
هل ينجح أسطول الصمود الجديد؟ (1)
مايو 15, 2026
الحج.. الركن العظيم
مايو 15, 2026
د. جمال بن عمار الأحمر الأنصاري
سفير الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ في الجزائر
عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلاً أَعْمَى كَانَتْ لَهُ أُمُّ وَلَدٍ -أي زوجة- تَشْتُمُ النَّبِيَّ ﷺ، وَتَقَعُ فِيهِ، فَيَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَيَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ جَعَلَتْ تَقَعُ فِي النَّبِيِّ ﷺ وَتَشْتُمُهُ، فَأَخَذَ الْمِغْوَلَ -وهو سيف قصير- فَوَضَعَهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأَ عَلَيْهَا فَقَتَلَهَا. فَلَمَّا أَصْبَحَ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَمَعَ النَّاسَ فَقَالَ: “أَنْشُدُ اللَّهَ رَجُلًا فَعَلَ مَا فَعَلَ لِي عَلَيْهِ حَقٌّ إِلَّا قَامَ!”. فَقَامَ الْأَعْمَى فَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَا صَاحِبُهَا، كَانَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ فَأَنْهَاهَا فَلَا تَنْتَهِي، وَأَزْجُرُهَا فَلَا تَنْزَجِرُ، وَلِي مِنْهَا ابْنَانِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، وَكَانَتْ بِي رَفِيقَةً، فَلَمَّا كَانَ الْبَارِحَةَ جَعَلَتْ تَشْتُمُكَ وَتَقَعُ فِيكَ، فَأَخَذْتُ الْمِغْوَلَ فَوَضَعْتُهُ فِي بَطْنِهَا وَاتَّكَأْتُ عَلَيْهَا حَتَّى قَتَلْتُهَا!‘ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: “أَلا اشْهَدُوا أَنَّ دَمَهَا هَدَرٌ”.
قال الخطابي (ت: 388هـ): “وفيه بيان أن سابّ النبي ﷺ يُقتل؛ وذلك أن السب منها -أي هذه المرأة- لرسول الله ﷺ ارتداد عن الدين”.
أفتى أئمة الإسلام -سقى الله قبورهم دِيَـمًا هواطل بالرحمات- عبر مختلف العصور ومتنوع المذاهب في هذه المسألة، ومنهم من أفردها بمصنف مثل ابن تيمية (ت: 728هـ) بكتابه “الصارم المسلول”، وتقي الدين السبكي الأنصاري (ت: 756هـ) بكتابه “السيف المسلول على من سب الرسول ﷺ”، وابن كمال باشا (ت: 940هـ) بكتابه “السيف المسلول في سب الرسول ﷺ”، وابن عابدين (ت: 1252هـ) بكتابه “تنبيه الولاة والحكام على شاتم خير الأنام”، وغيرهم، فضلا ًعن المصنفات التي ذكرت هذه المسألة ضمناً.
ما ذهب إليه الأحناف في حكم شاتم رسول الله ﷺ
قــال الجصاص الحنفي (ت: 370هـ): “قـال أصحـابنـا فـيمـن سب النبي ﷺ أو عابه، وكان مسلماً، فقد صار مرتداً”.
ما ذهب إليه المالكية في حكم شاتم رسول الله ﷺ
قال ابن القاسم (ت: 191هـ) عن الإمام مالك: “من سب النبي ﷺ، أو شتمه، أو عابه، أو تنقَّصه فإنه يُقتل. وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق”.
وقال عبد الله بن عبد الحكم (ت: 214هـ) تلميذ الإمام مالك: “من سب النبي ﷺ من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب”.
قـال محمد بن سحنون (ت: 240هـ) تلميذ الإمام مالك: “أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ المتنقص له كافر، والوعيد جارٍ عليه بعذاب الله، وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفَر”.
قال القاضي عياض (ت: 544هـ) في الحجة على إيجاب قتل من سب النبي ﷺ أو عابه: “فمن الكتاب العزيز لعنة الله لمؤذيه في الدنيا والآخرة، وقرانه تعالى أذاه بأذاه، ولا خلاف في قتل من سب الله، وأنّ اللعن إنّما يستوجبه من هو كافر، وحكم الكافر القتل”.
وقال القاضي عياض أيضاً: “اعلم -وفقنا الله وإياك- أن جميع من سب النبي ﷺ أو عابه، أو ألحق به نقصاً في نفسه، أو نسبه، أو دينه، أو خصلة من خصاله، أو عرّض به، أو شبّهه بشيء عن طريق السب له، أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض منه، والعيب له، فهو ساب له، والحكم فيه حكم الساب يقتل… وكذلك من لعنه، أو دعا عليه، أو تمنّى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه عن طريق الذم، أو العيب في جهته العزيزة بسخف من الكلام، وهجر، ومنكر من القول وزور، أو غيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه. وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلمّ جرا”.
ما ذهب إليه الشافعية في حكم شاتم رسول الله ﷺ
قال تقي الدين السبكي الخزرجي (ت: 756هـ) بعد أن ساق روايات قصة ابن الأشرف: “ووجه الاستدلال بها من وجوه: أحدها: الاقتصار على ما في الصحيحين من قول النبي ﷺ: “من لكعب بن الأشرف فإنه قد أذى الله ورسوله” وهو يقتضي التعليل بالأذى، فكل من آذاه وظهر أذاه يقتل. ولا شك أن الأذى أخص من الكفر كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ ۚ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْۚ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: 61]، فالتعليل في الحديث يقتضي أن كل من آذى النبي ﷺ يقتل”.
وقال تقي الدين السبكي أيضاً: “والآيات والأحاديث دالّة على قتل مَن يؤذيه مطلقاً من غير تفصيل بين المسلم والكافر”.
وقال تقي الدين السبكي أيضاً: “وليس لي القدرة أن أنتقم بيدي من هذا الساب الملعون، والله يعلم إني كاره منكر، ولكن لا يكفي الإنكار بالقلب ههنا، فأجاهد بما أقدر عليه من اللسان والقلم، وأسأل الله عدم المؤاخذة”.
ما ذهب إليه الحنابلة في حكم شاتم رسول الله ﷺ
روى حنبل بن إسحاق الشيباني (ت: 273هـ) -ابن عم الإمام أحمد بن حنبل وتلميذه- عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال: “كل من شتم النبي ﷺ أو تنقصه مسلماً كان أو كافراً فعليه القتل”.
وقال عبد الله (ت: 290هـ) ابن الإمام أحمد: “سمعت أبي يقول فيمن سب النبي ﷺ قال: تُضرب عنقه”.
وقال ابن تيمية (ت: 728 ه): “والناظر في الأدلة من السنة يجد أن النبي ﷺ لم يأمر بقتل الساب لمجرد كونه كافراً غير معاهد، وإنما قتله لأجل السب مع كون السب مستلزماً للكفر والعداوة والمحاربة، وهذا القدر موجب للقتل حيث كان”.
وقال ابن تيمية أيضاً: “وقد اتفقت نصوص العلماء من جميع الطوائف على أن التنقص له كفر مبيح للدم”.
وقال ابن تيمية أيضاً: “ولا ريب أن مَن أظهر سب رسول الله ﷺ وشتمه فإنه يغيظ المؤمنين ويؤلمهم أكثر مما لو سفك دماء بعضهم، وأخذ أموالهم، فإن هذا يثير الغضب لله والحمية له ولرسوله”.
وقال ابن تيمية أيضاً: “فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعَف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين. وأما أهل القوة فإنّما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون”.
استشكال
قد يشكل على بعض الناس أن النبي ﷺ قد عفا عن بعض مَن سبه وآذاه، ولم يُقِم الحد على من تولى كبر حادثة الإفك مثلاً، والجواب من وجوه:
- أنه كان محض حقه ﷺ فله أن يعفو عنه، ولا يؤاخذ من أساء إليه، أو آذاه.
- أنه ﷺ كان يعفو عمّن أساء إليه؛ تأليفاً للقلوب على الإسلام، لئلاّ يتحدّث الناس أنّ محمداً يقتل أصحابه.
- أنه ﷺ كان يعفو عمن ظلمه أو ينتقم، كل ذلك تبعاً للمصلحة، إلا أن العفو كان قبل (براءة) أكثر منه بعدها، أما بعد براءة فقد نسخ الحكم بالعفو والصبر، وأمر بجهاد الكفار والمنافقين، والإغلاظ عليهم.
الإجماع على حكم شاتم رسول الله ﷺ
قال إسحاق بن راهويه (ت: 238هـ): “أجمع المسلمون على أن من سَبَّ اللهَ، أو سب رسولَه ﷺ، أو دَفَعَ شيئاً مما أنزل الله عز وجل، أو قَتل نبياً من أنبياء الله عز وجل، أنه كافر بذلك وإن كان مُقِرّاً بكل ما أنزل الله”.
وقد نص ابن المنذر (ت: 318هـ) على القصة واستدل بحديث قصة ابن الأشرف على وجوب قتل الساب.
وقال ابن المنذر أيضاً: “وأجمع عوام أهل العلم على وجوب القتل على من سب النبي ﷺ. هذا قول مالك، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، ومن تبعهم”.
وقال ابن المنذر أيضاً: “وأجمعوا على أن على من سب النبي ﷺ القتل”.
قال الخطابي (ت: 388هـ): “ولا أعلم أحداً من المسلمين اختلف في وجوب قتله، ولكن إذا كان الساب ذمياً فقد اختلفوا فيه؛ فقال مالك بن أنس: “من شتم النبي ﷺ من اليهود والنصارى قُتل إلا أن يُسلِم”. وكذلك قال أحمد بن حنبل. وقال الشافعي: “يقتل الذمي إذا سب النبي ﷺ وتبرأ منه الذمة”.
قال القاضي عياض المالكي (ت: 544هـ): “وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلمّ جرا”.





