهيم ساني”. كان عامل نظافة بسيطًا، يتولى تنظيف الأرصفة والممرات والمخازن. لم يكن من الأشخاص الذين يكثرون الكلام، لكنه كان معروفًا بين الجميع بحسن الخلق والانضباط الشديد. إذا ضاع شيء في المحطة وعُثر عليه، كان الجميع يتوقع أن يكون إبراهيم هو من سلمه للإدارة. وإذا احتاج أحد مساعدة، وجده حاضرًا دون تردد، لكن شيئًا غريبًا لفت انتباهي في أحد الأيام. لاحظت أنه يختفي كل يوم تقريبًا في وقت الظهيرة، ثم يعود بعد فترة قصيرة. وبعد ساعات يختفي مرة أخرى وقت العصر ويعود إلى عمله وكأن شيئًا لم يكن!
في البداية ظننت أنه يأخذ استراحة إضافية دون إذن، لكن الغريب أن عمله كان دائمًا منجزًا على أكمل وجه. لم يشتكِ منه أحد قط، ولم يُسجل عليه أي تقصير. تكرر الأمر مرات كثيرة حتى بدأت أتساءل: أين يذهب هذا الرجل كل يوم؟!
في أحد الأيام قررت أن أعرف الحقيقة بنفسي،انتظرت حتى اقترب موعد اختفائه المعتاد، رأيته يترك أدوات التنظيف ويتجه بهدوء نحو القسم الخلفي من المحطة حيث توجد المخازن القديمة التي نادرًا ما يذهب إليها أحد.
سرت خلفه من بعيد دون أن يشعر بي، وصل إلى أحد المخازن الصغيرة المهجورة، ثم دخلها وأغلق الباب نصف إغلاق. اقتربت بحذر ونظرت من فتحة جانبية، ما رأيته يومها ظل عالقًا في ذهني إلى اليوم.. كان إبراهيم يقف متجهًا إلى جهة معينة، ثم بدأ يؤدي حركات لم أكن أجهلها تمامًا؛ فقد رأيت المسلمين يفعلونها من قبل.. كان يصلي! لم تكن مجرد حركات يؤديها بسرعة لينتهي منها. كان يبدو غارقًا في هدوء عجيب. ركع ثم سجد وأطال السجود وكأنه يناجي أحدًا! بقيت أراقبه بصمت حتى انتهى.
عدت إلى مكتبي وأنا مشوشة التفكير..كيف يكون مسلمًا ونحن لا نعرف ذلك؟! ولماذا يخفي الأمر؟!
وفي اليوم التالي استدعيت شجاعتي وقررت أن أسأله مباشرة.
عندما انتهى من عمله اقتربت منه وقلت: “إبراهيم، هل يمكن أن أسألك سؤالًا؟”
ابتسم كعادته وقال: “بالطبع”.
قلت: “أين تذهب كل يوم وقت الظهيرة والعصر؟”
نظر إليّ للحظة ثم فهم أنني اكتشفت الأمر!
قال بهدوء: “أذهب لأصلي”.
سألته: “أنت مسلم؟”
أجاب مبتسمًا: “نعم، منذ عدة سنوات”.
تفاجأت أكثر وقلتله: “لكن الكثيرين هنا لا يعرفون ذلك”.
فقال: ” لم أشعر بالحاجة إلى إخبار أحد. هذا أمر بيني وبين ربي”.
أعجبتني إجابته، ثم سألته: “وما الذي جعلك تعتنق الإسلام؟”
جلس على أحد المقاعد الخشبية القريبة وقال: “لأنني بحثت عن السكينة والطمأنينة الحقيقية فوجدتها في الإسلام”.
كانت تلك الجملة بداية أطول حوار عن الدين خضته في حياتي.
في الأيام التالية كنت أطرح عليه أسئلة كثيرة أثناء فترات الاستراحة. سألته عن الصلاة. فسألني: ” إذا كان لديك شخص تحبينه جدًا، فهل تكتفين بالحديث معه مرة واحدة في الأسبوع؟”
قلت: “بالطبع لا”.
قال: “إذن كيف أكتفي أنا بمناجاة خالقي مرة واحدة؟ الصلاة لقاء بيني وبين الله، فكيف لا أحافظ عليها”!
وسألته عن الصيام، فقال: “الصيام يذكرني أنني عبد لله، وأنني قادر على مقاومة رغباتي”.
وسألته عن سبب تمسكه الشديد بالإسلام.
فأجاب: “لأن الإسلام لم يُفرض عليّ دون تفكير أو قناعة، بل دعاني للتأمل والسؤال والبحث”.
كلما تحدثت معه، وجدت فيه هدوءًا غريبًا وثقة لا أراها عند كثير من الناس.
وكان أكثر ما أثر فيّ، أن إجاباته لم تكن هجومية أو متعصبة. لم يحاول يومًا أن يسخر من ديني أو يهاجمني. كان يجيب بلطف واحترام.
في إحدى المرات قلت له: “إذا كان الإسلام بهذه الروعة، فلماذا هناك الكثير من المسلمين السيئين؟”
ابتسم وقال: “وهل نحكم على المدرسة من الطالب الفاشل أم من المنهج الذي يدرَّس فيها؟”
بقيت أفكر في كلامه أيامًا طويلة، بدأت أبحث بنفسي عبر الإنترنت، قرأت عن الإسلام لأول مرة بجدية، وشاهدت مقاطع كثيرة تتحدث عن الإسلام وخُلق المسلم، وقرأت مقالات كثيرة، وكلما تعمقت أكثر وجدت أن الصورة التي كنت أحملها عنه طوال حياتي لم تكن دقيقة.
أعجبني وضوح مفهوم التوحيد، وأعجبني أن العلاقة بين العبد وربه مباشرة بلا وسطاء، وأعجبني أن القرآن يتحدث كثيرًا عن التفكر وإعمال العقل.
لكنني كنت لا أزال مترددة، كنت أخاف من اتخاذ خطوة كبيرة قد تغيّر حياتي كلها.
مرت أسابيع وأنا أقرأ وأبحث… وفي إحدى الليالي كنت أتصفح منصة فيسبوك بعد أن نام زوجي وابني. ظهر أمامي منشور لصفحة تحمل اسم “مشروع بصيرة الدعوي”.
كان المنشور يتحدث عن أهمية البحث عن الفطرة السليمة التي فطرنا الله عليها، وعدم الخوف من طرح الأسئلة، فهذا هو الطريق للفهم والهداية.
انتابني شعور بالفضول أكثر، فتحت الصفحة، وجدت عشرات المنشورات التعريفية بالإسلام.. ثم رأيت إمكانية التواصل المباشر مع أحد محاوري المشروع.. ترددت قليلًا قبل أن أرسل أول رسالة لكن الفضول غلبني.
كتبت: “أنا مسيحية من بنين وأرغب في معرفة المزيد عن الإسلام”.
وصلني الرد بعد فترة قصيرة.. بدأ حوار طويل مع أحد المحاورين في المشروع. أخبرته أنني لا أبحث عن مجاملة أو جدال، بل أبحث عن الحقيقة فقط؛ فرحب بذلك وقال: إن البحث الصادق هو أفضل طريق للوصول إلى اليقين. سألته عن أسئلة كثيرة كانت تدور في ذهني منذ سنوات.. سألته عن الله، وعن الأنبياء، وعن المسيح عليه السلام، وعن الحكمة من العبادة، وعن معنى الحياة والموت والبعث، وأشياء أخرى كثيرة، وكان يجيبني بصبر جميل.
أحيانًا كنت أرسل عدة أسئلة دفعة واحدة، وأحيانًا أعود بعد يوم أو يومين بأسئلة جديدة. ومع كل جواب كنت أشعر أن الصورة تصبح أوضح.
في إحدى الليالي سألته: “كيف أعرف أنني وجدت الطريق الصحيح فعلًا؟” فأجاب: “اسألي نفسك: هل ما وصلتِ إليه يوافق العقل والفطرة ويرتاح له قلبك ويقربك من الله؟ وإذا وجدتِ الحق فلا تؤخري اتباعه”.
أغلقت الهاتف تلك الليلة وأنا أفكر بعمق.. حينها تذكرت إبراهيم عامل المحطة، وتذكرت خشوعه في الصلاة، وتذكرت الشهور الطويلة التي قضيتها في البحث..
ثم سألت نفسي سؤالًا بسيطًا: إذا كنت مقتنعة أن الإسلام هو الحق، فما الذي يمنعني من اعتناقه؟! لم أجد جوابًا صريحًا! في الليلة التالية عدت إلى المحاور، وقلت له: “أشعر أنني أصبحت مقتنعة بالإسلام، لكنني خائفة”.
سألني: “ممن؟” قلت: “من التغيير”. فقال: ” كل خطوة عظيمة في الحياة تبدأ بتغيير بسيط”.
بقيت صامتة للحظات طويلة! ثم شعرت براحة تامة. قلت له: “ماذا أفعل إذا أردت أن أصبح مسلمة؟” شرح لي معنى الشهادتين، وتأكد أنني أفهم معناهما وأؤمن بهما عن اقتناع كامل، ثم طلب مني أن أردد الشهادتين. كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة ليلًا، وكان المنزل هادئًا تمامًا.
جلست في غرفة المعيشة، بينما الجميع نائمون، وبصوت امتزجت فيه الرهبة والطمأنينة قلت: “أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله”.
ما إن انتهيت حتى انفجرت بالبكاء.. لم يكن بكاء حزن، كان شعورًا غريبًا بالراحة والسكينة.
شعرت وكأن حملاً ثقيلاً كان فوق صدري ثم زال!
أخبرني المحاور أنني أصبحت مسلمة، وأوصاني بالصلاة وتعلم أساسيات الدين بالتدرج، بالانضمام إلى البرنامج التعليمي الذي ينظمه مشروع بصيرة للمهتدين الجدد.
في صباح اليوم التالي ذهبت إلى عملي كالمعتاد، لكن شيئًا في داخلي كان قد تغير بالكامل. عندما رأيت إبراهيم في المحطة اقتربت منه، وقلت له: “أريد أن أخبرك بشيء”.. نظر إليّ مستغربًا! فقلت مبتسمة: “لقد أسلمت”!
اتسعت عيناه من الدهشة، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: “الحمد لله”.
لم أقُل له يومها كل التفاصيل، لكنه فهم أن بذرة البحث التي زرعها الله من خلاله قد أثمرت.
اليوم مرّت سنة على تلك الليلة، تعلمت الصلاة، وحفظت سورًا من القرآن. والحمد لله الذي أعانني وجعلني سبباً في هداية زوجي إلى الإسلام، وأصبحت أربي ابني على معرفة الإسلام وقيمه وأخلاقه الجميلة.
وكلما سمعت صفير القطارات في المحطة، أتذكر بداية رحلتي.. رحلة بدأت بسؤال بسيط: أين يختفي عامل النظافة كل يوم؟! وانتهت بأعظم جواب وجدته في حياتي كلها.. لقد كنت أبحث عن الحقيقة دون أن أدرك ذلك، وكان الله يهيئ لي الطريق خطوة بعد خطوة؛ من عامل نظافة صادق وأمين، إلى بحث طويل، إلى منشور عابر على فيسبوك، ثم إلى حوار هادئ مع مشروع بصيرة ، انتهى بأجمل الكلمات التي نطقتها في حياتي:
أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله.
فالحمد لله على نعمة الإسلام.





