
مئات المستوطنين يقتحمون الأقصى وسط قيود مشددة على الفلسطينيين
مايو 14, 2026
ومضات من كفاح الحركة الإسلامية المصرية
مايو 14, 2026
د. خالد أبو شادي
فك الله أسره*
الحج لغةً: القصد والكف والقدوم، والغلبة بالحجة وكثرة الاختلاف والتردد، وقصد مكة للنُّسك، والفاعل حاج وحاجج، ومؤنثه حاجة، والجمع حجاج وحجيج، والمرة الواحدة: حجة، بالكسر. واصطلاحاً: قصد البيت الحرام في زمن مخصوص بنية أداء المناسك من طواف وسعي ووقوف بعرفة وغيرها.
الحج يهدم ما كان قبله
عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: لما جعل الله الإسلام في قلبي، أتيتُ رسول الله ﷺ فقلت: ابسط يدك لأبايعك، فبسط، فقبضت يدي. قال: “مالك يا عمرو”؟ قلت: أشترط. قال: “تشترط ماذا”؟ قلت: أن يُغفر لي. قال: “أما علمتَ أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله”1. وهذا ما ورد في الحديث: “مَن حجّ الله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه”2.
وهذه رسالة بعثها الله إليك مفادها: إذا كنت قد قصرت في الماضي فها هو سبحانه يخلقك من جديد، ويسويك بقدرته الربانية في صفاء ونقاء عجيب.
أخي المشتاق.. الحج حرفان: حاء وجيم، فالحاء حلم من الرب، والجيم جُرم من العبد، فمن حج البيت فقد أدخل صغير جرمه في عظيم حلم الله؛ فربح البيع وكان الفوز وأعظم فوز.
الحج من أفضل أعمال البر
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سُئل النبي ﷺ: أي الأعمال أفضل؟ قال: “إيمان بالله ورسوله”. قيل: ثم ماذا؟ قال: “جهاد في سبيل الله”. قيل: ثم ماذا؟ قال: “حج مبرور”3. وفي الحديث: “الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة”4.
ومعنى الحج المبرور: أي الذي يقابله الله بالبر وذلك بأن يقبله، وقالوا في تعريفه إنه: الذي لا يخالطه شيء من الإثم. وقيل: أن يرجع خيراً مما كان عليه. وقيل: أن يرجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة. وقيل: الذي لا رياء فيه ولا سمعة ولا رفث ولا فسوق. وقيل: إنه إطعام الطعام، وطيب الكلام، وإفشاء السلام. والصحيح أنه يشمل ذلك كله.
من أعظم البر
وكان عبد الله بن المبارك (ت: ۱۸۱هـ) إذا أراد الحج جمع أصحابه وقال: “من يريد منكم الحج”؟ فيأخذ منهم نفقاتهم، فيضعها في صندوق ويغلقه، ثم يحملهم وينفق عليهم أوسع النفقة، ويطعمهم أطيب الطعام، ثم يشتري لهم من مكة ما يريدون من هدايا، ثم يرجع بهم إلى بلده، فإذا وصلوا صنع لهم طعاماً، ثم جمعهم عليه، ودعا بالصندوق الذي فيه نفقاتهم فرد إلى كل واحد نفقته!
الحجاج والعمار وفد الله
قال رسول الله ﷺ: “الحجاج والعمار وفد الله، دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم”5.
والوفد هم الذين يقصدون الأمراء لزيارة وإقامة ونحو ذلك، وأنت تعلم ما يفعل مع الوفود من البشر من حفاوة الاستقبال وكرم الضيافة، وهذا حال البشر مع البشر، فما بالك باستقبال رب البشر للبشر؟!
ومن عظيم الكرم ومنتهى الجود أن هذا الوفد يُكرم قبل أن يصل وتُغدق عليه الهدايا بينما هو في الطريق. قال ﷺ: “ما ترفع إبل الحاج رِجلاً ولا تضع يداً إلا كتب الله تعالى له بها حسنة، أو محا عنه سيئة، أو رفعه بها درجة”6.
قال علي بن الموفق: “حججت ستين حجة، فلما كان بعد ذلك جلست في الحِجر أفكر في حالي، وكثرة تردادي إلى ذلك المكان، ولا أدري هل قُبل مني حجي أم ردّ، ثم نمت فرأيت في منامي قائلاً يقول لي: هل تدعو أنت إلى بيتك إلا من تحب؟! فاستيقظت وقد سُرِّي عني”.
الحج جهاد وأعظم جهاد
قال رسول الله ﷺ: “نعم الجهاد الحج”7. وقال ﷺ: “لكن أحسن الجهاد وأجمله: حج مبرور”8.
وذلك لأن الحج أخو الجهاد في المشقة وبذل المال والنزوح عن الوطن ومفارقة الأهل وإيثار ما عند الله، والحجاج مثل الجنود في ارتدائهم زياً موحداً، وانتظامهم انتظاماً واحداً، واتجاههم وجهة واحدة، وتحركهم بفكرة واحدة وكأنهم جيش نظامي، وتأمل تجردهم من قانون الحياة العادية، والتزامهم بقانون آخر صارم غاية الصرامة لا يمكن التسامح فيه ولو بكلمة شاذة من رفث أو فسوق وإلا بطل الحج وضاع هباء منثوراً، وتأمل طاعتهم لأي أمر يصدر إليهم وتنفيذه على الفور كأنهم في ساحة قتال.
ومن ثم جعل النبي ﷺ الحج أحد الجهادين، وجعله جهاداً للمرأة لأنها لا تقوى على القتال، فقال لعائشة رضي الله عنها: “جهادكن الحج”9. بل وجعل ﷺ ذلك جهاد كل الضعفاء، فقال ﷺ: “الحج جهاد كل ضعيف”10.
المدهش في فضل الحج
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “أما خروجك من بيتك تؤم البيت الحرام، فإن لك بكل وطأة تطؤها راحلتك يكتب الله لك بها حسنة، ويمحو عنك بها سيئة، وأما وقوفك بعرفة، فإن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا، فيباهي بهم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاءوني شعثاً غبراً من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ويخافون عذابي ولم يروني، فكيف لو رأوني؟ فلو كان عليك مثل رمل عالج [أي متراكم] أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قطر السماء ذنوباً غسلها الله عنك، وأما رميك الجمار فإنه مدخور لك، وأما حلقك رأسك فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك”11.
الحج أبو العبادات
تتضمن مناسك الحج وشعائره كل أنواع العبادات من صلاة وصيام وصدقة، فيدخل في الحج أداء ركعتي الطواف خلف مقام إبراهيم، ومن كفارات الحج الصيام والهدي، وعلى هذا فالحج عبادة قائمة على ألوان العبادات جميعاً، والتي تشغل القلب والقالب وتتمكن من الظاهر والباطن، ولذا كان أبو حنيفة (ت: ١٥٠هـ) يفاضل بين العبادات قبل أن يحج، فلما حج فضّل الحج على العبادات كلها، ويبرّر ذلك مفتي البصرة أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي (ت: ۹۳هـ) بقوله: رأيتُ الصلاة تهلك البدن دون المال، والزكاة تهلك المال دون البدن، والحج يهلكهما معاً، لذا فهو أفضل الأعمال.
وبعبارة أخرى يقول ابن الجوزي (ت: ٥٩٧هـ): “فالصلاة والصيام يجمعان سببين من هذه الثلاثة: عقد القلب وفعل البدن، والزكاة تجمع سببين: عقد القلب وإخراج المال، والحج يجمع الأركان الثلاثة؛ فبان فضله، ثم إن إنهاكه للبدن أشد، وإجهاده للمال أكثر.”
وقد بين الإمام الكاساني كغيره من العلماء فضل الحج على غيره من العبادات فقال:” في الحج إظهار العبودية وشكر النعمة، أما إظهار العبودية فهو إظهار التذلل للمعبود، وفي الحج ذلك لأن الحاج في حال إحرامه يُظهرُ الشَّعَثَ ويرفض أسباب التزين، ويظهر بصورة عبد سَخِطَ عليه مولاه؛ فيتعرض بسوء حاله لعطف مولاه، وأما شكر النعمة، فلأن العبادات بعضها بدنية، وبعضها مالية، والحج عبادة لا تقوم إلا بالبدن والمال؛ ولهذا لا يجب إلا عند وجود المال وصحة البدن، فكان فيه شكر النعمَتَين، وشكر النعمة ليس إلا استعمالها في طاعة المُنْعِم، وشكر النعمة واجب عقلاً وشرعاً.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
* خالد أبو شادي، رحلة المشتاق للحج والعمرة، نسخة إلكترونية، ص8-12.
1 صحيح، انظر حديث رقم۱۳۲۹ في صحيح الجامع.
2 صحيح، انظر حديث رقم٦۱۹۷ في صحيح الجامع.
3 متفق عليه.
4 حسن، انظر حديث رقم۳۱۷۰ في صحيح الجامع.
5 حسن، انظر حديث رقم۳۱۷۳ في صحيح الجامع.
6 حسن، انظر حديث رقم٥٥٩٦ في صحيح الجامع.
7 صحيح، انظر حديث رقم 6769 في صحيح الجامع.
8 صحيح، انظر حديث رقم٥١٦٠ في صحيح الجامع.
9 صحيح، انظر حديث رقم۳۱۰۲ في صحيح الجامع.
10 حسن، انظر حديث رقم۳۱۷۱ في صحيح الجامع.
11 حسن، انظر حديث رقم: ١٣٦٠ في صحيح الجامع.





