
المسلمون في ألمانيا يتعرضون للضغط من اليمين واليسار على حد سواء
سبتمبر 17, 2026
فكّوا العاني!
سبتمبر 17, 2026بقلم: ديفيد باتريك هوتون – أستاذ جامعي بريطاني في علم النفس*
أراد زيمباردو عام 1971 اختبار الآثار النفسية لحياة السجن، وآثارها في الأفراد العاديين الأصحاء عندما يصبح الفرد منهم سجينًا أو حارس سجن، وللقيام بهذا الاختبار نشر زيمباردو إعلانًا في صحيفة محلية طلب فيه متطوعين للعمل بوصفهم مبحوثين في تجربة. وجرى إقامة سجن افتراضي في جانب من طبقة التسوية في قسم علم النفس بجامعة ستانفورد.
وكان زيمباردو -كما كان ملغرام- يرغب في أن يكون الأفراد المشاركون في التجربة بوصفهم مبحوثين أفرادًا “أسوياء” حتى لا يُنتقد لاحقًا بدعوى أن نزعات المبحوثين الخاصة هي التي حددت سلوكهم (وليس الموقف الذي وضعوا فيه)، وانتقى أربعة وعشرين مَن بين من استجابوا لذلك الإعلان مفضلًا الشباب على غيرهم. هذا، ولم يحصر انتقاءه في طلبة ستانفورد.
وطبّق زيمباردو بعد ذلك اختبارات شخصية على الشباب المنتقين ليتيقن من سلامتهم في جوانب شخصية ذات أهمية. وبعد أن تيقَّن من حصوله على مجموعة سوية من الأشخاص مستبعدًا كلاً مَن بدا ساديًا أو غريب الأطوار، قسّم مبحوثيه إلى حراس ومساجين. ولكي يبدو الأمر حقيقيًا اتفق مع شرطة “بالو ألتو” في كاليفورنيا كي يقوموا بإلقاء القبض على “المساجين” صوريًا، بتهمة ارتكاب جرائم. ولدى وصولهم إلى “السجن” كانوا يُجردون من ملابسهم ويُرغمون على ارتداء ملابس خاصة.
سارت الأمور في البداية سيرًا حسنًا، وظهر أن “المساجين” و”الحراس” كلهم يدركون الطبيعة المصنَّعة أو الزائفة لما يحدث. غير أنه في غضون يومين أخذ سلوك المجموعتين بالتدهور وبدا الموقف “حقيقيًا” لكليهما؛ فأصبح بعض الحراس يتصرفون بسادية [يستمتعون بإيذاء المساجين] فيحرمون المساجين حقوقهم المختلفة ويبتكرون طرائق لمعاقبتهم عندما لا يطيعون الأوامر (علمًا بأنه لم يُسمح لهم باستخدام العقاب الجسدي). وكان أحد الحراس –سمّاه المساجين “جون وين” (نسبة إلى الممثل المعروف)– ماهرًا بوجه خاص في ابتداع وسائل عقاب مهينة، بما في ذلك ألعاب جنسية “أرغم” فيها “المساجين” على القيام بأفعال لواطية افتراضية. وقد تباينت ردات فعل المساجين لهذا الوضع فتمرد بعضهم، في حين اتسمت ردات فعل بعضهم الآخر بالسلبية، وظهرت دلائل انهيار انفعالي سريع على عدد منهم. وخلاصة القول، تدهورت الأمور بسرعة إلى حد أصبح لا بد معه من إيقاف التجربة بعد ستة أيام فقط، وكان مخططًا لها أن تستمر لمدة أسبوعين. وقد قرر زيمباردو إيقاف التجربة بعد أن ألحّت طالبة الدراسات العليا المعاونة له في المختبر على أن استمرار التجربة سيكون عملاً غير أخلاقي. لم يقبل زيمباردو نصيحة مساعدته هذه –وهي فتاة تدعى “كريستينا ماسلاك” تزوجها زيمباردو في ما بعد– إلا أنه سرعان ما رأى أنها كانت على حق، وأوقف الأمر برمته قبل أن يتسبب بمزيد من الضرر.
وقد قدّم زيمباردو لاحقًا تفسيرًا لما لاحظه في تجربة ستانفورد يحمل وجهة نظر كلاسيكية تقليدية تتمثل في نظرية “الصندوق الفاسد”. ويوضح زيمباردو ذلك بقوله: ضع شبابًا أصحاء عاديين في موقف بغيض، أي في مكان سيء، ستجد أن الموقف يهيمن عليهم. ونتيجة لذلك سرعان ما استولت الأدوار الاجتماعية التي شغلها “السجناء” و”الحراس” عليهم جميعًا وساعدت البنية السلطوية التي تتغاضى عن (أو تسمح) بالإساءة على إحداث بيئة دفعت الأمور إلى التدهور السريع. ونشأت حلقة مفرغة عملت فيها السلطات عمل الصندوق الفاسد الذي حول التفاح بداخله إلى تفاح عفن. ويصور الشكل الرقم (5-2) أدناه مقاربة زيمباردو الأساسية هذه.
ويوصف الموقف الذي وضع زيمباردو مبحوثيه فيه بـ(تأثير أمير الذباب) (The Lord of The Flies) إشارة إلى الرواية الكلاسيكية للكاتب وليام غولدنغ (William Golding) التي تحمل هذا العنوان، وتحكي الرواية قصة طلبة إنجليز علقوا على جزيرة استوائية (بعد أن تحطمت طائرتهم) من دون أن يكون بينهم شخص ذو سلطة. وعلى الرغم من أن غولدنغ لم يوضح ملابسات هذه الظروف تمامًا فإن القصة كما بدا دارت بعد حرب نووية، وترك الأولاد يتولون أمورهم من دون إشراف من كبير عليهم. هذا السيناريو أعطى غولدنغ الفرصة لوضع شخوص روايته فيما يدعوه توماس هوبز وغيره: حالة الطبيعة أو الفطرة A State of Nature، أي ظرف حقيقي أو مُفترض ليس فيه نظام للسلطة يضبط سلوك الأفراد. وعلى غرار هوبز فإن رؤية غولدنغ لما يمكن أن يحدث في مثل هذا الموقف رؤية قاتمة وقاسية، فأصبح سلوك الأولاد وحشيًا باضطراد (وفق تصويره) بعد أن انسخلوا أنفسهم عن قيود المجتمع الحديث، ونشبت بينهم حرب كان “الجميع فيها ضد الجميع”، على غرار ما تصوّره هوبز أيضًا.
ربما لا تكون المقارنة بين أمير الذباب وتجربة ستانفورد متكافئة، لأن التجربة أقامت بنية سلطوية داخلها (وإن كانت سلطة متراخية ومتساهلة). علاوة على ذلك، فإن النقطة التي يطرحها هوبز هي أن الحياة في حالتها الطبيعية تكون لئيمة، وقاسية، وقصيرة في غياب سلطة عليا تفرض القانون والنظام. وهو بذلك رأى أن البشر “أشرار” بالفطرة أو في الأقل مصلحيون وأنانيون إلى حد يكون معه الحفاظ على الذات لديهم هو الهم الوحيد في تلك الحالة الطبيعية. وبالمثل، تبنى غولدنع وجهة نظر قاتمة في الطبيعة الإنسانية، ظهرت في أعماله المنشورة جميعها. ونرى بذلك أن هوبز وغولدنع كلاهما نزوعي، أو بعبارة أخرى تبنى كل منهما وجهة نظر ثابتة في الطبيعة الإنسانية. أما زيمباردو فيتبنى وجهة نظر موقفية مناقضة تمامًا لوجهة النظر الأولى؛ فنحن -من وجهة نظره- لسنا “سيئين” أو “أشرارًا” ولكننا يمكن أن نتصرف بطرائق غير أخلاقية إذا ما أرغمتنا الظروف على ذلك.

وقد أوضح زيمباردو هذه النقطة، على سبيل المثال، في مقابلة مع جون ستيوارت (John Stewart) في برنامج الحوار المسمى “الحوار اليومي” عام 2007، بعد ظهور كتابه “تأثير الشيطان”. وبدا واضحًا أثناء المقابلة أن ستيوارت، مقدم البرنامج، لم يقرأ الكتاب أو أنه لم يفهم الرسالة الرئيسة فيه، حيث لخص رسالة الكتاب كما فهمها قائلاً: “إن الناس أسوأ بكثير مما يبدون عليه في الظاهر”. فردّ عليه زيمباردو بقوة نافيًا أن يكون ذلك ما قصده على الإطلاق وقال: “إن تجربة ستانفورد التي شرحتها بأدق التفاصيل في كتاب “أثر الشيطان” إنما تصف التحول التدريجي الذي طرأ على مجموعة من طلبة الجامعة في الرابعة والعشرين من العمر تطوعوا للعمل في هذه التجربة. لقد انتقينا الأصحاء الأسوياء منهم فحسب، وعيناهم “بالقرعة” ليكونوا إما حراسًا وإما مساجين. ولكننا رأينا كيف أن الأولاد الطيبين سرعان ما أصبحوا حراسًا قساة، وأن الأسوياء أصبحوا سجناء مرضى”.
فضفضة “أبو غريب”: تغيير كامل في وجهة النظر
وصلت قصة “أبو غريب” إلى العلن عام 2004، وأحدثت صدمة فورية داخل الولايات المتحدة وفي أنحاء العالم واستعصت على الفهم، حيث أظهرت الصور التي بُثت على نطاق واسع على التليفزيون والإنترنت، رجالاً ونساءً من الجيش الأميركي يعذبون موقوفين عراقيين -من خلال أفعال جنسية مهينة وحرمان حسي في معظم الحالات- داخل واحدٍ من أكبر السجون إثارة للخوف في عراق صدام حسين. أدى الاشمئزاز الذي أثارته تلك الصور إلى اعتقال بعض الأشخاص المتورطين، وإجراء العديد من التحقيقات في “مكمن الخطأ” فيما وقع في ذلك السجن.
وكانت واحدة من مشكلات تلك الصور -التي لم تُبث جميعها في الواقع لأن بعضها اعتبر مقززًا إلى درجة غير محتملة- هي أنها تصور أفعالاً جرى ارتكابها من أشخاص مختلفين، وفي سياقات مختلفة [ربما لا يكونوا منتمين إلى الفريق الذي ارتكب معاصي أبو غريب]. مثال ذلك، أن معظم الصور أظهرت جنودًا أميركيين يحدقون إلى سجناء عراقيين عراة، إلا أن الصورة الأشهر في هذه المجموعة، تلك التي تصور “رجل القبعة” المبينة في الشكل الرقم (5-3) فهي تصور شكلاً من أشكال التعذيب التي لا يمكن أن تخطر ببال تلك الجماعة من المجندين الحديثي العهد الذين التقطوا صور الإساءة الجنسية. ووفق ملاحظة مارك دانر (Mark Danner) بهذا الشأن، فإن هذه الصورة تظهر شكلاً مميزًا ومتخصصًا من أشكال التعذيب طورته الاستخبارات البرازيلية يدعى “الفيتنام”، ولم يُعرف من الذي رتّب وضع الشخص في هذه الصورة.
ويلمّح روري كينيدي (Rory Kennedy) في فيلم “أشباح أبو غريب” (Ghosts of Abu Graib) إلى أن ما حدث في “أبو غريب” كان إطاعة لأوامر عليا، حيث يبدأ الفيلم بمشاهد من فيلم ملغرام الوثائقي “الطاعة” وبموسيقى تصويرية توحي بالمطاردة. وعلى الرغم من أن الفيلم لم يُفصح صراحة عن صلة نموذج ملغرام بموضوع الفيلم، فإن الاستنتاج الواضح الذي يخرج به المشاهد هو أن من ارتكبوا تلك الإساءات في السجن إنما كانوا يطيعون أوامر رؤسائهم. وهذا الطرح يقدم لنا بالتأكيد طريقة لتطبيق استبصارات علم النفس السياسي على هذه الأحداث البغيضة، وربما تكون أفضل الطرائق لفهم تلك الأحداث.

واحدة من الصور التي سُربت عام 2004 تُظهر مجندين أميركيين يعذبون محتجزين في سجن أبو غريب
ولا بد من الإشارة أيضًا إلى أن أحداث “أبو غريب” تتشابه إلى حد صارخ مع تجارب ستانفورد. وقد قال زيمباردو، بعد أن شاعت أخبار “أبو غريب”: “هناك تماثل مذهل بين تجربة السجن وما حدث في أبو غريب”. ويضيف: “بعض المشاهد التي رأيناها تكررت في السجنين، بما في ذلك تجريد السجناء من ملابسهم، ووضع أكياس على رؤوسهم، وتقييدهم بالسلاسل، ودفعهم إلى القيام بأفعال جنسية مهينة. وفي كلا السجنين تم ارتکاب أفظع الإساءات في المناوبة الليلية”. ولكن زيمباردو يعترف أن هناك اختلافات طبعًا، ويقول في ذلك: “إن حراسنا لم يستخدموا العنف الجسدي، إلا قليلاً جدًا (…) لقد كنت أقول لهم باستمرار إنه غير مسموح لهم بممارسة الإساءة الجسدية، وعند ذلك لجأوا تمامًا إلى التحكم النفسي، والسيطرة النفسية”.
ومن أوجه الشبه الواضحة للعيان بين تجربة ستانفورد و”أبو غريب”:
- وضع أكياس على رؤوس السجناء (لتجريد الفرد من إنسانيته) (dehumanization) وفرض حالة من اللا تفرد (deindividuation).
- تجريد السجناء من ملابسهم (اللا تفرد).
- الإهانة الجنسية (بإرغام السجناء على تمثيل أفعال لواطية).
- تولّي حراس غير مدربين مهمة الحراسة.
- إهانة السجناء لمجرد شعور الحراس بالملل.
- وقوع أَبشع الإساءات في المناوبة الليلية.
- تصاعد في طبيعة الأفعال المشينة.
- ظهور شخصية “جون وين”.
- غموض سلسلة الأوامر المبيحة للسلوك غير المقبول.
وهناك اختلافات أيضًا كما يمكن أن نتوقع؛ حيث إن تجربة عام 1971:
- لم تطالب فيها الـسي آي إي CIA أو أي سلطات عليا من الطلبة أن “يُلَيّنوا” السجناء.
- لم تستخدم العنف الجسدي.
- لم يجرِ فيها التقاط “صور تذكارية”.
- لم ينظر أحد إلى السجناء على أنهم شياطين، ولم يكن الطلبة من الفريقين أعداء “حقيقيين”.
- لم يكن هناك فروق عنصرية بين الفريقين عام 1971.
- لم يكن هناك ضغوط ناجمة عن الحرب.
- لم يكن هناك حاجة إلى معلومات استخبارية.
ولأن وجود تطابق تام بين أي موقفين أمر يصعب تحقيقه فإن السؤال البارز هنا ليس سؤال هل هناك اختلافات؟ وإنما ما أهمية تلك الاختلافات؟
وبحسب ما يرى زيمباردو فإن المفتاح لفهم “أبو غريب” يكمن في العملية ذاتها التي وظفها لتفسير نتائج تجربة ستانفورد، ويقارن زيمباردو طويلاً بين الحدثين في كتابه “تأثير الشيطان” مجادلاً: إن صانعي الصندوق (مشيرًا هنا إلى سلسلة الأوامر الممتدة من البيت الأبيض والبنتاغون/وزارة الدفاع الأميركية) فصّلوا بيئة أو موقفًا (أو صندوقًا) أدى إلى “إفساد التفاحات”. فكثير ممن ارتكبوا إساءات “أبو غريب” التحقوا بالجيش طواعية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر بدافع الحماس الوطني، والتصميم على الحيلولة دون تعرّض الولايات المتحدة مرة أخرى لهجمات إرهابية قاتلة من هذا القبيل. ولكنهم وجدوا أنفسهم في “أبو غريب” يقومون بأفعال لم يتخيلوا القيام بها في أشد أحلامهم غرابة.
قال جافال ديفيز (Javal Davis) أحد المجندين في “أبو غريب”: “هذا المكان حوّلني إلى وحش، كنت غاضبًا جدًا. إن هذا “الأبو غريب” يمكن أن يغير تفكيرك. أتعرف أنك يمكن أن تذهب إلى “أبو غريب” لفترة وجيزة فتتحول من شاب مُسالم مرح إلى إنسان آلي”.
يعتقد زيمباردو أن الرئيس جورج دبليو بوش، ونائب الرئيس ديك شيني، ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد أنشأوا نظام سلطة يشجع التعذيب ضمنيًا أو صراحةً، ثم إن إدارة بوش قررت عام 2002 أن اتفاقيات جنيف (التي وقعتها الولايات المتحدة عام 1949) لا تنطبق على الوضع في سجن “أبو غريب”. وقد شجعت الاستخبارات العسكرية الحراس الأغرار في “أبو غريب” عبر سلسلة الأمر والنهي على “تليين” السجناء لأغراض التحقيق.
فكان الصندوق الذي صنعوه إذًا هو الذي حوّل أناسًا طيبين إلى أنذال. وبالمقابل، فإن الإدارة الأميركية ألقت اللوم على النزعات الخاصة بالأفراد أنفسهم. فدافع بوش عن وجهة النظر هذه قائلًا: “إن العراق الجديد سيكون بحاجة إلى نظام سجون إنساني يتم الإشراف عليه بإحكام، ففي عهد الدكتاتور كانت السجون مثل سجن “أبو غريب” رموزًا للموت والتعذيب… هذا السجن ذاته أصبح رمزًا لسلوك مشين ارتكبه قلة من الجنود الأميركيين الذين جلبوا العار لبلدنا وأهانوا قيمنا”.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ديفيد باتريك هوتون، علم النفس السياسي، ترجمة: ياسمين حداد، ط1 (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أغسطس 2015م)، ص101 وما بعدها





