
ومضات من كفاح الحركة الإسلامية المصرية
مايو 14, 2026
حكم الله في شاتم رسوله ﷺ
مايو 15, 2026
حوار مع النائب الأستاذ يوسف عجيسة
- تبحر من جديد عشرات السفن منطلقة من أوروبا لكسر الحصار عن غزة
- “مهمة الربيع” تبشر بربيع التضامن الإنساني المتجدد الذي لا تذبله آلة القمع
- ضغوط هائلة يتعرض لها الناشطون والمتضامنون وطواقم السفن
- انطلاقتنا هذه المرة اندماج تاريخي بين جميع الهيئات في الأساطيل الماضية
حاوره: م. خالد الأحمر الأنصاري
سفير الشباب في الهيئة العالمية لأنصار النبي
تحت سماء غزة المثقلة بأوجاع السنين، وخلف قضبان حصار بري وبحري وجوي خانق، يعيش أكثر من مليوني إنسان تفاصيل مأساة إنسانية متجددة. هناك حيث يُحرم المرضى من أبسط حبات الدواء، وتُصادر حقوق الأطفال في الغذاء والأمان، وتُقيد أحلام أجيال بأكملها على شواطئ تحاصرها بوارج الموت وآلة الدمار. ورغم الجراح الغائرة والعزلة المفروضة بقوة الحديد والنار، يسطر الغزاويون بصمودهم الأسطوري ملحمة بقاء تتحدى الانكسار.
وأمام هذا النزيف المستمر لم يكن للضمائر الحية حول العالم أن تقف مكتوفة الأيادي؛ فمن رحم هذه المعاناة، واستجابة لنداءات الاستغاثة المكتومة، تحركت أشرعة التضامن الإنساني لتشق عباب الصمت الدولي. هكذا وُلدت المبادرات الإغاثية لتكون طوق نجاة ورسالة حياة، تؤكد لأهلنا في غزة أنهم ليسوا وحدهم، وأن هناك من هو مستعد للتضحية بحياته من أجل كسر قيدهم.
وفي خضم هذه المساعي النبيلة، يسعدنا في هذا المقام أن نستضيف قامة عربية ودولية بارزة، واسماً ارتبط بميادين العمل الإنساني الجريء، شخصية أخذت على عاتقها تفكيك طوق العزلة، فقادت ووجهت الكثير من الأساطيل البحرية والقوافل البرية الإغاثية صوب القطاع المحاصر؛ إنه النائب في البرلمان الجزائري، ورئيس اللّجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة، ونائب رئيس المبادرة الجزائرية لنصرة فلسطين وإغاثة غزة، والعضو القيادي في الهيئة التوجيهية الدولية، الأستاذ يوسف عجيسة.
الأستاذ يوسف ليس مجرد منسق إداري يدير العمليات من خلف المكاتب المغلقة، بل هو فدائي بالأمل، وشاهد عيان خاض غمار المواجهة المباشرة وتحدى أمواج الخطر مرات عديدة. ولعل أحدثها تلك المواجهة المحفوفة بالمخاطر في عرض مياه البحر الأبيض المتوسط منذ ستة أشهر فقط، حين واجهت سفن التضامن عنجهية المحتل، وها هو اليوم، بعزيمة أصلب من الحديد وإصرار لا يلين، يعود ليقود دفة التنسيق المعقد بين موانئ أوروبا الباردة وأحلام المحاصرين الدافئة في غزة في زمن قلّ فيه النصير وكثر فيه خذلان القريب والبعيد، وبدل أن يُسلط الإعلام الضوء عن حراكه وإخوانه من أجل غزة دولياً ومحلياً، هاجمه الإعلام الإسرائيلي كما هاجمه الإعلام المطبّع المتصهين واصفاً إياه بأقبح النعوت والأوصاف!
سفير الشباب في الهيئة العالمية لأنصار النبي، رافق هذا المناضل الحر وشاركه النضال من كسر الحصار عن غزة براً وبحراً، وكان ناطقاً باسمه في أسطول الصمود سبتمبر الماضي، واليوم مثل البارحة ما يزال سفير الشباب المهندس خالد في تنسيق دائم مع السيد يوسف عجيسة، رئيس اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة غير أن هذه المرة فصلت الإجراءات المعقدة للملاحة البحرية ركوب سفير الهيئة البحر مع الأسطول رغم المحاولات الكثيرة – التي ما تزال إلى اللحظة- مع كثير من الدول الأوروبية.
في هذا العدد الخاص، الذي يتصدر المشهد فيه الهجمة غير المسبوقة على لبنان وإيران وعدم توقفها على غزة رغم اتفاق الهدنة المكذوبة، وتشرذم الصف العربي، وكل ذلك يؤكد تمدد الكيان في أرض الإسلام والعروبة تنفيذاً لتصريحات قادة الإجرام الصهاينة، دون أن ننسى الجريمة الكبرى بغلق المسجد الأقصى المبارك قرابة شهرين. في ظل هذه الظروف الخطيرة والمعقدة، تبحر من جديد عشرات السفن منطلقة من أوروبا لتأمين مسار بحري دائم لكسر الحصار عن غزة وتأمين حاجاتها الغذائية والدوائية.
فرأينا من الضرورة الملحة أن نطلع الرأي العام عموماً، والمهتمين بشأن فلسطين وغزة وكسر حصارها خصوصاً بكل ما استجد في ساحة الحراك براً وبحراً من أجل غزة الحرة، وكون سفير الأنصار في تواصل وتنسيق دائم مع رئيس اللّجنة الدولية، يشرفنا في هذا العدد أن نرحب بضيفنا رئيس اللجنة الدولية لكسر الحصار عن غزة، النائب: يوسف عجيسة الجزائري، ليفتح لنا “الصندوق الأسود” لرحلات كسر الحصار، وليكشف لنا عن كواليس وتحديات “أسطول الصمود والحرية” الذي تحرك حديثاً، أو ما بات يُعرف في الأوساط التضامنية بـ “مهمة الربيع”.
س1: مع مرور سنوات على حصار غزة وتكرار محاولات الأساطيل السابقة، ما الذي يجعل “مهمة ربيع 2026” مختلفة استراتيجياً عن سابقاتها؟ ولماذا اخترتم هذا التوقيت بالذات للانطلاق من قلب أوروبا (مرسيليا وبرشلونة)؟
ج1: إجابةً عن التساؤل: “لماذا الآن؟”، فالحقيقة الساطعة أنه لو كان في مكنتنا، بعد أن تم الاستيلاء الغاشم على الموجتين الماضيتين في العام المنصرم “أسطول الصمود” و”أسطول تحالف الحرية” لأبحرنا على الفور بموجة ثالثة لا تعرف التردد. غير أن تضافر جملة من العوامل، وعلى رأسها العوامل المناخية العاتية التي حالت دون إبحار السفن نحو قطاع غزة، أرجأ مساعينا مؤقتاً. وما إن لاحت لنا أول فرصة، وتنفّس المناخ ليمنحنا سانحة العبور، حتى أطلقنا ما اصطُلح على تسميته بـ “مهمة الربيع”، لتكون اسماً على مسمى؛ تبشر بربيع التضامن الإنساني المتجدد الذي لا تذبله آلة القمع ولا توقفه تقلبات المناخية.
وفي واقع الأمر، لا دلالة حصرية للتوقيت؛ ذلك لأن جدار الحصار الخانق ما زال مضروباً، وآلة الإبادة العمياء ما زالت تحصد الأرواح البريئة بلا هوادة. فالكيان الغاصب يوصد كل منافذ شريان المساعدات، ويُحكم قبضته العسكرية على المناطق الحيوية، حاصراً الغزيين في رقعة ضيقة، وسالباً إياهم أبسط مقومات الحياة الكريمة من دواء وغذاء ومأوى. ومصداقاً لذلك، فكلما استطال ليل الحصار، تضاعفت عزيمتنا، فنحن على أهبة الاستعداد لتسيير الموجة تلو الموجة، في التحام وتنسيق متينين مع كل أحرار العالم، من متضامنين ودبلوماسيين وسياسيين ونواب، آلين على أنفسهم ألا يهدأ لهم بال حتى يُرفع الظلم وتُفتح المعابر.
وتأسيساً على هذا الواجب الإنساني، لم نقتصر في رؤيتنا على الانطلاق من قلب القارة العجوز فحسب، بل كان من عزمنا أن نمخر العباب من موانئ شتى، تتوجها الموانئ العربية وعلى رأسها ميناء قرطاج العريق في تونس. ولكن، وكما لا يخفى على الرأي العام، فإن بعض النشطاء الشرفاء الذين طالتهم يد الاحتجاز وباتوا اليوم تحت طائلة المتابعة القضائية –وهم القيادة العليا لـ “أسطول الصمود” الذين بفضل جهودهم انطلقنا من تونس في العام الماضي بأسطول يضم اثنتين وعشرين سفينة– قد تسبب غيابهم القسري في إرباك مسار العمل والتنظيم الذي كان يهدف لانطلاقة عربية وعالمية متزامنة ومهيبة.
لقد كانت سفننا مشرعة الأشرعة من برشلونة، ومرسيليا، وإيطاليا، واليونان، وتركيا. إلا أنه وببالغ الأسى حالت دون انطلاقتنا من تونس ظروفٌ صعبة تعلمونها جميعاً، في وقت كنا نأمل فيه أن تشارك دول المغرب العربي وماليزيا وغيرها في هذه الملحمة التضامنية. ومن هذا المنبر، نرفع نداءنا لضمير العالم أجمع بأن يتخندق متضامناً مع هؤلاء المحتجزين الأحرار، آملين أن ترفع السلطات في تونس عنهم غمامة هذا الحجز، لتظل تونس كما عهدناها؛ منارة سبّاقة لنصرة المظلومين. فإن تونس بقيادتها الأبية وشعبها الأصيل، لطالما كانت ظهيراً وسنداً للقضية الفلسطينية، ولن تحيد عن مواقفها الراسخة مهما تعاظمت الأسباب، ومهما اشتدت طاحونة الضغوط، أو تكالبت الابتزازات الدولية التي تتعرض لها شعوب المنطقة وأنظمتها.
نحن ندرك تمام الإدراك أن هذا الكيان الغاشم يمد أذرعه الخبيثة كأخطبوط يتغلغل في كل بقعة، مسلطاً سيف الضغط السياسي والدبلوماسي لوأد هذه الأساطيل قبل إبحارها، وساعياً لإجهاضها في مهدها وموانئها. وقد سخّر في سبيل ذلك أعتى أساليبه وأكثرها دناءة؛ من ترهيبٍ مقيت، وقمعٍ وحشي، وغطرسةٍ عمياء، وصولاً إلى ممارسة القرصنة الفجة في المياه الإقليمية، بل وتجاوز ذلك إلى قصف السفن السلمية ومحاولات إغراقها الغادرة، سواء في الموانئ الآمنة أو في غياهب أعالي البحار. لكن، ورغم كل أشكال الإرهاب البحري، ستبقى أشرعة الحرية مشرعة، ولن تكسر هذه الممارسات إرادتنا في الإبحار حتى نبلغ غايتنا ونعانق شواطئ غزة.
س2: خلف كل سفينة تبحر هناك آلاف الساعات من العمل السري والعلني. ما هي أكبر العقبات “البيروقراطية” أو “الأمنية” التي واجهتكم في الموانئ الأوروبية، وكيف نجحتم في تجاوزها لتأمين إذن الإبحار لأسطول بهذا الحجم؟
ج2: في حقيقة الأمر، وحين نأتي لنتحدث عن حجم التحضيرات، ومدى دقة الإعداد والاستعداد الذي يسبق هذا العمل العظيم، فإننا بلا شك لا نتحدث عن أمر هيّن أو يسير. ولا ينبغي لنا البتة أن نتوهم أن تجهيز أسطول بهذا الحجم وهذه الأهمية، والذي يضم بين جنباته مشاركين من جنسيات شتى، هو مجرد نزهة بحرية. فنحن نتحدث عن أسطول يقل على متنه نحو ألف مشارك، يمثلون فسيفساء من الجنسيات، ولكل منهم تقاليده الراسخة، وأفكاره المتنوعة، ومناهجه المختلفة، ولغاته المتعددة. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فكل سفينة من هذه السفن تتطلب قدراً هائلاً من التجهيز؛ من تحضيرات لوجستية دقيقة، وتدابير أمنية صارمة، إلى جانب التواصل المستمر مع الجهات المعنية.
كما أن هذا العمل يستدعي تضافر جهود الحقوقيين والمحامين، ناهيك عن التنسيق المكثف والمعقد مع إدارات الموانئ، والأنظمة السياسية، والحكومات، والشخصيات الدبلوماسية. إنه عمل يقتضي إشراك الجميع؛ من منظمات المجتمع المدني في كل بلد، والجمعيات الأهلية، والكل يسهم ويبذل أقصى جهده من أجل إنجاح هذا المسعى النبيل. وهذا في الواقع يتطلب عقد اجتماعات متتالية وماراثونية، بل ويومية؛ صباحاً ومساءً وليلاً، ناهيك عن التحدي المتمثل في فارق التوقيت الزمني الشاسع بين المشاركين؛ فمنهم من هو في الأمريكتين، ومنهم من يقيم في آسيا، وآخرون في أوروبا والعالم العربي. كل هذه التحديات تلقي بظلالها وتأثيرها على سير العمل.
ولكن، وعلى الرغم من كل هذه الصعاب، فإن ما نراه يتحقق هو محض توفيق من الله عز وجل، وهو ثمرة لجهد جهيد وبذل سخي من قبل هؤلاء المشاركين. وكما أسلفت، فإن الكثير من هؤلاء لا تربطهم بفلسطين روابط اللغة، أو الدين، أو الحدود، أو حتى الجغرافيا المشتركة؛ ولكن ما يجمعهم هو نداء الإنسانية العميق. إنهم يرفضون رفضاً قاطعاً هذا الحصار الجائر، ويستنكرون هذه الإبادة الوحشية، ويدينون هذا العدوان الهمجي. إنهم يقفون ضد كل ما يقترفه هذا الجيش الذي يروجون له ويصفونه زيفاً بالجيش الأخلاقي، في حين أن ممارساته هي أبعد ما تكون عن الأخلاق الإنسانية الفطرية البسيطة.
وحين نمعن النظر في تفاصيل هذه اللحمة الإنسانية، ندرك يقيناً أنها ليست مجرد رحلة بحرية عابرة، بل هي جهود جبّارة وجهادٌ عظيم ينهض به الجميع بقلوب مؤمنة بقضيتها. تبدأ هذه المسيرة من التحضيرات المضنية التي لا تعرف الكلل؛ بدءاً من الدقة في اختيار السفن واقتنائها، وصولاً إلى إعداد طواقمها وتجهيزها بأحدث التقنيات من آلات تصوير وشبكات اتصال الانترنت، لضمان نقل الحقيقة حيةً للعالم، فضلًا عن تلبية شتى الاحتياجات اللوجستية المعقدة. ويتوازى مع ذلك جهد شاق في رسم المسارات البحرية الآمنة، وتحديد الموانئ، والخوض في غمار البيروقراطية لاستصدار أذونات الرسو.
ولا يخفى على المتابع الحصيف حجم الضغوط الهائلة التي يتعرض لها الناشطون والمتضامنون، بل وحتى طواقم السفن أنفسهم. وتتعاظم هذه الضغوط حين ندرك تحديات التوقيت الزمني والتأخيرات الرهيبة التي تعترض مسارنا؛ فجميع هؤلاء المشاركين الأبطال هم في نهاية المطاف أناسٌ لديهم وظائفهم وحياتهم في بلدانهم الأم، وتربطهم التزامات وظيفية وأسرية بمؤسساتهم وجمعياتهم. يتركون كل هذا خلف ظهورهم، ليواجهوا عوائق جمة في عرض البحر، سواء كانت عواصف مناخية عاتية، أو عراقيل تُفتعل لعرقلة المسير. وفوق كل هذا ثمة شبكة معقدة من الالتزامات التي تقيدنا مع دول شتى، حيث يرتهن تقدمنا باستصدار أذونات رسمية للعبور أو الرسو. وفي كثير من الأحيان، تصطدم مساعينا بجدار الرفض أو المماطلة، فلا نجد سبيلاً إلا بتجاوز هذه العقبات، مما قد يدفعنا أحياناً لخوض غمار مغامرات محفوفة بالمخاطر، لا لشيء إلا لإيصال رسالتنا السامية وإكمال المهمة.
إن هذا العمل بكل تفاصيله، ليس بالأمر الهين أبداً. ففي النهاية، قد يتابع العالم عبر الشاشات إنجازاً ضخماً، وزخماً يحمل أثراً دبلوماسياً وسياسياً وإعلامياً يسر الناظرين ويثلج الصدور. لكن هذا البريق الظاهر يخفي وراءه جبالاً من التحضيرات الشاقة، والتضحيات التي ترهق الأرواح والأجساد وتستنزف المقدرات المادية. كل هذا الجهد المضني، وتلك التعقيدات اللوجستية، تُبذل عن طيب خاطر حتى يخرج هذا الأسطول في حلته المهيبة وأبهته الجميلة، حاملاً بين أشرعته أملاً لا ينطفئ، ساعياً لكسر قيد الحصار الظالم، وإدخال الفرحة، ولو لبرهة، إلى قلوب إخواننا الصامدين في قطاع غزة.
س3: نرى اليوم مزيجاً فريداً بين مبادرة “ألف مادلين” الفرنسية والتحالفات الدولية. كيف انعكس هذا التنوع الشعبي على روح العمل الجماعي داخل السفن؟ وهل تعتقد أن هذا التحالف يمثل “برلماناً شعبياً عالمياً” يتجاوز عجز الحكومات؟
ج3: إن الميزة الجوهرية التي تمنح “أسطول الحرية والصمود” في نسخته الحالية هذه القوة وهذا الزخم، هي إدراكنا العميق بأن تفرق الجهود قد يضعف الأثر. لذلك، فإن انطلاقتنا هذه المرة لا تشبه سابقاتها؛ فهي تأتي تتويجاً لعملية اندماج تاريخية بين مختلف الهيئات والمؤسسات التي كانت تنشط بشكل فردي ومتفرق في الأساطيل الماضية. لقد التقت الإرادات الصادقة، وامتدت جسور الوحدة والتنسيق من أوروبا الى أفريقيا، لتعانق جهود المخلصين في ماليزيا وتركيا وغيرها من الدول. توحد ”أسطول الحرية” مع ”أسطول الصمود” والتحموا مع ”اللجنة الدولية كسر الحصار” إضافة الى ”مبادرة ألف مادلين” هذا الالتفاف أثمر عن ولادة قيادة صلبة، تنصهر فيها كل تلك الجهود تحت مظلة هيئة عليا واحدة، أطلقنا عليها بكل اعتزاز وتصميم اسم “أسطول الحرية والصمود”، لتكون عنواناً لمرحلة جديدة من العمل المنظم والجماعي.
لم يكن هذا التحالف يوماً مجرد تجمع عابر أو تكتل شكلي، بل هو اصطفاف استراتيجي تحالفت فيه قوى حية وهيئات تضامنية لتشكيل جبهة عمل دولية موحدة. غايتنا من هذا الاندماج هي إرساء غرفة عمليات مشتركة تتابع كل تفاصيل الأسطول بدقة متناهية، وتذلل العقبات اللوجستية، وتضمن أعلى درجات التنسيق بين شتى الأطراف. نحن نؤمن يقيناً أن هذا التنسيق العالي والمحكم هو الدرع الواقي والسبيل الأوحد لضمان إنجاح هذا العمل الملحمي الكبير، والذي لا يهدف إلا لغاية إنسانية أسمى: تمزيق ستار الحصار الخانق، وفتح شريان حياة يتدفق بالمساعدات الطبية والإغاثية إلى أهلنا الصامدين والمحاصرين في قطاع غزة.
ولأن هذا التحالف بني على أسس متينة، فقد بدأ يؤتي ثماره العملية في الميدان وعلى أمواج البحر. لقد تجسدت هذه الرؤية الموحدة حين انطلقت باكورة سفننا من ميناء “مرسيليا” الفرنسي في الرابع من هذا الشهر، لتشعل شرارة الانطلاق الأولى. وما هي إلا أيام معدودات حتى انضمت إلى المسير سفن الحرية من ميناء “برشلونة” الإسباني في الحادي عشر منه. ولن تتوقف عجلة هذا التضامن الجغرافي الواسع؛ فنحن على موعد قريب مع إقلاع سفن إضافية ستشق عباب البحر من موانئ إيطاليا، واليونان، وتركيا، لتشكل لوحة تضامن عالمية تثبت أن الحق الفلسطيني لا تعيقه حدود ولا تحده مسافات.
إن اللحظة الحاسمة التي نعد لها العدة، والذروة التي تشرئب إليها أعناقنا جميعاً، ستكون في نهاية هذا الشهر الجاري. في ذلك الموعد، ستتجمع هذه القوافل التي انطلقت من موانئ شتى، وتلتقي أشرعتها في قلب البحر. هناك، في عرض المياه المفتوحة، ستلتحم هذه السفن لتتحول من جهود متفرقة إلى أسطول مهيب وجسد واحد يشد بعضه بعضاً. ومن تلك النقطة، وبقلب رجل واحد وإرادة لا تلين، ستكون الانطلاقة الكبرى والمباشرة لاختراق جدار العزلة، وتوجيه البوصلة نحو وجهتنا المقدسة: شواطئ قطاع غزة.
***
ونكمل الحديث في العدد القادم إن شاء الله تعالى.





