
الحج.. من أعظم الجهاد
مايو 14, 2026
هل ينجح أسطول الصمود الجديد؟ (1)
مايو 15, 2026
د. محمد مورو – رحمه الله
في معركة السويس أكتوبر ١٩٧٣ استطاع الجيش المصري وانطلاقاً من صيحة “الله أكبر” والإعداد العسكري والسياسي الجيد.. أن يحقق نصراً عظيماً وأن يَعبُر قناة السويس ويقيم رؤوس جسور في الضفة الشرقية للقناة، وحاولت إسرائيل الالتفاف حول هذا النصر وتفريغه من مضمونه فقامت بعملية “الثغرة” في منطقة “الدفرسوار” ونجحت في الوصول إلى مشارف مدينة السويس، واستهدفت تلك القوات احتلال مدينة السويس لاستكمال حصار الجيش الثالث في سيناء وتهديد القاهرة في نفس الوقت، ولو حدث هذا -لا قدر الله- لكان نصر رمضان قد تلاشى وأصبح غير ذي موضوع.
كانت القوات الصهيونية قد وصلت إلى مشارف مدينة السويس يوم أكتوبر حيث حاصرت المدينة ومنعت خروج قوافل الجرحى منها، وقد أحس أهل السويس بأن مدينتهم محاصرة؛ فتحركوا بوعي ووجدان إسلامي إلى مسجد الشهداء، وهو مسجد تابع لجمعية الهداية الإسلامية التي يرأسها الشيخ المجاهد حافظ سلامة، ويتدارك الأهالي الموقف ويبرز الشيخ حافظ سلامة كقيادة طبيعية لهم، وبرغم أن الأوضاع التموينية والمعيشية والعسكرية للمدينة كانت سيئة للغاية فإن الأهالي بقيادة الشيخ حافظ سلامة قد قرروا الصمود والقتال حتى النهاية، وبادروا إلى العمل، فأمر الشيخ حافظ سلامة بوضع بعض السيارات المحترقة والقديمة في مداخل المدينة، كما قام بإعداد مجموعة من الكمائن حول مداخل المدينة.
بدأت القوات الإسرائيلية في التحرك لدخول المدينة يوم ٢٤ أكتوبر، وتصدى الكمين الأول لمجموعة من الدبابات الإسرائيلية مكونة من ثلاث عشرة دبابة، ويصيب الكمين الأول دبابة وتفر باقي الدبابات ليتصدى لها كمين آخر موجود فوق مقهى أبو حجازية ويصيب منها دبابة أخرى، وتفر باقي الدبابات ليتصدى لها كمين ثالث موجود فوق عمارة رونكا، مما جعل الدبابات تفر باتجاه “بور توفيق” حيث وقعت في حقل ألغام هناك.
وتحاول مجموعة أخرى من الدبابات والمصفحات دخول المدينة فيتصدى لها الكمين الأول حيث يصيب دبابة ثم توباز؛ مما يشل حركة المجموعة فتفر باتجاه قسم شرطة “الأربعين”، واستطاع اليهود محاصرة ضباط وجنود القسم في الخندق ونجحوا في دخول القسم، ولكن أهالي السويس بقيادة المجاهد إبراهيم سليمان وأشرف عبد الدايم وإبراهيم محمد يوسف عزموا أن يخوضوا معركة كبيرة داخل القسم ويطهرونه من قوات الاحتلال؛ مما اضطر القوات الإسرائيلية إلى الانسحاب عن طريق سطح القسم بطائرات الهليوكوبتر وتركوا خلفهم ٣٣ جثة يهودية1.
وفي يوم ٢٥ أكتوبر قدم اليهود إنذاراً نهائياً للمدينة بالتسليم، وقد قبل محافظ السويس الإنذار وقرر تسليم المدينة، إلا أن الشيخ حافظ سلامة يرفض هذا الأمر وقرر استمرار المقاومة وأصدر بياناً تاريخياً عن طريق مكبر الصوت التابع لمسجد الشهداء قال فيه:
“بسم الله الرحمن الرحيم، نداء إلى المواطنين، بعد حمد الله تبارك وتعالى والثناء عليه، والصلاة والسلام على رسول الله، إن اليهود قد أنذروا المدينة بالاستسلام وإن المدينة قد قررت رفض الإنذار بإذن الله تعالى ومواصلة القتال إلى آخر قطرة من دمائنا، وعلى كل فرد من أفراد المقاومة أن يظل في موقعه ويدافع عنه إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً، وما النصر إلا من عند الله”.
وإزاء هذا الموقف قررت القوات الإسرائيلية السيطرة على مسجد الشهداء باعتباره مركز قيادة المقاومة الشعبية، وتحاصر الدبابات الإسرائيلية منطقة مسجد الشهداء وعملت كردون من سبع دبابات حولها، وثلاث مصفحات، وتستطيع مصفحة واحدة منها أن تصل إلى أول شارع الشهداء وتضرب ضربات استكشافية فأصابت واحدة منها المسجد وأصابت بعض الضربات عدداً من المنازل، بل واستطاعت دبابة أن تصل إلى منطقة المسجد بينما وقفت أخرى في أول الشارع وثالثة في مدخل شارع سعد زغلول، ولكن شعب السويس تدافع للدفاع عن مقر قيادته ومركز مقاومته واستطاع شعب السويس أن يدمر هذه الدبابات وأن يجبر الباقية على الفرار.
وفي يوم ٢٦ اكتوبر، وهو يوم عيد الفطر، كان هناك اتجاهان: الاتجاه الأول يرى إقامة صلاة العيد على أساس أن هذا إظهار للتحدي أمام اليهود، والاتجاه الثاني هو عدم الصلاة على أساس أن صلاة العيد سُنة وليست فرضاً وأن المدفعية والطيران الإسرائيليين يمكنهما أن يصيبا المسجد والمصلين.
وانتصر الرأى الأول وبدأ التكبير والتحميد وتوافدت الجماهير إلى المسجد لتعلن التحدي، وكذلك جاء أفراد الجيش الثالث لأداء الصلاة وازدحم المسجد وخارج المسجد بالمصلين، وتُقام الصلاة والطائرات تحوم وتقصف والمدفعية تطلق ضرباتها دون أن يصاب المسجد أو المصلين بأي أذى لأن الله كان هو الحارس.
الله أكبر لا إله إلا الله.. الله أكبر ولله الحمد.. الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة وأصيلاً.. الله أكبر أعز جنده وهزم الأحزاب وحده.. لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون..
وفي نفس هذا اليوم -أي يوم العيد- يشتبك المجاهدون أمام مدرسة التجارة الثانوية مع الدبابات الإسرائيلية ويصيبون بعضها ويُصاب سور المدرسة ويسقط شهيد. وعند مصنع الأزرار يشتبك كمين من المجاهدين مع الدبابات الإسرائيلية ويصيب بعضها ويسقط شهيد آخر.
وعند وابور المياه يشتبك المجاهدون مع دبابة كانت تريد اقتحام وابور الماء واحتلاله فيدمرها المجاهدون، وكانت الحصيلة ٦ دبابات إسرائيلية مدمرة وعشرات القتلى والجرحى اليهود. وتستمر المدينة في الصمود وتستعصي على القوات الصهيونية، برغم حصار الجوع والعطش، وبرغم الضرب المدفعي وقصف الطائرات المستمر.
عمليات منظمة “ثورة مصر”
تخلص وقائع الأحداث في منظمة ثورة مصر إلى أن عدداً من الشباب الوطني الحريص على العبادات والشعائر الإسلامية2، وكان عدد منهم من العسكريين السابقين أو الحاليين؛ مثل محمود نور الدين والعقيد محيى الدين عدلي ضابط بالقوات المسلحة المصرية، والمقدم أحمد علي، والرقيب أول قوات جوية أسامة خليل، والشيخ حامد إبراهيم يوسف مساعد بالقوات المسلحة، والعميد حسن هوان، والعقيد ممدوح عدلي، ومن المدنيين: أحمد عصام، نظمي شاهین، حماده شرف، إسماعيل عبد المنعم إسماعيل، الدكتور حمدى موافي، سامي فیشه، جمال عبد الحفيظ.
وقد قام هذا التنظيم بعدد من العمليات الجريئة ضد العناصر الأمريكية والصهيونية في مصر، ففى ٤-٦- ١٩٨٥ تم إطلاق الرصاص على “زيفى کيدار” مسئول الأمن بالسفارة الإسرائيلية بالقاهرة، وقد نفذ هذه العملية كل من: محمود نور الدین، نظمی شاهین، حماده شرف، سامي ابراهیم.
وفى ١٩-٣-١٩٨٦ تم تنفيذ عملية المعرض كاحتجاح على المشاركة الإسرائيلية في معرض القاهرة الدولي للكتاب، وقد ترتب على هذه العملية جرح أربعة إسرائيليين، وقد نفذ هذه العملية كل من: محمود نور الدین، نظمي شاهين، محيي عدلي، أحمد علي، سامي إبراهيم، حمادة شرف الدين، جمال عبد الحفيظ، أحمد عصام.
وفي ٢٦ مايو سنة ۱٩٨٧ تم تنفيذ عملية إطلاق الرصاص على عدد من الأمريكيين العاملين في المخابرات الامريكية؛ مثل: جون هوكي وجون فورد ودينيس ويليافر، وقد نفذ هذه العملية كل من محمود نور الدین، نظمي شاهین، سامی فیشه، حماده شرف الدين.
سليمان خاطر – حادث رأس بركة
في يوم ٥ أكتوبر سنة 1985 قبيل الغروب، كان الجندي سليمان خاطر في خدمته التي بدأت الساعة الثانية ظهراً على نقطة مرتفعة عن الأرض ١٥٠ متراً، في مكان على هيئة صحن، جلس الجندي سليمان خاطر وتحته الخليج، ومعه السلاح الذي كان جاهزاً ومعمراً كعادة سليمان خاطر دائماً، صعدت مجموعة من اليهود -أكثر من سبعة- إلى المكان الذي كان يحرسه سليمان خاطر، أطلق سليمان النار على اليهود، مات سبعة وجُرح اثنان، كان القتلى هم: شلاح عامان، بوم أمبر، بارى دين، جوريفل أبيتا، شيلا زيلبل، أو فرى توريل، شيلاك إيلانا. والجرحى هما: أجوديوم، موشى يوم. ونجا عدد آخر حيث فروا من المكان.
وكان السلاح المستخدم في الحادث هو البندقية الآلية رقم ١٢٢٣٤٠٨ عيار 39*7.62، وتمت العملية قبيل الغروب.
ملامح شخصية سليمان خاطر
سليمان محمد عبد الحميد خاطر – ٢٥ سنة – مواليد سبتمبر ١٩٦٠ من بلدة أكياد مركز فاقوس، محافظة الشرقية، له خمسة أشقاء هو أصغرهم، من أسرة ريفية متدينة، جُند في ٤-۱۰-۱۹۸۲ وانضم إلى قوات الأمن المركزي بسيناء في ١-٦-١٩٨٣، حصل على الثانوية العامة العام ١٩٨٣ القسم الأدبي، التحق بكلية الحقوق جامعة الزقازيق، نحيل الجسم، نظيف الملبس في غير تكلف، طويل الجسم، وسيم3.
“وديع – هادئ متدين – معتز بكرامته – صريح وصامت، يؤدي جميع فرائض الصلاة في الجامع، يصوم الاثنين والخميس أسبوعياً، يصلي إماماً بالناس في الجامع، لا يعرف العلاقات المنحرفة، ودائماً متوضئ وعارف ربنا”4. “مسلم غيور على دينه وكرامة بلده”5. “مواظب على الصلاة وليس له مشاكل مع زملائه وليست له تصرفات مريبة أو شاذة”6. “كويس ومؤدب وسلوكه عادى جداً ويصلي كما نصلي جميعاً”7.
“إنني أؤمن بالله عز وجل ولا أخشى الإعدام، وكل ما أخشاه أن يكون الحكم عليّ سبباً في تردد أو تخاذل الجنود لأنهم يخشون حساباً جائراً على أداء الواجب”8. “طول عمرنا نعرف أن اليهود أعداء الله والرسول وأعداء المسلمين، ولقد فرحت لأن ابني قتل اليهود”9.
وقد نشرت الصحف بعض الصور لسليمان خاطر، وقد كُتب على بعض البراميل في وحدته شعارات مثل: الله أكبر ولله الحمد، الله غايتنا والرسول زعيمنا والإسلام ديننا، وغيرها من الشعارات الإسلامية10.
هذا وقد تم اغتيال سليمان خاطر في السجن الحربي في ظروف مريبة وادعت الأجهزة الرسمية أنه مات منتحراً، وقد حدث تعاطف شعبي واسع مع سلیمان خاطر وانفجرت العديد من المظاهرات الصاخبة في الزقازيق والقاهرة والمنصورة وغيرها من المدن المصرية. وقد حاولت الدوائر الإعلامية المشبوهة سحب الرصيد السياسي للحادث عن طريق ادعاء أن سليمان خاطر كان مختلاً عقلياً، وهو الأمر الذي لم يثبت على الإطلاق.
سيد نصير – إعدام كاهانا
بينما كان الحاخام مائير كاهانا11 يلقي خطاباً في نحو ستين رجلاً من أنصاره في صالة المؤتمرات في الطابق الأول من فندق بحي مانهاتن بمدينة نيويورك، في مساء يوم ٦ نوفمبر ۱۹۹۰ دخل إلى القاعة شاب نحيف ذو لحية، تظاهر بالاستماع إلى محاضرة كاهانا. قال كاهانا كلامه التقليدي الذي يقوله في كل محاضرة: “ليس أمام عرب فلسطين إلا الموت أو الطرد”، قالها بصوت عالٍ فيه نبرة غطرسة وغرور، بينما قال الشاب النحيف لنفسه بصوت لم يسمعه أحد: “فلسطين إسلامية رغم أنف الصهيونية”.
وعندما وقف مائير كاهانا يتلقى بعض الأسئلة من الحاضرين، اتجه نحوه الشاب النحيل سيد نصير في هدوء وثبات وكان مبتسماً، وبادره بإطلاق رصاصتين أصابت إحداهما عنق الحاخام وأصابت الثانية صدره، ونُقل الحاخام إلى المستشفى الذي أعلن وفاته بعد خمسين دقيقة من وصوله.
خرج سید نصير من الفندق بعد أن جُرح برصاص أحد الزبائن، وبينما كان يستعد لإجبار سيارة أجرة على نقله حاول رجل شرطة متقاعد تصادف وجوده في المكان في ذلك الوقت اعتراض طريقه؛ فتبادل معه إطلاق الرصاص وأصيب كل منهما.
انتقل السيد نصير إلى المستشفى، ووُضع تحت حراسة مشددة، وعندما علم بموت كاهانا برصاصات مسدسه ابتسم في سعادة، لقد أدى شيئاً من واجبه نحو فلسطين، نحو القدس، نحو أمته الإسلامية.
ملامح الشخصية والدوافع
سيد عبد العزيز نصير – مواليد بور فؤاد عام ١٩٥٥، تخرج في كلية الفنون التطبيقية بجامعة حلوان عام ۱۹۷۸، هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية في ١٤- ٧- ۱۹۸۱، تزوج سنة ۱۹۸۳ من فتاة أمريكية مسلمة. يقول أحد زملائه: “إنه ملاك، لا يعرف الكذب والخداع، لم يتغير فيه شيء منذ جاء إلينا، زوجته سيدة فاضلة، إنه إنسان فريد، لا يتكلم كثيراً، لم أر دموعه إلا عندما وصلت إلينا أنباء مذبحة المسجد الأقصى التي دبرها الإرهابيون اليهود”12.
أما الأب عبد العزيز السيد نصير فيقول: “سيد كان تقياً يعرف الله تعالى وكان محبوباً من الجيران، دائم التردد على المساجد. زوجته ترتدى الحجاب وكان مشهوراً بالأدب وحسن السلوك”13. ويقول شقيقه محمد نصير: “إن سيد فعل هذا دفاعاً عن كل المسلمين”14.
وقد أثبتت التحقيقات الصحفية والحوارات الشخصية المختلفة مع سيد نصير من خلال المحامين المصريين وغيرهم، أنه قام بهذا العمل انتقاماً لمذبحة المسجد الأقصى التي قام بها اليهود في شهر أكتوبر ۱۹۹۰ أي قبل أقل من شهر على هذا الحادث”15.
أيمن محمد حسن وحادث نقطة البرج
أيمن محمد حسن، من مواليد محافظة الشرقية سنة ١٩٦٧، مجند بقطاع وسط سيناء للأمن المركزى، متدين، هادئ الطباع، يقرأ الكتب الدينية، يحفظ القرآن الكريم، وسيم الشكل والملامح، طويل، قوي البنية، بطل مصارعة سابق16.
يقول أيمن إنه نفذ العملية انتقاماً للمذابح التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني على يد اليهود، وخاصة مذبحة المسجد الأقصى في أكتوبر ۱۹۹۰، وأنه فعل ذلك لإكمال مسيرة سليمان خاطر وسيد نصير، وأن يكون واحداً من هؤلاء المجاهدين في سبيل الله باعتبار الجهاد ذروة سنام الاسلام. ويضيف أيمن أن فكرة الانتقام ظلت تراوده وتلح عليه إلى أن نفذها في النهاية17.
ويحكى أيمن في تحقيقات النيابة العسكرية أنه في يوم ٢١-١١-۱۹۹۰ قرر أيمن أن ينفذ العملية، وبدأ بالخطوات العملية لتحقيق ذلك، وفي ٢٤-١١-١٩٩٠ أخذ أيمن يفكر ولم يقبل تناول الطعام وكان يفكر في كيفية دخول الأراضي المحتلة، يقول أيمن:
“عرفت في ذلك اليوم أنني فرد خدمة على نقطة البرج من الساعة العاشرة مساء إلى الثالثة صباحاً، وأخذت أفكر كيف أجهز السلاح والذخيرة اللازمة لتنفيذ العملية؟ وقررت أن أعبر الحدود مع أول ضوء وأن أحصل على السلاح والذخيرة الموجودة في غرفة الاتصال، وانتهزت فرصة غياب فرد خدمة غرفة الاتصال وقمت بدخول الغرفة وحصلت على ۱۲۰ خزنة من الخزنة الصالحة للبندقية الآلية التي كانت معي، وقد حصلت على تلك الخِزَن على دفعات وكنت أقوم بإخفائها في إحدى الصخور في مكان الخدمة بمنطقة البرج، وعندما اطمأننت إلى عدم اكتشاف الأمر أغلقت صندوق الذخيرة وأخذت المزيد من الطلقات، حتى أصبح لدى ٢٥٠ طلقة بالإضافة إلى ٢٥ طلقة هي عهدتي، علاوة على خِزَن زميلي عیسی راغب وكان بها ٢٥ طلقة كان قد تركها بغرفة الاتصال، وكانت الذخيرة من عيار 39*7.62.
ويضيف أيمن في تحقيقات النيابة العسكرية:
“كنت قد أفرغت مِخْلَتِي من المهمات حتى أضع فيها الذخيرة، وسبق ذلك أثناء وجودى بغرفة الاتصالات أن قمت بفتح الشباك من الداخل ووضعت الذخيرة على أفريز الشباك ثم أغلقت الشباك من الداخل، ثم خرجت من الغرفة والتففت حول العنبر وأخذت معي المخلة الخاصة بي، ثم قمت بوضع الذخيرة بها وتوجهت إلى مكان الخدمة بالبرج، وبدأت أثناء وجودي بالبرج تعمير الخِزَن بالذخيرة، وفي حوالي الساعة الثانية صباح يوم ٢٥-١١-۱۹۹۰ جاء لي الجندي عيسى وقال لي: “ألن تنزل لتُسلّم الخدمة للجندي سعيد؟ فقلت له: “اِتركه فهو تعبان وأنا أمسك الخدمه مكانه”. وكنت قد أخفيت الخزن والذخيرة حتى لا يرتاب أحد في أمري، وبعد ذلك رأيت فرد خدمة الاتصال ويُدعى عاطف، فذهبت إليه بحجة شُرب الشاي معه، فلما طلب مني إيقاظ الجندي سعيد استجبت له حتى يقوم سعيد بالجلوس معه ليشغله عني، وعملت شاي وكاكاو وقعدنا نتكلم مع بعضنا ثم تركتهم وطلعت إلى مكان خدمتي بالبرج، واستكملت تعمير باقي الخزن ثم نزلت إليهما وصليت معهما الفجر في جماعة، ثم استأذنت منهم لتغيير ملابسي بحجة أنها مبللة، وبالفعل قمت بتغيير الملابس ولبست بدلاً من البدلة الصوف أَفَرُول خفيفاً، وبدل البيادة كوتش وشراب ملكي، حتى أصبح خفيف الحركة أثناء تنفيذ موضوع ضرب اليهود. كما لبست حزاماً على وسطي وقايش أيضاً استعرته من أحد الزملاء، وذلك حتى أستخدم كل من الحزام والقايش في ربط الخزن حول وسطي. ثم عمرت البندقية رقم ۳۱ بالذخيرة وتركتها على وضعها ولم أقم بسحب الأجزاء حتى لا تحدث صوتاً، ثم توكلت على الله ونزلت واتجهت إلى طريق الحدود الدولية.
وعبرت الحدود، وتوغلت مسافة ۳۰۰ متر وعبرت الطريق الأسفلتي إلى الجهة الأخرى وتخيرت كَميناً صالحاً للضرب عبارة عن زوايا حديدية مثبتة وعليها ألواح حديدية طولها ١٥ متراً، كما أخذت المكان بحيث يشرف على منحدر بالطريق يضطر معه سائقو السيارات إلى تهدئة السرعة عند العبور منه، وقد اتخذت ساتراً لى حتى لا يراني القادم من إسرائيل وأخذت الوضع راقداً، ووضعت البندقية على الأرض بين الزوايا الحديدية في منطقة تقع بين العلامة 81 ح والعلامة ۷۹ ش، وكانت الساعة قد تجاوزت السادسة بقليل، وجاءت سيارة إسرائيليين نصف نقل من اتجاه العلامة ٨١ ح متجهة إلى العلامة ۷۹ ش، أي من الجنوب إلى الشمال، وما إن اقتربت العربة مني على مسافة ٥٠ متراً حتى أطلقت عليها الرصاص، إلا أن العربة استمرت في السير.
وبعد فترة بسيطة حضرت عربة جيش إسرائيلية من الاتجاه العكسي أي من الشمال إلى الجنوب، فأطلقت عليها الرصاص في اتجاه سائق العربة الذي أصيب، وتوقفت العربة أمامي فقمت بالالتفاف حولها وأطلقت الرصاص على السائق مرة أخرى فقُتل في الحال، ثم عدت إلى وضعي السابق وغيّرت خزن السلاح، وجاءت على الفور سيارة أوتوبيس إسرائيلية من الجنوب إلى الشمال فأخذت الوضع راقداً ونشّنت على السائق وهو قادم على مسافة حوالي ۷۰ متراً، فانحرف الأتوبيس ونزل السائق من باب الركوب وانبطح أرضاً فقابلته بمزيد من الرصاصات. وفي تلك الأثناء جاء أوتوبيس آخر سياحي من الجنوب إلى الشمال فأخفيت السلاح وتظاهرت بالوقوف على الطريق، وعندما هدأ الأوتوبيس من سرعته أطلقت الرصاص على مقدمته ثم تبادلت الرصاص مع الكمساري حيث أن كل الكمسارية في إسرائيل يحملون سلاحاً، وأنا كنت أعرف هذا من قبل، ثم أخذت ساتراً وأخذت أتبادل إطلاق النار مع الكمساري والسائق وأخذت أحاول الانسحاب إلى داخل الحدود المصرية؛ لأنه من الطبيعي أن يكونوا شعروا في إسرائيل بكل ذلك ولابد أن تتحرك وحدات إسرائيلية لمطاردتي.
وبالفعل وقبل وصولي إلى الحدود المصرية وجدت دورية إسرائيلية قادمة من الشمال إلى الجنوب وأطلقوا النار عليّ، إلا أننى أفلتُّ بعون الله واتخذت طريقاً ملتوياً زقزاقياً، ولم تصبني أية طلقة وعبرت الحدود المصرية لمسافة ٣٠٠ متر ووصلت إلى وادى أسفل تبة الصفراء حتى لا أكون في مرمى نيران الجنود الإسرائيليين، وجلست تحت شجرة لأستريح وقررت الاتجاه إلى طريق الكونتيلا أو طريق عثمان حتى لا يعرف اليهود أننى من ضمن أفراد نقطة البرج فيقوموا بالاعتداء عليها، وتوجهت إلى طريق عثمان فوجدت عربة نصف نقل من طراز تويوتا تحمل جراكن وطلبت من سائقها توصيلي إلى الكونتيلا، فقام بتوصيلي إلى موقع لشركة (عثمان أحمد عثمان) وجلست بجوار الغفير، وكانت بي إصابة طفيفة نتيجة مرور إحدى الرصاصات بالقرب من جبهتي، وسألني الغفير عن سبب إصابتي فقلت له تفاصيل الموضوع وأنني قتلت اليهود لأنني أكرههم، وطلبت منه أن يخبر أهلي أنني استشهدت في سبيل الله، وكتبت له عنوان أهلي بالطباشير على الحائط، لعدم وجود أوراق وأقلام، وعندما جاء مهندس الموقع قلت له أن يكتب خطابات باسمي إلى أهلي، وقمت بإملائه صيغة الجواب فكتبها، وطلبت منه أن يسلّمها إلى الحاج محمد حسن، ثم وقّعت بنفسي على الجواب، وقد تم تحرير الخطاب بمعرفة النيابة وهذا نصه:
“بسم الله الرحمن الرحيم.. الوالد الكريم الحاج محمد حسن، ابنكم مات شهيداً في سبيل الله، وأعرّفك أنني أحترمكم جداً، ولا تندموا على أيمن، لأن الندم لا ينفع بل الصبر، وأنا لقيت أجلي والموت حق على كل إنسان، وأكنّ لكم كل الحب ولا تبكوا على أيمن فقد مات شهيداً”.
وبعد ذلك [والكلام ما زال لأيمن] طلبت من المهندس توصيلي إلى وحدتى، فقام بتدبير سيارة وزاملني فيها اثنان من الأمن الخاص بالشركة، وقد أعطاني أحدهما جاكيت صوف والآخر أعطاني تلفيعة حتى لا أتأثر بالبرد، وبالفعل وصلت إلى وحدتي وسلّمت نفسي لقائد المنطقة”.
على أي حال، فقد أسفرت تلك العملية وحسب البيانات الإسرائيلية عن مصرع خمسة إسرائيليين، بالإضافة إلى أكثر من ٢٠ جريحاً إسرائيلياً، وتدمير ست مركبات اسرائيلية ما بين أتوبيسات سياحية أو عادية أو عربات جيب”18.
إذن.. فقد كان أيمن قد أعدّ خطة مسبقة ونفذها بذكاء على عدة مراحل، فهناك القرار، ثم الرصد والمتابعة، ثم عمل خطة للتنفيذ، ثم تنفيذ العملية، والعملية برمتها وبكل مراحلها تدل على ذكاء وكفاءة من حيث اختيار الهدف والتوقيت ومكان الكمين وقرار الانسحاب في اللحظة المناسبة وغيرها.
على أن الجدير بالتسجيل أن زملاء أيمن وكل مَن قابله من المصريين قد تعاطف معه؛ فبعضهم ساعده في تحرير الخطاب، والبعض الآخر ساعده في الوصول إلى كتيبته، والبعض الثالث أعطاه سترة صوفية أو تلفيعه للوقاية من البرد.
وعلينا أن نلاحظ أن التعاطف الشعبي مع أيمن كان هو نفسه مع سليمان خاطر وسيد نصير، مما يدل على أن هذه الأعمال التي قام بها هؤلاء تعكس الوجدان الشعبى المصرى.
——
* محمد مورو، الحركة الإسلامية في مصر 1928 – 1993: رؤية من قرب، ط1 (القاهرة: الدار المصرية، 1994م)، ص176 وما بعدها.
1 د/ محمد مورو، تنظيم الجهاد، الأيدولوجية والجذور الشركة العربية الدولية للنشر.
2 إلى 9: وانظر في هذا الخصوص “مصطفى بكرى، ثورة الابن، كتاب الحرية”، وكذلك تحقيقات النيابة العسكرية وجريدة “الأهالي” عدد 16-10-1985، و”الشعب” ١٩٨٥/١٢/١٧.
10-14: انظر “أخبار اليوم” ۱۹۹۰/۱۱/۱۰ ، و”الوفد” ۱۹۹۰/۱۱/۹، وكذلك محمد مورو، إعدام كاهانا، الجذور الاسلامية لسيد نصير، دار الروضة، ۱۹۹۱.
15-18: د/ محمد مورو، رصاصة في قلب صهيون، دار المختار الإسلامی، ۱۹۹۱. وانظر كذلك: دفاعات أيمن حسن أمام المحكمة العسكرية بالسويس.





